ظاهرة إيكيا مقابل خدمة الـ "فاليه"

ظاهرة إيكيا مقابل خدمة الـ "فاليه"
ظاهرة إيكيا مقابل خدمة الـ "فاليه"
الرابط المختصر

زرت معارض شركة ايكيا السويدية، الجمعة، على طريق المطار، رغم أنني كنت أشك بإمكانية نجاح شركة عالمية يتواجد معرضها بعيدا عن أية منطقة سكنية، وتعتمد على بيع أثاث رخيص الثمن يقوم المشتري بتركيبه بنفسه. إلا أن ما شهدته في معرض ايكيا قد يكون ظاهرة ربما نكون بحاجة إلى التفكير بكيفية تطبيقها في مجالات أخرى من الحياة.

سر نجاح ايكيا أكثر من فكرة فك وتركيب الأثاث المنزلي. ففي إحدى الزوايا تبوح الشركة السويدية بهذا السر. حيث يقول ملصق في إحدى زوايا المعرض إن عملية التخطيط لأي قطعة أثاث تبدأ بالسعر المنوي عرضه على الجمهور، فالمعروف أن الجهة الأولى في شراء أثاث ايكيا هم الأزواج الشباب. ويقول الملصق إنه وبعد تحديد السعر الذي تعتقد الشركة أنه مناسب لجمهور الهدف، تبدأ عملية التصميم والتصنيع.

تعتمد شركة ايكيا بالكامل على مواد يتم تصميمها وتصنيعها خصيصا لهذه الشركة العملاقة، وبذلك تنجح بعرض بضاعة أصلية وبأسعار جذابة لأنه يتم إنتاج عدد كبير من أصناف قليلة نسبيا. في حين لا تصرف أموالٌ في بناء الديكورات أو في جماليات المعرض. فعنوان ايكيا هو البساطة وتوفير ما هو جيد وعملي من دون إضاعة الوقت والأموال في شكليات غير عملية.

وفي المعرض الضخم يقوم المستهلك بمعاينة الأثاث ومرفقاته بنفسه، وتتشكل في غالبيتها العظمى من أثاث وقطع يتم فكها وتركيبها يدويا، وتشجع الشركة الزبائن على الاعتماد على نفسهم لنقل الأثاث سهل التركيب، موضحين أن المتاجر التي توفر خدمة النقل المجاني عمليا تقوم برفع الأسعار لتغطية تلك التكلفة المجانية.

إيكيا فعلا تعتمد على قيام المستهلك بخدمة نفسه، وخلافاً لكل المولات والمتاجر الكبيرة لا توجد في ايكيا خدمة "فاليه" لاصطفاف السيارات. ومن الللافت أن خدمة "الفاليه" أصبحت ظاهرة سلبية في مجتمعنا تعكس طبقية مرفوضة وتعالياً مصطنعاً، والأهم من كل ذلك فإنها ظاهرة تعكس الكسل غير المبرر. فأحيانا ترى عمال خدمة "الفاليه" يحجزون أماكن اصطفاف قريبة جدا من المتجر فقط من أجل أن يتباهى مواطننا بأنه يستخدم تلك الخدمة المخصصة للشخصيات المهمة!

يمكننا النظر لـ"إيكيا" ولخدمة "الفاليه" بوصفها مثالاً يجسد التناقض في مجتمعنا.

 فلو توفر لدى مفكرينا وسياسيينا الوقت لنصحتهم بدراسة معمقة لأسلوب عمل شركة ايكيا وطريقتها في جذب الزبائن. فالذي يقول مثلا، إننا غير مستعدين للديمقراطية التي تقوم في أساسها على فكرة مشاركة أوسع شريحة ممكن من المواطنين بصنع القرار بنفسه من دون الاعتماد على الآخرين، فعليه أن يرى الجماهير التي تأتي إلى ايكيا، لأن الشركة السويدية تبيع بضاعة جيدة وعملية وبسعر منافس. فالمواطن ذكي وعملي ويريد من السياسيين كما من الصناعيين توفير مادة عملية تخدمه بعيدا عن الخطابات الرنانة والدعاية الرخيصة.

أما جماعة مستخدمي خدمة "الفاليه" فهمّهم أن نبقى معتمدين على تلك النخبة الفاشلة والكسولة التي تحاول إقناعنا بأن الديمقرطية ليست مناسبة للشعوب العربية، ويجب أن نبقى على تلك الحالة الخاصة بهم لأنهم يعرفون ما هو الأفضل لنا. فهم بالأساس يحاولون بيعنا البضاعة نفسها غير العملية، لكن بأسعار باهظة جدا.

لعل من الأفضل أن لا نعتمد على أحد من خارج بلادنا لوضع استراتجياتنا الفكرية والسياسية، وإن كان لابد أن نستنسخ أفكارا وايدلوجيات مستوردة فسأكون من مؤيدي الأفكار المعتمدة على مبدأ البساطة والأمر العملي والمتوفر لأكبر شريحة من المواطنين، كما هو الحال في معارض ايكيا، وليس لأفكار النخبوية المؤدلجة والفوقية التي تعتبر نفسها ومن يدور في فلكها أفضل من المواطن العادي.

*مدير عام شبكة الاعلام المجتمعي التي تدير راديو البلد وموقع عمان نت

أضف تعليقك