إحالة مشروع قانون الإدارة المحلية إلى اللجنة الإدارية تعيد الجدل حول مستقبل اللامركزية

أعاد مجلس النواب فتح أحد أكثر ملفات الإصلاح الإداري والسياسي إثارة للجدل، بعد أن أحال بالأغلبية مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 إلى اللجنة الإدارية النيابية، عقب جلسة القراءة الأولى التي امتدت لساعات وشهدت مداخلات 91 نائبا، في نقاش عكس حجم التباين حول مستقبل اللامركزية وحدود العلاقة بين المجالس المنتخبة والسلطة التنفيذية.

ورغم اتفاق غالبية النواب على ضرورة إصلاح منظومة الإدارة المحلية، فإن الخلاف برز حول الكيفية التي ينبغي أن يتم بها هذا الإصلاح، وما إذا كانت التعديلات المقترحة تعزز كفاءة الإدارة المحلية، أم تؤدي إلى إعادة تكريس المركزية وتقليص صلاحيات المجالس المنتخبة.

وتتجه الأنظار الآن إلى اللجنة الإدارية النيابية، التي بدأت عقد لقاءات مع خبراء ومختصين ومؤسسات مجتمع مدني ومسؤولين في قطاع الإدارة المحلية، تمهيدا لدراسة المشروع وإجراء التعديلات المقترحة قبل عرضه مجددا على المجلس.

وتؤكد الحكومة أن مشروع القانون يأتي في إطار تطوير منظومة الإدارة المحلية وتعزيز الحوكمة، بما يرفع كفاءة البلديات ويحسن جودة الخدمات، ويوسع دورها التنموي والاستثماري.

وبحسب أبرز ملامح المشروع التي نشرتها وزارة الاتصال الحكومي، فإنه يهدف إلى تحديد العلاقة بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي بصورة تمنع تداخل الصلاحيات، وتعزز المساءلة والرقابة، مع الإبقاء على الانتخاب المباشر لرئيس المجلس البلدي وأعضائه.

كما يتضمن المشروع تعزيز التخطيط التنموي والاستثماري، وتمكين البلديات من استثمار مواردها، وتوسيع التحول الرقمي، وإلزام الإدارات التنفيذية بنشر تقارير دورية عن الأداء المالي والإداري والمشروعات، بما يعزز الشفافية وثقة المواطنين.

 

اعتراضات نيابية

في المقابل، واجه المشروع انتقادات واسعة داخل مجلس النواب، حيث اعتبر عدد من النواب أن بعض مواده تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع على حساب المجالس المنتخبة، بما قد ينعكس سلبا على مسار اللامركزية والمشاركة الشعبية.

وكان رئيس كتلة حزب الأمة النيابية صالح العرموطي، من أبرز المعترضين على المشروع، داعيا الحكومة إلى سحبه، ومعتبرا أنه يتعارض مع أحكام الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات.

ويقول إن المشروع لا ينسجم مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، منتقدا منح الحكومة صلاحية حل المجالس البلدية، وتقليص دور مجالس المحافظات المنتخبة، معتبرا أن هذه الإجراءات تمثل تراجعا عن فلسفة الإدارة المحلية التي تقوم على توسيع المشاركة الشعبية.

كما أبدى تحفظه على بعض المواد المتعلقة بتمثيل المرأة وآليات اختيار نائب الرئيس، معتبرا أنها تثير إشكالات دستورية تتعلق بمبدأ المساواة.

من جهتها، ترى النائب الدكتورة ديمة طهبوب أن المشروع يمثل تراجعا عن مسار الإصلاح الإداري والسياسي، ويعيد تكريس المركزية بدلا من توسيع صلاحيات المجالس المنتخبة.

وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في المجالس البلدية بحد ذاتها، وإنما في عدم استقرار التشريعات، مشيرة إلى أن الحكومات المتعاقبة دأبت منذ عام 2001 على حل المجالس البلدية وإدارتها عبر لجان معينة، إلى جانب تقليص صلاحياتها، الأمر الذي انعكس على استقلاليتها وأدائها.

وينتقد كذلك منح المدير التنفيذي صلاحيات واسعة، معتبرة أن ذلك يخلق ازدواجية في القيادة، ويضعف مبدأ المساءلة، كما طالبت بإعادة صياغة المشروع بما يحقق توازنًا بين كفاءة الإدارة واستقلالية المجالس المنتخبة.

 

 

من جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور هايل الدعجة أن قانون الإدارة المحلية كان منذ بدايته من أكثر القوانين إثارة للنقاش، نظرًا لارتباطه المباشر بمستقبل اللامركزية ودورها في تعزيز المشاركة السياسية والتنموية.

ويقول إن الحكومة تنظر إلى المشروع باعتباره خطوة لتطوير الحوكمة المحلية، وتحويل البلديات من مؤسسات خدمية إلى مؤسسات تنموية واستثمارية قادرة على قيادة التنمية المحلية، إلا أن جوهر الخلاف لا يتعلق بالأهداف المعلنة، وإنما بتفسير مفهوم اللامركزية نفسه.

ويضيف أن اللامركزية لا تعني مجرد نقل بعض الصلاحيات الإدارية من العاصمة إلى المحافظات، وإنما منح المجالس المحلية المنتخبة سلطة حقيقية في اتخاذ القرار وتحديد أولويات التنمية، بما يجعل المواطن شريكًا فعليًا في إدارة الشأن العام.

ويشير الدعجة إلى أن استحداث دور المدير التنفيذي كان من أكثر البنود إثارة للنقاش، إذ يرى مؤيدو المشروع أن وجود جهاز تنفيذي متخصص سيرفع كفاءة الأداء ويعالج المشكلات الإدارية والمالية التي تواجه البلديات، بينما يخشى معارضوه أن يؤدي ذلك إلى انتقال مركز القرار من المجالس المنتخبة إلى الجهاز التنفيذي.

ويرى أن الإشكالية الأساسية تكمن في احتمال تداخل الصلاحيات بين المجلس البلدي المنتخب والإدارة التنفيذية، الأمر الذي قد يخلق مستقبلاً خلافات حول الجهة التي تمتلك القرار النهائي في ملفات التنمية والمشروعات وإدارة الموارد.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الفصل بين الدور التنفيذي والإداري، وبين الدور الرقابي والسياسي للمجالس المنتخبة، يستهدف رفع كفاءة العمل البلدي، وليس الانتقاص من صلاحيات المجالس.

 

اللجنة الإدارية أمام اختبار التوازن

ويعتبر الدعجة أن إحالة المشروع إلى اللجنة الإدارية تمثل فرصة لإجراء مراجعة حقيقية لمواده، من خلال الاستماع إلى مختلف الأطراف وإدخال التعديلات اللازمة، بدلا من الاكتفاء بالمطالبة برد المشروع.

ويشير إلى أن معالجة المواد الخلافية داخل مجلس النواب تمنح السلطة التشريعية دورا أكبر في صياغة القانون، بينما قد يؤدي رفض المشروع إلى انتقاله إلى مراحل أخرى دون التأثير ذاته على مضمونه.

ويربط الدعجة بين مشروع القانون ومسار التحديث السياسي، موضحا أن الانتخابات البلدية ومجالس المحافظات تمثل إحدى أهم مدارس العمل السياسي، لأنها تمنح المواطنين فرصة اختيار ممثليهم ومحاسبتهم، وتشكل قاعدة لتطوير المشاركة السياسية مستقبلا.

ويحذر من أن أي تقليص في صلاحيات المجالس المنتخبة قد يؤثر على ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية إذا شعروا بأن ممثليهم لا يمتلكون سلطة حقيقية في اتخاذ القرار.

كما يؤكد أن نجاح اللامركزية لا يتوقف عند إصدار قانون جديد، وإنما يرتبط أيضا ببناء ثقافة سياسية تقوم على العمل المؤسسي، وتعزيز دور الأحزاب والبرامج الانتخابية، وإعداد قيادات محلية تمتلك رؤى تنموية واضحة.

وتتوافق هذه القراءة مع ما خلص إليه التقرير التحليلي الأول الصادر عن مركز الحياة راصد، الذي تناول مناقشات القراءة الأولى لمشروع القانون، معتمدًا على تحليل كمي ونوعي لمداخلات 91 نائبا.

ويظهر التقرير أن الخلاف النيابي لم يكن حول الحاجة إلى إصلاح الإدارة المحلية، بل حول الآليات التي ينبغي اعتمادها لتحقيق هذا الإصلاح، حيث أيد معظم النواب المشروع من حيث المبدأ، مع المطالبة بإجراء تعديلات تعزز استقلالية المجالس المنتخبة، وتحقق التوازن بين كفاءة الإدارة المحلية ومتطلبات المشاركة الشعبية.

وبين التقرير أن التنمية المحلية تصدرت أولويات النواب، إذ ركز عليها 53.8% من المتحدثين، تلتها قضايا مجالس المحافظات وآلية تشكيلها وصلاحياتها بنسبة 46.2%، فيما تساوى الاهتمام بمحوري الخدمات البلدية والمشاركة الشعبية بنسبة 42.9% لكل منهما.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن النقاش النيابي تجاوز الجوانب التنظيمية للقانون، واتجه بصورة أكبر نحو البحث عن نموذج للإدارة المحلية يجمع بين رفع كفاءة البلديات، وتعزيز استقلالية المجالس المنتخبة، وتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار.