زيادات الإعالة في "الضمان"... هل يواكب التشريع تحولات دور المرأة في إعالة الأسرة؟

عاد ملف زيادات الإعالة في قانون الضمان الاجتماعي إلى دائرة النقاش، وسط دعوات إلى مراجعة الأحكام الناظمة لزيادات الإعالة مع مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت المرأة شريكا رئيسيا في إعالة الأسرة، وفي كثير من الحالات المعيل الأساسي لها.

يأتي هذا الجدل على خلفية مقال نشرته الدكتورة سوسن الدعجة من المجلس الأعلى للسكان، تناولت فيه مبدأ مساواة المرأة بالرجل في الالتزامات التأمينية طوال سنوات الاشتراك في الضمان الاجتماعي، مقابل اختلاف بعض الأحكام المتعلقة بالمنافع عند التقاعد،  خاصة ما يرتبط بإثبات صفة الإعالة للحصول على زيادات الراتب التقاعدي.

وترى الدعجة أن القضية لا تتعلق بالمطالبة بامتيازات إضافية للمرأة، وإنما بتحقيق العدالة والاتساق في فلسفة التشريع، معتبرة أنه إذا كان الرجل والمرأة يخضعان لذات الاقتطاعات والاشتراكات التأمينية، فمن المنطقي أن تستند الحقوق الأساسية عند التقاعد إلى قواعد تأمينية محايدة، وأن ترتبط أي زيادات اجتماعية بالإعالة الفعلية والحاجة والمسؤوليات الأسرية، لا بالافتراضات التقليدية المرتبطة بالنوع الاجتماعي.

وتؤكد أن العدالة لا تقتصر على المساواة في الاقتطاعات المالية، ثم العودة إلى الأدوار التقليدية عند توزيع المنافع، بل تستوجب أن تعكس التشريعات الواقع الاجتماعي المتغير، الذي أصبحت فيه المرأة تتحمل مسؤوليات اقتصادية متزايدة داخل الأسرة.

بيانات دائرة الإحصاءات العامة  تشير إلى أن النساء يترأسن نحو 18.2% من الأسر الأردنية، وهي نسبة تعكس اتساع مسؤولية المرأة في إعالة الأسرة واتخاذ القرارات الاقتصادية داخلها، سواء بسبب الترمل أو الطلاق أو الهجرة أو باعتبارها المعيل الرئيس للأسرة.

 

الإعالة... لا تمييز وإنما إثبات للصفة

من جانبه، يؤكد خبير التأمينات والحماية الاجتماعية والحقوقي موسى الصبيحي أن قانون الضمان الاجتماعي، في جوهره وفلسفته، لم يميز بين الرجل والمرأة في الحقوق التأمينية، باستثناء بعض الأحكام التي جاءت في إطار ما يعرف بالتمييز الإيجابي مراعاة لطبيعة وظروف عمل المرأة.

ويبين الصبيحي، في حديثه لـ"عمان نت"، أن هذا التوجه يظهر في سن تقاعد الشيخوخة، حيث منح القانون المرأة حق التقاعد عند بلوغها سن 55 عاما مع إمكانية الاستمرار في العمل إذا رغبت، في حين حدد سن تقاعد الرجل عند 60 عاما، كما خفض مدة الاشتراك المطلوبة لاستحقاق تقاعد المهن الخطرة للمرأة إلى 15 سنة، مقابل 18 سنة للرجل.

وحول النقطة الأكثر إثارة للجدل، وهي زيادة الإعالة، يوضح الصبيحي أن قانون الضمان الاجتماعي لم يفرق بين الرجل والمرأة في أصل الاستحقاق، وإنما ربط الحصول على الزيادة بثبوت صفة الإعالة وفق أحكام القانون.

ويستند ذلك إلى نص المادة 89 من قانون الضمان الاجتماعي، التي تنص على زيادة راتب تقاعد الشيخوخة أو التقاعد المبكر للمؤمن عليه أو المؤمن عليها عن أفراد الأسرة الذين يعيلهم، وفق الشروط والضوابط التي يحددها القانون.

ويشير الصبيحي إلى أن الاختلاف يكمن في آلية إثبات الإعالة وليس في الحق ذاته؛ فالرجل لا يطلب منه عادة إثبات إعالته لأبنائه باعتباره الملزم قانونًا بالنفقة وفق التشريعات النافذة، بينما يتوجب على المرأة تقديم حجة إعالة أو وثائق قانونية تثبت أنها المعيل الفعلي للأسرة أو للأبناء إذا كانت تتحمل مسؤولية الإنفاق.

ويضيف أن المرأة تستحق زيادة الإعالة عن أبنائها متى ثبت أنها المعيل الرئيسي لهم، سواء بسبب وفاة الزوج أو غيابه أو الانفصال أو غير ذلك من الحالات التي تتحمل فيها النفقة، كما يمكنها الحصول على زيادة إعالة عن زوجها إذا كان مصابًا بعجز كلي بقرار من اللجنة الطبية في مؤسسة الضمان الاجتماعي، ولا يملك مصدر دخل أو عمل.

ويرى الصبيحي أن فلسفة الضمان الاجتماعي تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية، ولذلك فإن معظم أنظمة الضمان لا تجيز حصول الزوج والزوجة معًا على زيادة إعالة عن الأبناء أنفسهم، لأن ذلك يعني منح الأسرة منفعة مزدوجة عن الحالة ذاتها، وهو ما يتعارض مع فلسفة الحماية الاجتماعية.

 

 

تحولات الواقع تستدعي مراجعة

في المقابل، يقر الصبيحي بأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للأسرة الأردنية شهد تغيرات جوهرية، فلم يعد الرجل وحده يتحمل مسؤولية الإنفاق، بل أصبحت المرأة في كثير من الأسر شريكًا أساسيًا في تحمل النفقات، وقد تكون صاحبة الدخل الأعلى أو المعيل الفعلي للأسرة.

ويؤكد أن هذه المتغيرات تستدعي إعادة النظر في بعض المفاهيم التشريعية المرتبطة بالإعالة، بما يضمن توجيه المنفعة إلى الطرف الذي يحقق مصلحة الأسرة بصورة أكبر.

ويضرب مثالا بحالة يكون فيها راتب الزوج التقاعدي 200 دينار، مقابل راتب تقاعدي للزوجة يبلغ 1000 دينار، معتبرا أن منح زيادة الإعالة للزوجة في مثل هذه الحالة قد يحقق فائدة أكبر للأسرة، وهو ما يمكن تنظيمه من خلال تعديلات تشريعية أو أنظمة تنفيذية واضحة.

ويشدد الصبيحي على أن أي مراجعة مستقبلية لقانون الضمان الاجتماعي ينبغي أن توازن بين تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على الاستدامة المالية لصندوق الضمان، مؤكدًا أن العدالة تبدأ بشمول جميع العاملين، أردنيين وغير أردنيين، رجالًا ونساءً، بمظلة الضمان الاجتماعي، وتطبيق أحكام القانون على الجميع، بما في ذلك العاملون في القطاع غير المنظم.

من جهتها، تؤكد المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، في تصريحات لها سابقة، أن قانون الضمان الاجتماعي يقوم على فلسفة تأمينية تستند إلى مبادئ التكافل والعدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، وأن الحقوق التأمينية ترتبط بأحكام القانون وشروط الاستحقاق وليس بالنوع الاجتماعي.

هذا وبلغ عدد المؤمن عليهم المشمولين بالضمان نحو مليون و584 ألف مؤمن عليه، من بينهم 462 ألفا و882 مؤمنا عليها، فيما بلغ عدد المشتركات اختياريا 35 ألفا و594 مشتركة.

كما تشير البيانات إلى أن عدد المؤمن عليهن الحاصلات على رواتب تقاعدية وصل إلى 58 ألفا و32 متقاعدة فعالة، في حين بلغ عدد المستحقات لحصص من مختلف أنواع الرواتب التقاعدية 135 ألفا و275 مستحقة لحصة فعالة.