مبادرات إنسانية في مواجهة البرد والفقر.. رغم تراجع الدعم
في منزل متواضع، كانت طفلة يتيمة في الثامنة من عمرها تكافح قسوة الحياة بعد فقدان والديها، دون أن تدري أن أيادي الخير التي امتدت إليها في صغرها ستغير مسار حياتها بالكامل.
اليوم، وبعد سنوات من الرعاية والكفالة، تقف تلك الطفلة نفسها طبيبة أسنان، تحمل بيدها شهادة نجاح وبقلبها امتنانا لمن آمن بها.
هذه ليست قصة فردية، بل واحدة من مئات القصص الإنسانية التي صنعتها مبادرة "شير بالخير" على مدار أكثر من عقد من العمل التطوعي.
ويعد العمل التطوعي في الأردن ركيزة أساسية في المجتمع، حيث تجمع منصة "نحن" أكثر من 203,000 متطوع شاركوا بأكثر من 6 ملايين و976 ألف ساعة تطوع في مختلف المجالات، مما يعكس انتشار ثقافة العطاء بين الأردنيين.
يقول مؤسس المبادرة ليث نصيرات إن هذه القصة تحديدا من أكثر القصص التي يفتخر بها، مضيفا "كفلناها وهي بعمر سبع أو ثماني سنوات، يتيمة الأب والأم، واليوم أصبحت طبيبة أسنان، نحن فعليا صنعنا مستقبلا".
ولم تقتصر إنجازات المبادرة على كفالة الأيتام، إذ كشف نصيرات أن عدد البيوت التي جرى ترميمها ضمن أعمال المبادرة تجاوز 300 منزل، معظمها تعود لأسر أيتام، موضحا أن بعض هذه البيوت كانت مهددة بالانهيار الكامل، قبل أن تتدخل المبادرة وتعيد تأهيلها، مما أسهم في توفير بيئة آمنة لعائلات مهمشة، ورسم الابتسامة على وجوه أطفال حرموا من أبسط مقومات الحياة.
وبين أن للمبادرة أولويات واضحة في تقديم الدعم، حيث يأتي الأيتام في المرتبة الأولى، يليهم مرضى السرطان من الأسر الفقيرة، الذين يواجهون صعوبات كبيرة في توفير التدفئة لأطفالهم.
تأسست المبادرة قبل12 عاما، حيث تعمل على مدار العام بشكل مكثف، وتنشط خلال فصل الشتاء الذي يزيد من معاناة الأسر الفقيرة في تأمين مواد التدفئة الأساسية، مؤكدا نصيرات أن العديد من العائلات لا تملك ثمن مواد التدفئة، مثل الكاز أو الغاز، مما يجعل دور المبادرة والمواطنين الداعمين أساسيا في إيصال هذه المواد للفقراء والمساكين والأيتام.
ينظم العمل التطوعي في الأردن من خلال قانون الجمعيات رقم (51) لسنة 2008 وتعديلاته، وهو الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم عمل الجمعيات والمنظمات غير الربحية، باعتبارها الحاضنة الرئيسية للأعمال التطوعية والخيرية.
ولتعزيز مأسسة العمل التطوعي، تم اطلاق ميثاق العمل التطوعي، الذي يعد إدراج العمل التطوعي ضمن الاستراتيجية الوطنية للشباب 2026–2030 خطوة مهمة لتعزيز دوره واستدامته.
تمكين الشباب والعمل المجتمعي
ضمن إطار دعم الشباب، تأتي مبادرة "بصمات شبابية" كأحد أبرز المبادرات التطوعية التي تعنى بتمكين الشباب وإشراكهم بفاعلية في خدمة المجتمع، من خلال العمل التطوعي المنظم في مختلف المجالات.
تأسست المبادرة عام 2012 على يد مجموعة من الشباب بهدف تعزيز روح المسؤولية المجتمعية والعمل الجماعي، وقد نفذت أكثر من 395 نشاطا تطوعيا شملت التدريب، العمل الإغاثي، البيئي، والمجتمعي.
ووفق رئيس المبادرة، خالد دويك، فقد شملت الأنشطة حملات توزيع الملابس للأسر المحتاجة خلال الصيف والشتاء، إضافة إلى حملات نظافة شملت 18 موقعا سياحيا وأثريا ضمن التعاون مع وزارتي السياحة والبيئة.
وحول الأثر المجتمعي للعمل التطوعي، يوضح دويك أن الأثر الأكبر ينعكس أولا على المتطوع نفسه، حيث يسهم العمل التطوعي في تحسين الحالة النفسية، وبناء الإحساس بالعطاء والانتماء، مضيفا أن كثيرا من المتطوعين يكتشفون بعد انخراطهم في العمل التطوعي أنهم انتقلوا من مرحلة الأخذ إلى مرحلة العطاء، مما ينعكس إيجابا على سلوكهم وحيويتهم ونظرتهم للحياة.
وبين أن انعكاس المبادرة على المجتمع يتمثل في نشر ثقافة الفرح والعمل الإيجابي، سواء من خلال إدخال السعادة على قلب طفل محتاج، أو تجميل حديقة عامة، أو تنظيف حي سكني، مؤكدا أن هذا الأثر الإيجابي يولد الإبداع لدى المتطوعين، ويعزز روح المبادرة لديهم.
كما يشير إلى أن المبادرة تضم فريق عمل يمتد في كل مدينة أردنية، بمشاركة نحو 4,000 متطوع نشط، ما يعكس توسع ثقافة التطوع وعمقه في المجتمع.
وفي حديثه عن أثر المبادرة، يؤكد نصيرات أن الأردن بلد المبادرات، معربا عن سعادته بمتابعة مبادرات أخرى تصل إلى الفئات الأكثر فقرا، حتى في المناطق النائية كالأغوار وغيرها من المناطق المهمشة، داعيا الجميع للمساهمة، خاصة في فصل الشتاء، مؤكدا أن هناك عائلات تنام في البرد دون قدرة على التدفئة.
تحديات العمل التطوعي
وحول حجم الدعم المقدم هذا الموسم، يشير نصيرات إلى أن الدعم شهد تراجعا مقارنة بمواسم سابقة، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، موضحا أن المبادرة لا تمتلك داعما رئيسيا، وتعتمد بشكل كامل على تبرعات أهل الخير، مضيفا الطلب كبير جدا، لكن الدعم الذي يصلنا أقل من السابق.
ورغم النجاحات، يقول دويك أن المبادرة تواجه تحديات عدة أبرزها غياب إطار قانوني يحمي المبادرات التطوعية ويمنحها صفة رسمية، مما يحد من قدرتها على جمع التبرعات بشكل مفتوح، كما أن نقص التدريب والتأهيل للمبادرين الجدد، وهو ما دفع المبادرة لإطلاق برنامج رواد التغيير الذي يتضمن 36 ساعة تدريبية في مجالات الإدارة والتواصل.
بحسب استطلاع لمؤشر الرأي العربي لعام 2025، الذي نفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤخرا، يشير إلى أن غالبية الأسر الأردنية لا تدّخر من دخلها اليومي، ورغم أن 7% من الأردنيين لاحظوا تحسناً اقتصادياً، يرى 40% أن الوضع الاقتصادي سيئ.
وتشير النتائج إلى أن معظم الأسر تقع ضمن فئة الكفاف أو العوز، وتعتمد على القروض والمساعدات لتغطية احتياجاتها الأساسية.
ومع ذلك، يقول نصيرات إن المبادرة ترحب بأي شكل من أشكال الدعم، حتى لو لم يكن ماديا، مشيرا إلى أن شراء مواد التدفئة وتوزيعها مباشرة على المحتاجين والأيتام يعد دعما حقيقيا، يسهم في حماية الأسر من قسوة الشتاء ويمنحهم شعورا بالدفء والأمان.
من جانبه، يدعو دويك الشباب إلى الاستمرار في العمل التطوعي وعدم الاستسلام للتحديات، مؤكدا أن نجاح المبادرات لا يأتي إلا عبر مواجهة الصعاب والالتزام بخدمة المجتمع.
في هذا السياق، تؤكد وزارة التنمية الاجتماعية أن العمل التطوعي يشكل داعما رئيسيا لبرامج الرعاية والحماية التي تنفذها الوزارة، لا سيما في مجالات رعاية الأيتام والأسر الفقيرة، مشيرة إلى أن المبادرات المجتمعية تسهم في سد فجوات خدمية لا يمكن للقطاع الرسمي وحده تغطيتها.
كما تقول الوزارة في تصريحات صحفية إن الشراكة مع المبادرات التطوعية تسهم في تعزيز الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا، وتدعم توجهات الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، خاصة للأطفال الأيتام والأسر الفقيرة.












































