أردنيون يبيضون دفاتر ديون الفقراء دون علمهم (شاهد)

الرابط المختصر

لم تكن السيدة أم محمد تعلم أن صفحة ديونها في البقالة التي تسكن بجوارها في لواء ذيبان (33 كيلومترا جنوب غرب العاصمة الاردنية عمّان) قد شطبت بالكامل، بعد أن قام مجهولون بسداد ديونها التي تبلغ 1600 دينار تراكمت من سنوات طويلة عليها بعد وفاة زوجها، لتجد نفسها معيلة لأربعة أطفال.

أم محمد التي تسكن منطقة تعد واحدة من أفقر مناطق المملكة، أثقلتها صفحات ديون البقالات والمخابز كغيرها من آلاف الأردنيين من ذوي الدخل المحدود، التي تقدرهم الحكومة الأردنية بمليون مواطن يعانون من الفقر المدقع، لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية.

إلا أن مجموعة من المتطوعين الأردنيين يقدر عددهم بـ500 شاب وشابة، ابتكروا مبادرة فريدة من نوعها للتخفيف عن هؤلاء الفقراء، من خلال فريق يجوب القرى والمحافظات الأردنية، ينبشون دفاتر الديون في البقالات والمخابز والصيدليات، ويقومون بسداد ديون الأسر المحتاجة تحت اسم مبادرة "صفحتك بيضا"، التي تنشط للعام الثاني على التوالي.

 

"صفحتك بيضا"، مبادرة عمل خيري تنفذه جمعية "باب الخير" للعمل التطوعي التي يرأسها ماهر الغريب، وهي جمعيات تقوم على العمل التطوعي، حسب ما يقول سعيد راشد فيضي أحد  المتطوعين في المبادرة لـ"عربي21".

ويقول الفيضي إن مبادرة "صفحتك بيضا" رأت النور في رمضان الماضي، بعد عصف ذهني مع مجموعة من المتطوعين الشباب جلهم من المدارس والجامعات، وكانت الفكرة الخروج بشكل مختلف عن الإغاثة التقليدية التي تقدمها المؤسسات غير الربحية، "فجلسنا الفريق وأجرينا عصفا ذهنيا لنخرج بفكرة سداد ديون الفقراء في دفاتر البقالات في المناطق الشعبية من خلال أموال الزكاة".

وينقل الفيضي قصصا من دفاتر ديون الفقراء، يقول إنها تسطر مدى تضامن وتكافل المجتمع الأردني مع الفقراء، وحسب ما يقول: "بعض أصحاب المحلات والبقالات لديه ديون مستحقة على فقراء بآلاف الدنانير رغم أنها بقالات صغيرة، إلا أن الشعور بالتعاطف، والتراحم يمنعه من طلب هذه الديون خصوصا من الأسر التي لا معيل لها".

يقول: "دفاتر تحولت فيها الورقة من اللون الأبيض للون الأصفر لمرور الزمن عليها، لا الدائن قادر على سداد دينه ولا صاحب الدين قادر على استرداد نقوده، ومع ذلك صابرون".

وتلجأ المبادرة للاعتماد على متطوعين في القرى والأحياء الشعبية، يرشدونهم إلى أماكن استدانة العائلات الفقيرة، التي تشمل صيدليات، إذ يلجأ البعض لاستدانة الدواء والخبز أيضا، وتقوم المبادرة بسداد الديون للأسر الأشد فقرا دون سقف مالي محدد.

تختار الجمعية المتطوعين من خلال برنامج أطلق عليه اسم (جذور)، وهو فريق تطوعي يقدم له مجموعة من ورشات عمل ودورات متخصصة في إدارة مبادرة أو مشروع أو حتى نشاط تطوعي باحترافية، وبفكر يحافظ على نجاح العمل وديمومته ويسعى إلى فكر تطوعي تمكيني.

شيماء صلاح أبو طالب مسؤولة القسم الإغاثي في جمعية باب الخير، تؤكد لـ"عربي21" أن ما تقوم به الجمعية هو التركيز على مأسسة العمل التطوعي والابتعاد عن الفزعات، من خلال طرح مبادرات تقوم على احتياجات الميدان، لتحقيق الأثر المطلوب ضمن احتياج كل منطقة وموسم العمل التطوعي.

وتقول إنه طوال العام تقوم الجمعية بدراسة حالات لأسر، ويتم تحديد الاحتياجات الاقتصادية "من خلال فريقنا أو سفراء المبادرة، من ناشطين مجتمعين في هذه المناطق بحسب البرنامج المخصص".

وحول "صفحتك بيضا" تبين أبو طالب أنه "مشروع تسديد ديون العائلات في البقالات والصيدليات ومحال الخضار، إلى جانب تسديد فواتير الكهرباء من خلال زيارات غير منسقة لأحياء فقيرة جدا وفتح دفاتر الدين، ويتم تسديد الحاجات الأساسية بناء على الاطلاع على المواد التي تم شراؤها، وصلنا إلى 3 مناطق وتم تسديد ديون 20 أسرة تقريبا ونسعى للاستمرار".

وتحاول المبادرة التخفيف من وطأة الأوضاع الاقتصادية على الأردنيين، الذين تآكلت مداخيلهم بسبب التضخم الكبير الذي ارتفع إلى 0.6 % في الثلث الأول من عام 2019، كما أظهرت أرقام رسمية، أن متوسط إجمالي دخل الفرد في الأردن يقل عن 200 دينار في الشهر.

ارتفاع قيمة الديون

الخبير الاقتصادي مازن مرجي يقول لـ"عربي21"، إن "دفاتر الديون هي جزء من الثقافة الشعبية في الأردن، إذ إن بعض الأبناء توارث هذه الدفاتر عن آبائهم، إلا أنها توسعت في الفترة الأخيرة؛ بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية للأردنيين، التي بات إنفاقها يزيد عن دخلها بنسبة تصل إلى 35% مما يدفع الكثير من الأسر للاستدانة".

وحسب مرجي، "هنالك فجوة كبيرة بين الإنفاق والدخل دفعت الأردنيين لبيع مدخراتهم من الذهب أو التوجه للاستدانة، حتى إن بعض العائلات تستدين الأدوية والخبز، وهي نمط من أنماط حصول الإنسان على احتياجاته في الظروف الصعبة".

تقدم الجمعية بالإضافة إلى "صفحتك بيضا" مبادرات في مناطق الأردن كافة، أبرزها تأهيل الأيتام بحرف من خلال دورات تدريبية "خذ فرصة"، إلى جانب مبادرة لكسوة الأطفال الفقراء "لبسة عيد"، وتقديم طرود غذائية "فطوركم علينا وطرود هنية"، وإجراء عمليات جراحية "حلمي يتحقق" لإعاقات وإصابات تعيق صاحبها عن العمل، وفي الشتاء يقدم "كمشة دفا" لتدفئة الأسر الفقيرة.
 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك