رغم الموسم المطري الاستثنائي.. أزمة المياه ما تزال تطارد الأردنيين

على الرغم من وصف وزارة المياه والري للموسم المطري الأخير بأنه من أفضل المواسم خلال السنوات الماضية، بعد أن تجاوزت كميات الهطل المطري 130% من المعدل العام، إلا أن مختصون يؤكدون أن هذا التحسن لا يغير من حقيقة استمرار أزمة المياه في الأردن، الذي ما يزال يصنف بين أكثر دول العالم فقرا بالمياه.

وبحسب الناطق الإعلامي باسم وزارة المياه والري عمر سلامة، فقد أسهم الموسم المطري في رفع مخزون السدود وتحسين تغذية عدد من الأحواض الجوفية، إلى جانب امتلاء نحو 650 سدا وحفيرة صحراوية، مما سينعكس إيجابا على برنامج التزويد المائي خلال صيف 2026 مقارنة بالأعوام السابقة.

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر مع بداية كل صيف، ففي عدد من مناطق العاصمة عمان والزرقاء وإربد والبلقاء، يؤكد مواطنون أن أدوار المياه تتأخر أحيانا إلى ثلاثة أو أربعة أسابيع، مما يدفعهم إلى الاعتماد على شراء المياه بواسطة الصهاريج، بكلف إضافية تثقل موازناتهم الأسرية، خصوصا في ظل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك خلال أشهر الصيف.

وتقول إحدى المواطنات إن المياه لا تصل إلى منزلها أحيانا سوى مرة واحدة شهريا، ولا تكفي إلا لأيام معدودة، فيما يؤكد آخر أن شراء صهريج مياه أصبح بندا ثابتا ضمن مصروفات الأسرة الشهرية، في مشهد يتكرر كل عام دون أن يلمس المواطن تحسنا ملموسا في انتظام التزويد.

 

الأردن تحت خط الفقر المائي الحاد

يرى الخبير في الشؤون المائية الدكتور دريد محاسنة في حديثه لـ "عمان نت" أن تحسن الموسم المطري لا يعني انتهاء الأزمة، موضحا أن الأردن يعيش حالة فقر مائي متفاقمة ترتبط بعوامل هيكلية تتجاوز مسألة وفرة الأمطار من عدمها.

ويؤكد  محاسنة أن محدودية الموارد الطبيعية، والتزايد السكاني المتسارع، واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، إلى جانب تداعيات التغير المناخي، جميعها عوامل عمقت الأزمة على مدى السنوات الماضية.

ويشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة عالميا وزيادة معدلات التبخر وتراجع كميات الهطل المطري في العديد من المناطق، جعلت التغيرات المناخية عاملا مضاعفا لأزمة المياه، وليس سببها الوحيد، مضيفا أن المياه لم تعد مجرد خدمة أساسية، بل أصبحت قضية ترتبط بالأمن الوطني بصورة مباشرة، موضحا أن الدول تستطيع استيراد الطاقة أو الغذاء عند الحاجة، لكنها لا تستطيع استيراد الموارد المائية بالطريقة ذاتها، مما يجعل أي نقص في المياه تحديا يمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

من  جانبه، يؤكد أستاذ علوم المياه في الجامعة الأردنية الدكتور إلياس سلامة أن الموسم المطري الأخير انعكس إيجابا على المخزون المائي، الأمر الذي يجعل صيف 2026 أفضل نسبيا من الأعوام الماضية، لكنه يحذر من التعويل على هذا التحسن بوصفه حلا دائما، في ظل استمرار التقلبات المناخية وتذبذب الهطل المطري.

وزارة المياه والري تصنف الأردن ضمن أكثر دول العالم فقرا بالمياه، إذ لا تتجاوز حصة الفرد السنوية نحو 60 مترا مكعبا، مقارنة بخط الفقر المائي العالمي البالغ ألف متر مكعب للفرد سنويا.

ويؤكد محاسنة أن الموارد المائية التي كانت تكفي قبل عقود لتلبية احتياجات نحو مليوني نسمة، أصبحت مطالبة اليوم بتوفير المياه لأكثر من 11 مليون شخص، في وقت تتراجع فيه بعض المصادر التقليدية للمياه.

ومن بين أبرز التحديات التي تواجه القطاع المائي، يشير إلى تراجع كميات المياه الواردة من نهر اليرموك، موضحا أن حصة الأردن وفق اتفاقية تقاسم مياه اليرموك الموقعة مع سوريا عام 1987 تتجاوز 350 مليون متر مكعب سنويا، بينما لا يحصل فعليا إلا على جزء محدود من هذه الكميات.

ويرى أن إعادة تفعيل الاتفاقية واستعادة الحصص المائية المستحقة للأردن تمثل خياراً مهماً وأقل كلفة من الاعتماد الكامل على مشاريع التحلية الضخمة.

 

 

الاعتداءات على المصادر المائية تفاقم الأزمة

وفي موازاة تحديات الشح المائي، تؤكد وزارة المياه والري أن الاعتداءات على خطوط النقل الرئيسة، وفي مقدمتها ناقل الديسي، تمثل أحد أبرز الأسباب المؤثرة في انتظام التزويد خلال فصل الصيف.

وخلال الأيام الماضية أعلنت الوزارة ضبط عشر اعتداءات كبيرة على ناقل مياه الديسي في منطقة الجفر، استخدمت لسحب المياه بصورة غير قانونية وتعبئة صهاريج لبيعها، كما ضبطت بئراً مخالفة جنوب العاصمة عمان كانت تزود مزارع وصهاريج بالمياه خارج الأطر القانونية.

وتؤكد الوزارة أن هذه الاعتداءات تؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه وتعطيل وصولها إلى المواطنين، مشددة على استمرار الحملات الرقابية وتطبيق العقوبات بحق المعتدين.

بدوره يؤكد أمين عام سلطة المياه المهندس بشار البطاينة أن الاعتداءات على الخطوط الرئيسة والآبار غير المرخصة أصبحت من أبرز المعيقات أمام إيصال المياه بعدالة إلى المواطنين، مشيراً إلى أن الوزارة لن تتهاون مع أي اعتداء على مصادر المياه أو شبكاتها.

ويرى محاسنة أن سرقة المياه أو الاعتداء على ناقل الديسي وحفر الآبار المخالفة لا يمكن النظر إليها كمخالفات عادية، بل باعتبارها اعتداء مباشرا على الأمن المائي الوطني، الأمر الذي يستوجب تشديد العقوبات وتعزيز إجراءات الردع.

كما يحذر من انتشار صهاريج المياه غير المرخصة خلال فصل الصيف، مؤكدا أن المواطنين لا يستطيعون التأكد من مصادر المياه التي تنقلها أو مدى مطابقتها للمواصفات الصحية، مما يستدعي تشديد الرقابة الصحية والفنية عليها.

وتدعو وزارة المياه المواطنين إلى التأكد من مصدر أي صهريج يتم شراؤه، وطلب القسيمة الرسمية المختومة التي تثبت مصدر المياه وصلاحيتها للاستخدام، محذرة من شراء المياه من مصادر مجهولة لما قد تشكله من مخاطر صحية، فضلاً عن مساهمتها في تشجيع الاعتداءات على المصادر المائية الرسمية.

 

الناقل الوطني.. رهان الأردن على المستقبل

وفي إطار البحث عن حلول طويلة الأمد، تواصل الحكومة العمل على مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى مختلف محافظات المملكة، والذي ينظر إليه باعتباره أكبر مشروع مائي في تاريخ الأردن الحديث.

وبحسب وزارة المياه والري، سيوفر المشروع نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بما يغطي احتياجات ما يقارب أربعة ملايين مواطن، ويسهم في تعزيز قدرة المملكة على مواجهة تحديات شح المياه والتغير المناخي.

ويؤكد محاسنة أن الاستثمار في قطاع المياه يجب أن ينظر إليه باعتباره استثمارا في الأمن القومي، وليس مجرد مشروع خدمي أو اقتصادي، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه المياه في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وضمان الأمن الغذائي.

 

 

 

من جهته، يعتبر الدكتور إلياس سلامة أن مشروع الناقل الوطني يمثل اليوم الخيار الاستراتيجي الأهم لتعزيز الأمن المائي في المملكة، وربما الفرصة الوطنية الأبرز المتبقية لزيادة كميات المياه في ظل محدودية المصادر التقليدية.

ويشير إلى أن الأردن يمتلك الخبرات والكفاءات الفنية اللازمة لتنفيذ المشروع، فيما يتمثل التحدي الرئيس في تأمين التمويل اللازم نظرا إلى الكلفة الرأسمالية المرتفعة للمشروع، مؤكدا وجود إرادة سياسية واضحة للمضي في تنفيذ المشروع وتسريع إنجازه، لافتاً إلى أن الحكومة تضعه ضمن أولوياتها الوطنية لمواجهة أزمة المياه.

ويضيف أن دخول المشروع حيز التشغيل سيحدث تحولا ملموسا في استقرار التزويد المائي ويؤمن كميات كافية لتغطية الاحتياجات الحالية للمملكة، لكنه في الوقت ذاته لا يمثل الحل النهائي للأزمة، إذ سيبقى الأردن بحاجة إلى تطوير مصادر إضافية للمياه والتوسع مستقبلاً في مشاريع التحلية لمواكبة النمو السكاني والطلب المتزايد.