المقامرة على "قطع الرؤوس"

تحاول الدول التي تضطرّ إلى دخول حربٍ ما اغتيال كبار قادة العدوّ في محاولة للوصول إلى انتصار سريع، من خلال دفع الطرف الآخر إلى الاستسلام بعد مقتل زعمائه. ولكن هذه الاستراتيجية أثبتت، في الشرق الأوسط، أنها خيار كارثي، وكما اعترف رؤساء أميركيون سابقاً، قد يسفر عنها قيام زعامة أكثر تطرّفاً وعداءً. واغتيال زعيم دولة معادية قد يمنح دفعةً سريعةً من الشعبية للقائد الذي يسحق خصومه. وبالفعل، يستمتع ترامب ونتنياهو بتحسّن طفيف في بريق "نجاحهما" المزعوم في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. لكنّ قتل رجل يبلغ 86 عاماً، وهو زعيم روحي لثاني أكبر طائفة بين مسلمي العالم (الشيعة)، ليس بالأمر الهيّن، رغم استعراض القوة النارية والاستخباراتية الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً. والأهم أن التخلّص من زعيم ما لا يعني بالضرورة أن مَن سيخلفه أو النظام الذي سيتشكل بعده سيراعي المصالح الإسرائيلية والأميركية. ذلك لأن اغتيالات القيادات لا تؤدّي إلى حلول سلمية في الشرق الأوسط، بل قد تفتح الباب أمام خلفاء أكثر تطرّفاً، أو تقود إلى فوضى تُفضي إلى العنف والاضطرابات.

تُظهر نظرةً سريعةً على التاريخ الحديث أن محاولات إسرائيل والولايات المتحدة اغتيال القيادات في مختلف صراعات المنطقة كانت نتائجها كارثية

تُظهر نظرةً سريعةً على التاريخ الحديث أن محاولات إسرائيل والولايات المتحدة اغتيال القيادات في مختلف صراعات المنطقة كانت نتائجها كارثية. ففي حالة العراق، ألقت القوات الأميركية القبض على صدّام حسين وسلّمته إلى القوات العراقية المتحالفة معها التي أعدمته. وعلى الرغم من أنه أنهى نظاماً كان معادياً لإسرائيل علناً، إلا أنه فتح الباب أمام القوى الموالية لإيران للاستيلاء على السلطة. ونتيجة ذلك، شكّل العراق خلال العقدَين التاليَّين منطلقاً لاستراتيجية إيران الإقليمية بالوكالة، ما مكّنها من بناء شبكة قوية من الجهات الفاعلة التي هدّدت المصالح الأميركية والإسرائيلية. كما أدّى الفراغ الأمني الذي خلّفه الغزو الأميركي إلى اندلاع حركات تمرّد مختلفة، كان أشدّها فتكاً صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي اجتاح المنطقة متسبّباً في مقتل آلاف الأبرياء، ومُطلقاً موجة لجوء هائلة نحو أوروبا.
ومن الأمثلة الأخرى حركة حماس. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، حاولت إسرائيل مراراً اغتيال قادتها. وفي 2004، نجحت في اغتيال مؤسّسها الشيخ أحمد ياسين، ثم خلَفه عبد العزيز الرنتيسي. وبعد سلسلة من الاغتيالات، وصل يحيى السنوار إلى رئاسة الحركة في غزّة، وشرع في التخطيط لـ"7 أكتوبر" (2023). ورغم أن سنوات الحرب والقتل الجماعي للقيادات ألحقت دماراً بالجماعات المسلّحة، إلا أن إسرائيل فشلت في القضاء على الفكرة التي تقوم عليها، وهي مقاومة الاحتلال، وقد يكون الهدوء الحالي مجرّد "هدوء يسبق العاصفة". ولحزب الله تاريخ مشابه؛ فقد تولّى زعيمه الراحل حسن نصر الله القيادة بعد اغتيال إسرائيل سلفه عبّاس الموسوي، ليقود توسّع الحركة وتعاظم قوتها. وفي ليبيا، أدّى قتل معمّر القذّافي إلى انقسام وفوضى جعلا البلاد بيئةً خصبة للتطرّف.
وفي حالة إيران، من المستبعَد أن يكون خليفة خامنئي منفتحاً على المفاوضات مثله؛ إذ أشارت تصريحات الوسطاء العُمانيين خلال محادثات مسقط وجنيف إلى تنازلات كبيرة بشأن الملف النووي كان خامنئي مستعدّاً لتقديمها، ومن غير المرجّح أن يحظى خليفته بالمساحة السياسية الكافية ليحذو حذوه. وإذا واصلت إسرائيل والولايات المتحدة حملتهما لإسقاط الدولة في إيران، فإن الفراغ الأمني الناتج سيؤدّي إلى عواقب وخيمة على حلفاء واشنطن في المنطقة وأوروبا.
وهذا يثير تساؤلاً مهماً: ماذا جنت إسرائيل والولايات المتحدة من استراتيجية "إسقاط القيادة" في إيران؟ خصوصاً أن النظام لم ينهَر، ومن المشكوك فيه أن يستسلم. بالنسبة إلى نتنياهو، يُعدّ الاغتيال نجاحاً باهراً في مواجهة انتخابات مصيرية قد تعني نهاية حياته السياسية أو سجنه. لذا، فإن المكاسب الانتخابية قصيرة الأجل تستحق العناء في نظره، فالقادة الإسرائيليون لا يفكّرون كثيراً في التخطيط بعيد المدى ما دام المجتمع الإسرائيلي يؤيّد هذه المغامرات بشدّة.

يتباهى ترامب بقتل زعيم دولة بعيدة أمام جمهور أميركي لا يرغب في الحروب

لكن بالنسبة إلى ترامب المكاسب ليست واضحة؛ فهو يتباهى بقتل زعيم مريض لدولة بعيدة أمام جمهور أميركي لا يرغب في الحروب. وفي ظلّ أزمة غلاء المعيشة، فإن إضاعة مليارات الدولارات لخوض حرب ضدّ دولة لم تشكّل تهديداً مباشراً يُعدّ استنزافاً يصفه الأميركيون بشكل متزايد بأنه "حرب إسرائيل". كما يُتوقَّع أن يعاني الاقتصاد العالمي من ارتفاع أسعار النفط بسبب الإغلاق العملي لمضيق هرمز، ما سيضرّ بالحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة.
ومن الواضح أنه بدلاً من استعراض القوة، يخاطر ترامب بإظهار الضعف، ويبحث الآن عن طريق للخروج من المأزق الذي خلقه لنفسه بعد وقوعه في "الفخّ الإسرائيلي"، إذ يُنظر إليه رئيساً خُدع لشنّ حرب مكلفة لضمان البقاء السياسي لرئيس وزراء دولة أجنبية.
أصبح جليّاً أن الرئيس الأميركي سيستنزف المخزون العسكري، وسيكون أمام قرار صعب بشأن نشر قوات برّية في حرب لم يحصل فيها على موافقة الكونغرس أو الشعب، لأنها سُوّقت "عملية عسكرية" لا حرباً شاملة. ومن المتوقّع أن يضطرّ في النهاية إلى إنهاء القصف وسحب القوات، مخلّفاً وراءه كارثةً سيتحمّل حلفاء واشنطن في المنطقة وطأتها، وستتضرّر التحالفات الإقليمية، ويُفتح الباب أمام تساؤلات الرأي العام المحلي. ستكون هذه مغامرة عسكرية أخرى تُكلّف دافعي الضرائب أموالاً طائلة وأرواحاً ونفوذاً من دون أيّ عائد، على أمل أن تُدرك واشنطن أخيراً أن استراتيجية "قطع الرؤوس" لا تُجدي نفعاً.

عن العربي الجديد