بعد حادثة التدافع في الساحة الهاشمية.. كيف يمكن إدارة الحشود ومنع تكرار المأساة؟

في الوقت الذي كان فيه مئات المشجعين يتوافدون إلى الساحة الهاشمية وسط العاصمة عمان، لمتابعة مباراة المنتخب الوطني أمام نظيره الجزائري ضمن تصفيات كأس العالم 2026، تحولت أجواء التشجيع إلى مشهد مأساوي انتهى بوفاة شاب وإصابة 8 آخرين، إثر حالة تدافع وقعت عند مداخل الموقع، وفق ما أكدته مديرية الأمن العام.

وبحسب مشاهدات وشهادات متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدأت حالة الازدحام عند مداخل الساحة قبل انطلاق المباراة، حيث تكدس عدد كبير من المشجعين في نقاط دخول محدودة، مما أدى إلى توقف حركة التدفق الطبيعي للجمهور وتحوله إلى ضغط متزايد عند البوابات.

مديرية الأمن العام توضح أن كوادر الإسعاف تعاملت مع حالات في الموقع، جرى نقلها إلى المستشفى، مشيرة إلى أنه تم لاحقا تسجيل وفاة أحد المصابين.

وفي وقت لم تصدر فيه الجهات المنظمة للفعالية، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، توضيحات تفصيلية بشأن أسباب الاختلال التنظيمي الذي حدث عند المداخل، تتجه الأنظار إلى الإجراءات المتبعة في إدارة الحشود خلال الفعاليات الجماهيرية الكبرى، ومدى كفايتها لمنع وقوع حوادث مماثلة مستقبلا.

في المقابل، تقول رئيس قسم الإعلام في وزارة الشباب أماني المجالي في حديثها لـ"عمان نت"، إن الوزارة تعمل على إعداد تقرير مكتوب يتناول آلية تنظيم فعالية متابعة المباراة القادمة، بهدف منع تكرار الازدحامات التي رافقت الفعالية السابقة.

وتضيف المجالي أن التحضيرات ما تزال مستمرة، وأن الوزارة تعتمد عددا من المواقع الرئيسية إضافة إلى نحو ستين مركز شباب في مختلف المحافظات، ضمن خطة لتوسيع نطاق بث المباريات، مشيرى إلى أن بيانا رسميا سيصدر خلال ساعات يتضمن تفاصيل الإجراءات التنظيمية، بما في ذلك فتح الأبواب مبكرا لتنظيم دخول الجماهير وتحسين انسيابية التدفق.

وتؤكد أن المواقع المعتمدة لم يطرأ عليها أي تغيير، وأن الطاقة الاستيعابية للمدرج الروماني تقارب 6000 شخص، مع الالتزام بإغلاق الأبواب عند اكتمال العدد، موضحة أنه تم اعتماد مساحات إضافية خارج المدرج، تشمل الأوديون والساحة الهاشمية والساحات المحيطة، مما يرفع قدرة الاستيعاب الإجمالية في محيط الموقع إلى أربع نقاط تجمع رئيسية.

وفيما يتعلق بالحادثة، أعربت عن أسف وزارة الشباب الشديد لما جرى، مؤكدة أن الوزارة جهة منظمة وليست جهة تحقيق، وأن تحديد الأسباب يعود للجهات المختصة والأمنية.

 

 

مأساة شخصية تكشف عمق الفاجعة

وراء أرقام الإصابات والبيانات الرسمية، برزت قصة الطفل زيد الدماسي 15 عاما بوصفها الأكثر إيلاما للحادثة، حيث خرج لمساندة المنتخب الوطني ومشاركة آلاف المشجعين فرحة التشجيع، لكنه لم يعد إلى منزله.

والد زيد يوسف سعيد الدماسي، يقول في تصريحات إعلامية متداولة إن العائلة لم تدرك أن الضحية هو ابنها إلا بعد ساعات من الحادثة، إذ كانت تتابع الأخبار وتترحم على الضحية دون أن تعلم أن الجثمان يعود لزيد، إلى أن تم إبلاغها رسميا بعد استكمال إجراءات التعرف على الهوية.

المتخصص في الدراسات الأمنية والاجتماعية الدكتور فارس العمارات يؤكد لـ "عمان نت" أن الحشود ليست ظاهرة استثنائية، وإنما ترافق جميع الفعاليات الرياضية والثقافية والوطنية والترفيهية في مختلف دول العالم، مشددا على أن نجاح أي فعالية يعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة إدارة الحشود، لأن أي خلل في التنظيم قد يقود إلى نتائج خطيرة.

ويبين العمارات أن مسؤولية إدارة الحشود لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية تشاركية بين الجهات الأمنية والإدارية والجهات المنظمة للفعالية، موضحا أن مديرية الأمن العام، تضع قبل أي فعالية خطة عمليات متكاملة تتناول جميع الجوانب المتعلقة بتنظيم الحشود، بما في ذلك تنظيم الدخول والخروج، وإدارة حركة السير، وتأمين المسارات، وضمان الجوانب الصحية وإجراءات السلامة العامة، إلى جانب المحافظة على الأمن والاستقرار داخل موقع الفعالية.

ويضيف أن الجهة المنظمة تتحمل بدورها مسؤولية أساسية في توفير بيئة آمنة، من خلال تنظيم حركة الجمهور، وتحديد مداخل ومخارج واضحة، واستخدام وسائل حديثة لتنظيم الدخول، وعلى رأسها البوابات الإلكترونية التي تتيح التحكم بأعداد الحضور، والتأكد من دخول الأشخاص المصرح لهم فقط، بما يحد من احتمالية حدوث الفوضى أو التصعيد داخل التجمعات الجماهيرية، مؤكدا أن لكل تجمع جماهيري طبيعة مختلفة، لذلك فإن آليات إدارة الحشود يجب أن تتناسب مع طبيعة الفعالية وحجم الجمهور المتوقع.

 

 

مسؤولية الفرد والأسرة

ولا تقتصر المسؤولية على الجهات الرسمية، إذ يشدد مختصون  على دور الأسرة في متابعة القاصرين، خصوصا في الفعاليات التي تشهد ازدحاما كبيرا، حيث قد يفتقر بعضهم إلى القدرة على التعامل مع حالات التدافع أو الطوارئ.

ويؤكد العمارات أهمية مرافقة من هم دون الثامنة عشرة من قبل بالغين، إلى جانب ضرورة مراعاة الحالة الصحية للمشاركين، خاصة المصابين بأمراض مزمنة مثل القلب والسكري، مشيرا  إلى أن متابعة الأسرة للأبناء ومعرفة وجهاتهم وآلية عودتهم أمر أساسي، مستشهدا بصعوبة التعرف على هوية بعض الضحايا في الساعات الأولى من الحادثة.

وحول الحد من مخاطر الحشود، يوضح العمارات أن تنظيم الحشود يبدأ من لحظة الدخول عبر البوابات الإلكترونية التي تضبط الأعداد وتمنع تجاوز الطاقة الاستيعابية، إضافة إلى توزيع الجمهور على مسارات متعددة لتخفيف الضغط.

ويضيف أن إغلاق بعض المداخل عند اكتمالها وتحويل التدفق إلى نقاط أخرى يحد من الازدحام، ويساعد على منع التدافع في لحظات الذروة، مؤكدا أن وجود خطة طبية متكاملة داخل مواقع الفعاليات، تشمل انتشار فرق الإسعاف والدفاع المدني، يعد عنصرا أساسيا للتعامل مع الحالات الطارئة.

ويؤكد على أن التجمعات التي تضم ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف شخص قد تشهد حالات صحية متعددة، سواء نتيجة التعرض للحرارة، أو الإجهاد، أو الانفعالات النفسية، أو الأمراض المزمنة، الأمر الذي يتطلب سرعة الاستجابة الطبية، وقد يستدعي في بعض الحالات نقل المصابين إلى المستشفيات لاستكمال العلاج.

يعد المدرج الروماني أحد أبرز المعالم الأثرية في الأردن، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، ويتسع لنحو 6000 متفرج، ويستضيف فعاليات ثقافية ورياضية متعددة.