جذور الكراهية: جورج بوش الجد مؤرخا للسيرة النبوية
في كتابه «أمريكا والإبادات الجماعية: حق التضحية بالآخر».. يعرج الباحث السوري منير العكش على كتاب « محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين» لجورج بوش الجد (1796–1859) – وهو أحد أسلاف الرئيس الأمريكي جورج بوش – في سياق الحديث عن المذابح التي ارتكبها البيض بحق السكان الأصليين أثناء غزوهم واستيطانهم للعالم الجديد، أمريكا (كنعان الجديدة). وكيف شبه قساوسة للمستوطنين والمغامرين الأوروبيين رحلتهم هذه بخروج بني إسرائيل من مصر وهجرتهم إلى كنعان، وأن الإله الذي اجتباهم جسدا وروحا وأورثهم الأرض التي تدر لبنا وعسلا، قد اجتبى هؤلاء الأوروبيين روحا وأورثهم أرض العالم الجديد التي تدر عسلا ولبنا، وأباح لهم – وفق خطاب تبريري ديني – قتل السكان الأصليين واعتبارهم “همجا”، كما أباح لهم إحلال بشر محل بشر وثقافة محل ثقافة.
يقول منير العكش عن كتاب جورج بوش: قبل أن يصدر رمزي كلارك وزير العدل الأمريكي السابق كتابه عن جرائم أمريكا ضد الإنسانية في حربها على العراق، كانت الفرقة الجوية القتالية السابعة والسبعون قد أنتجت ووزعت كتاب “أناشيد” تصف فيه ما ستفعله الفرقة في الخليج وتنذر “هذا المتوحش القميء خدن الأفاعي” بأن يستعد للإبادة، فيما ينتهي أحد هذه الأناشيد بخاتمة تقول: “الله يخلق أما نحن فنحرق الجثث”. والكتاب – كما يصفه كريستوفر هيتشنس – خليط من السادية والفحش، ومعظمه تشنيع وتشهير وشتائم بذيئة للعرب والمسلمين، باعتبارهم “أعراقا منحطة” و“حشرات” و“جرذانا” و“أفاعي”، وهي بذاءات مقتبسة – بحسب العكش – من كتاب “حياة محمد” لجورج بوش الجد الأكبر، الذي يضم أشنع ما كتب عن العرب والمسلمين وعن النبي محمد في الولايات المتحدة.
والقس جورج بوش الجد – بوصفه واعظا متزمتا لوثري المذهب وراعيًا لإحدى كنائس ولاية إنديانا – كان شديد التعصب، كما عمل أستاذا للغة العبرية والآداب الشرقية في جامعة نيويورك، وترك مؤلفات عديدة في شروح أسفار العهد القديم. ومن كتبه المشهورة Valley of Vision: or The Dry Bones of Israel Revived (وادي الرؤى: إحياء رميم إسرائيل). ويرى منير العكش أن هذا الكتاب يعد من أبرز محطات المسيحية الصهيونية الأمريكية الداعية إلى دعم مشاريع سياسية-دينية تتصل بفكرة “استعادة إسرائيل” وفق تفسير حرفي للنصوص، وإلى مواجهة ما كان يسميه أدبيات أوروبا الوسيطة “السارازن”. و“السارازن” هو الاسم الذي كان يطلقه الصليبيون وأوروبيو القرون الوسطى على العرب والمسلمين، وكان الرومان يطلقونه على بعض رعاياهم تحقيرا، ولا يعني في هذا السياق سوى اللص والرقاع.
أما الكتاب الذي نحن بصدده، فقد جاء عنوانه في الأصل دالا على مراد مؤلفه: The Life of Mohammed: Founder of the Religion of Islam and of the Empire of the Saracens بما أن العنوان عتبة أولى للولوج إلى المتن وسبر مضمونه. وقد ترجمه بعض المثقفين: “محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين” من دون الإشارة إلى كلمة “السارازن” تأدبا مع مقام النبي والإسلام. وهذا الكتاب – في تقدير الكاتب – يندرج ضمن بدايات حملات أكاديمية مسيسة واستشراق موجه، يتناول موضوعات الإسلام والثقافة العربية بأحكام مسبقة ومشاعر من الكراهية والتحقير والاستعلاء، كما بين إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق».
وجدير بالذكر أن عائلة بوش لا يخفى عليها كثير من المعطيات التاريخية التي كرسها هؤلاء المبشرون والمستشرقون، مثل جدهم، على الرغم من محدودية مستواهم المعرفي وانشغالهم بالنفط وتنمية الثروة ومراكمة الأرباح وحياة البذخ والمغامرات السياسية. وليس أدل على ذلك – في قراءة الكاتب – من اختيار الرئيس جورج بوش الابن إعلان تحالفه للحرب على العراق من جزر الأزور البرتغالية مع حليفه البريطاني توني بلير والإسباني خوسيه ماريا أزنار ورئيس وزراء البرتغال خوسيه مانويل دوراو باروسو في 16 آذار/مارس 2003، وكأنه يجعل ذلك التحالف استكمالا لميراث تاريخي من “الحروب الدينية” في المخيال السياسي. ولم تكن الكلمات التي كان يطلقها بوش الأب وبوش الابن – في نظر الكاتب – من قبيل هفوات اللسان، بل كانت تستثمر ضمن خطاب يرى الولايات المتحدة “أمة مختارة” تحمل رسالة، وأن ما سيحدث من قتل للأبرياء “أضرارا هامشية” لا مفر منها؛ على نحو يذكر بتبريرات تاريخية قديمة استخدمت لتسويغ العنف ضد السكان الأصليين.
الكتاب الذي أصدره بوش الجد عام 1831 يقع في 278 صفحة، لكنه لم يصدر في العالم العربي إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق (حرب الخليج الثالثة). وقد منعت لجنة البحوث والترجمة لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر نشر وتداول الكتاب أول الأمر، ثم عادت فسمحت بذلك، فهل كان ذلك نتيجة ضغوط من جهة ما؟ وجدير بالذكر أن الإدارة الأمريكية نفت – في مرتين متواليتين عامي 2004 و2005 – أن يكون المؤلف على قرابة قريبة جدا من عائلة بوش، معتبرة أنها قرابة بعيدة مع أحد أسلاف الرئيس. فالصلة -على أي حال – قائمة من حيث النسب التاريخي. وقد أشارت السفارة الأمريكية في القاهرة، وفق ما نقل آنذاك، إلى أن الكتاب “يشوه صورة العرب والمسلمين” ويصفهم بأوصاف مهينة.
إن العلاقة بين الكتاب والمسيحية الصهيونية (أو الأصولية المسيحية) قائمة؛ والأصولية تعني الحرفية في تفسير الكتاب المقدس، وهو ما تتبناه تيارات من اليمين المسيحي والمحافظين الجدد في مقاربة النصوص الدينية بما في ذلك الشؤون السياسية، خصوصا النبوءات التي تشير -في تصورهم – إلى أحداث مستقبلية. وهذه المقاربة هي التي اعتمد عليها بوش في كتابه عن النبي محمد، وفي تفسيره لظهور الإسلام وانتشاره عبر تأويلات خاصة لرؤى دانيال ويوحنا، يذهب أصحابها إلى أن “العودة الثانية للمسيح” لن تتم حتى تتحقق شروط لاهوتية معينة تتصل بمكانة إسرائيل في التصور الديني لديهم. وقد نقل عن ريغان عام 1979 قوله إن العلاقة بين إسرائيل وأمريكا “علاقة دينية بالأساس”.
وتقوم هذه الأصولية على مرتكزات أهمها: عصمة الكتاب المقدس وتضخيم مسألة النبوءات – مع أنها قضية ظنية لا تفيد الجزم – ثم فكرة العناية الإلهية ببني إسرائيل في التصور الديني، ثم الدعوة إلى “عودة الناس إلى المسيحية”، و”عقيدة الاسترجاع” التي تصاغ عند بعضهم بوصفها ضرورة لعودة اليهود إلى فلسطين قبل مجيء المسيح.
إن جل المستشرقين الذين تناولوا السيرة النبوية – بمن فيهم جورج بوش الجد – انطلقوا من مسلمات تفسيرية مسبقة، وهو ما جعل بعض المؤسسات الإسلامية تنخدع بالكتاب بسبب ما أورده من إشارات إلى أن النبي محمد “مذكور عند أهل الكتاب”، لكنه يقدم ذلك ضمن إطار يرى الإسلام “عقابا مقدرا” للكنائس الشرقية التي “حادت عن الصواب” حتى تعود إلى ما يعده “الجادة”، ويعود العالم كله إلى المسيحية كما يعتقد الأصوليون المسيحيون. ويستند في ذلك إلى تأويل خاص لرؤى دانيال ويوحنا، على الرغم من عدم قطعيتهما واحتمال الخلاف في نسبتهما وتفسيرهما.
ولربما انخدع بعض المسلمين ممن قرأ الكتاب ببعض المدائح التي كالها بوش للنبي، وهي من قبيل “دس السم في العسل”، مثل تنويهه بشرف نسبه وصبره وشهامته. ويعلل ما ورد في تحامل بعض المستشرقين عليه بأنهم يمقتونه، لكنه سرعان ما يقع – بحسب الكاتب – في الهوة نفسها من سب وتجريح وبذاءة لا تليق بأكاديمي، ولا بكتاب يفترض فيه الموضوعية. فجميع مصادره ومراجعه غربية من دون الرجوع إلى مصدر أو مرجع إسلامي واحد؛ فكيف يعد هذا الكتاب بحثا نزيها وموضوعيا؟
وهل هناك ما هو أكثر من التجريح والسب في مثل الكلمات التي تتردد في كتابه كثيرا من قبيل: “دعي”، و“دين زائف”، و“كاذب”، و“شهواني”، و“لا وفاء له”، و“إنسان الخطيئة”، والقرآن «تأليف محمدي صرف»، والمسلمون “سلب ونهاب”، و“شهوانيون”، لا يعرفون سوى اللذة المادية، أما اللذة العقلية فبعيدة عنهم لأنهم “جنس منحط”، والإسلام “هرطقة” وقد انتشر بالسيف، والشريعة الإسلامية “متذبذبة” بدليل الناسخ والمنسوخ، وأنه “سطو على اليهودية والمسيحية”… إلى آخر ما في الكتاب من أباطيل سوقها الكاتب على أنها حقائق لا تقبل النفي أو الطمس. ومن ذلك تناوله بكثير من السخرية والتسفيه ما تواتر في القرآن وفي السيرة النبوية من أحاديث كحادثة شق الصدر والإسراء والمعراج تمثيلا لا حصرا، واعتبارهما من المرويات الصبيانية. وهذا غيض من فيض مما في الكتاب من نية مغرضة وأحكام قبلية نمطية جاهزة وتضليل وافتراء.
إن أهمية هذا الكتاب تكمن في التعرف على طلائع الاستشراق، أهدافه ومآلاته، وكيف تزامن مع توجهات سياسية وصار خادما لها إلا في القليل النادر، وكيف ينحرف العمى الأيديولوجي بصاحبه فيلوي عنق الحقائق أو ينفيها بجرة قلم، فيثبت ما يراه جديرا بالإثبات بتأويله بما في نفسه من هوى وتعصب، وينفي ما يراه “حماقة” أو “غرورا” أو “خيالا” أو “جهلا”، بما أن الغرب – في تصوره – مصدر الحقيقة وكاهن المعرفة، فيحق له تسفيه ما يراه جديرا بالتسفيه، وإنكار ما يراه الآخرون حقيقة، دون مراعاة الحقيقة والالتزام بالموضوعية والنزاهة العلمية وهي من شروط البحث العلمي.
كما أن للكتاب أهمية في معرفة منابع وأصول الفكر المحافظ في الحركة البروتستانتية الأمريكية، التي شكلت قاعدة دينية امتدت إلى الشأن السياسي. وما هذه القوة المفرطة التي تهدد بها الولايات المتحدة وتستخدمها – في تقدير الكاتب – إلا انعكاس لقناعات دينية مستقرة في اللاوعي الجمعي لبعض الساسة. فالدعم لإسرائيل عند تيارات من اليمين المسيحي الأمريكي لا يقدم بوصفه مصالح اقتصادية وسياسية فحسب، بل يكسى أيضا بغطاء لاهوتي، كما نقل عن ريغان. وهذا الالتزام صاغه مفكرون سابقون ضمن تقاليد فكرية ودينية متعددة، ومن بينهم جورج بوش الجد في كتابه هذا عن مؤسس الإسلام.
ولا أدل على ذلك – في قراءة الكاتب – من المأساة المستمرة في غزة وما يقع من قتل للمدنيين وانتهاكات جسيمة، ومن تعثر مسار الاعتراف بحقوق الفلسطينيين السياسية والمدنية. وهي قضايا ترتبط أولا بسياسات حكومات وتحالفات دولية وخيارات عسكرية، وبخطابات أيديولوجية لدى تيارات سياسية ودينية مختلفة، ولا يصح أن تحمل على جماعة دينية أو إثنية بوصفها كذلك. ويخلص الكاتب إلى أن بعض المفسرين يوظفون رؤى دينية في الكتاب المقدس لتبرير سياسات معاصرة، على نحو يجعل “الانتشار التاريخي للإسلام” مجرد أداة في سردية تأديبية هدفها – في تصورهم – إعادة “المنحرفين” إلى المسيحية وتهيئة الشروط اللاهوتية لعودة المسيح.
كاتب جزائري/القدس العربي











































