مريد البرغوثي.. مسافر في الشعر أيضاً

الرابط المختصر

باغتَني خبر رحيل مريد البرغوثي الشاعر الفلسطيني. كان غاب عن سمعي ومعرفتي منذ عاد، غالباً، إلى الأردن مع ابنه الشاعر أيضاً تميم. كنّا من قبل، أنا وهو وشلّة من الصحاب، نلتقي في مقهى من الحمرا من بيروت وقلّما كانت تمرّ ليال قبل أن نعود إلى اللقاء.

يومها كان مريد وتميم مقيمين في بيروت، والاثنان يجيئان على أقدامهما، من بيت أنيق، فيما علمت أستأجراه على مبعدة. الهم الرياضي للاثنين هو الدافع، ورغم الفارق بين الابن والأب كانا أقرب إلى شقيقين وقلّما كان يخطر لنا أحدهما بدون الآخر. كان الواحد منهما يستدعي الثاني إلى أفكارنا، ورغم بعد ما بين العمرين، فقد كانا ليسا شاعرين فحسب، بل يتكاملان في كلّ شيء، بحيث أنَّ الفرق ما بينهما لم يكن إلّا ليجعلهما في صورة واحدة.

كانا في بيروت بُعَيد وفاة رضوى، ورغم أنها لم تكُن معهما إلّا أن ظلّها كان ماثلاً، وكان بادياً لنا أنهما معاً في ما بعد الفراق. كان تقاربهما الشديد يبدو أحياناً من آثار هذا الفراق، كأنهما لا يزالان يتلقيانها معاً. قلّما تَحدّثنا عن رضوى، التي كنتُ ألتقيها مراراً قبل وفاتها، لكنّني قرأت كتابها "أنقل من رضوى" الذي يروي سيرتها مع المرض، ورأيت كم في هذا الكتاب من الصفاء والشفافية، بل والقوّة، قوّة النظر وقوّة التعبير. هذا الكتاب جعلني أنتقل إلى ما وراء اللحظة، إلى ما بدا لي أنه الزمن الذي لا يزال يُخيّم على الصديقَين، وأنا أقاسمهما إياه.

كتبتُ عن هذا الكتاب الذي يُحيل الرقّة والشفافية إلى قوّة، وفي مقالتي كما في قراءاتي كنتُ مع الصديقين في لحظة واحدة. لا لم يكن فراق مريد ليخطر، كأنه كان على الدوام في ما قبل الفراق الذي طبع، منذ ذلك الحين، حياته. الآن أشعر أنه اختلس وأنه سرق من تميم. أفكّر في تميم ولا أستطيع أن أتخيّل حاله الآن بعد أن فقد نصفه. نصفه بالرغم أن فيه طاقة عدة أشخاص. إلّا أنّ الثلاثي الذي كان أباً وأماً وابناً، يقع الآن على عاتق واحد.

لم يكن هذا أول عهدي بمريد، كنتُ بالطبع أعرف مريد الشاعر الذي كانت له في نفسي منزلة خاصة، كان داخل الشعر الفلسطيني المتواتر آنذاك مختلفاً، وكانت له وجهته بل وأسلوبه وبالأحرى عالمه. هذا أول ما خطر لي حين قرأته للمرة الأولى.  بدا لي أنه يلحق باتجاهات بدأت تتململ في الشعر العربي، يمكننا القول إنها تنحو إلى غنائية ثانية غير تلك التي جرى توارثها، ليس من قديم التراث فحسب، ولكن من أوليات الحداثة.

هذا ما أظن أنه استقر في بالي من قراءته الأولى. انطباع مرّ ولم أتابعه بإلحاح. كان ليبدو لي أنه من ضمن موجة بدأت تدل بتباينها وتراكم اختلافها، وخاصة في الشعر العراقي. قُيّض لي، بعد ذلك، أن أُشارك مريد في أمسية في الجامعة الأميركية في بيروت. أظن أنّني فوجئت بما صار إليه شعره. بدا لي أنه يزداد ابتعاداً في طريقته وأسلوبه وأنه يحسن أن يزاوج بين غناء حديث وطلاقة تكاد تخرج عن الغناء.

حين أعدت تعرّفي بمريد في بيروت لم نتبادل، فيما أذكر، أي حديث عن الشعر. على الأقل لم نتبادل أي قراءات. بقي لي انطباعي القديم عن اختلاف مريد، لكني وأنا أتبلّغ، عن طريق فيسبوك وفاته، أعود إليه شاعراً وأعيد قراءة ما توفّر لي من شعره، ومرّة أخرى يفاجئني مريد، ولعلّ أول ما فاجأني هذه المرّة ما كنت سمّيته، قبل أسطر، طلاقته.

وقعت هكذا على شعره، رغم أنه في معظمه تفعيلي وموزون، إلاّ أنه مع ذلك، يبدو وكأنه ينحت من النثر أو يزن النثر أو يغني النثر. ليس هذا فقط قدرة على مزاوجة الغناء والنثر. ولكنه أبعد من ذلك. ذهاب إلى حيث يصل النثر وخاصة نثر السجال ونثر التأمل ونثر السرد ونثر الحوار ونثر المناظرة ونثر التعليق والملاحظة، وأكاد أقول، التهكّم.

الغناء عند مريد البرغوثي ليس مطلباً بحد ذاته. إنه فقط هذه القدرة على الدندنة، على التصويت، على الإيقاع. كلّ ما يخطر، وفي كل موقف، وفي أي موضوع، يمكن أن يجد غناءه في شعر مريد. الوطن، الحب، الشعر، الرثاء، حتى رثاء رضوى التي سبقته إلى الرحيل، ببضع سنين، هو أيضاً هذا الغناء الملتبس بالنثر، وحيث الغناء، لا يزال يملك حسم وتسلسل واستطراد النثر. يملك ما هو أقل من المديح. ما هو تحت التزيين والتفخيم والتهويل اللفظي، ما يناسب سريان النثر واللغة المادية والسرد الداخلي. يمكننا أن نفهم من هنا لماذا عالج مريد البرغوثي قصيدة النثر التي لم تكن غريبة في شعره الذي كان حتى في تفعيلته محاورها.

مريد البرغوثي هكذا يبدو نسيج وحده داخل الشعر الفلسطيني، بل يبدو وهو المسافر الدائم الذي منع من العودة إلى فلسطين واضطرّ إلى مغادرة مصر وعاش معظم حياته متنقلاً من بلد إلى آخر، مسافراً داخل الشعر العربي. 
يمكنني أن استشهد بواحدة من قصائده وليس مستغرباً أن تكون قصيدة نثر:

"سألتُ الحرب أسئلة بسيطة
من أين تأتين بهذه الهمّة
...
ألا تفكّرين ببيت يخصّك
له باب ينجره نجّارون حقيقيون
من خشب مألوف
باب إذا انفتح يستطيع كأمثاله
أن ينغلق
ونافذة حين تطل على مشهد
فإنها لا تغيّره
ألم تصادفي يوماً مخدّة
ألا تفكّرين بغُرف استقبال
تقدّمين فيها لضيوفك
شاياً غير مهدّد
وموسيقى بلا نحاس".

* شاعر وروائي من لبنان

العربي الجديد

أضف تعليقك