"قابض الرمل" لعنة النكبة تطارد الفلسطيني

الرابط المختصر

يعالج عمر خليفة في عمله الروائي الأول (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2020)، قضية النكبة الفلسطينية 1948، من منظور الجيل الثالث من أبناء اللاجئين الفلسطينيين في الأردن (الجيل الأول هو الجيل الذي وعى صدمة النكبة وأهوال اللجوء، والثاني هو الجيل الذي وعى النكسة 1967 وخيبتها الكبرى، والثالث هو الجيل الذي تفتح وعيه بعد النكسة، ووُلد، أو نشأ، خارج فلسطين).

الخط السردي الرئيس هو خط النكبة، يغذّيه الصراع حول توثيق ذاكرة النكبة الفلسطينية الآخذة بالتلاشي بمرور الزمن. إلا أن هذا الخط يتوازى درامياً عبر أقسام الرواية الثلاثة، مع خط سردي آخر، تغذية قصة حب ملتهبة، ينشأ على هامش الخط الأول، ويزداد توتراً وانفراداً خلال تنامي السرد، إلى أن يتضافر الخطان في خاتمة الرواية.

تجري أحداث الرواية في العاصمة الأردنية عمّان، في العام 2018، وتنبني حبكة الرواية حول "تحقيق صحفي" يزمع فريق من أربعة صحفيين محترفين إجراءه مع "عجوز" عاصر النكبة. والهدف العام من التحقيق توثيق شهادات اللاجئين، وإبقاء القضية حية بعد مرور سبعين عاماً على النكبة.

تتعقّد الحبكة بتشابك الهدف الشخصي لفريق الصحفيين مع الهدف العام للتحقيق. فالمهمة التي بدت سهلة ومثمرة في المستوى المهني، تقود الصحفيين الأربعة إلى خوض مغامرة خطرة في المستويات كافة؛ المهنية والعاطفية والأخلاقية والقانونية والاجتماعية، والأهم من ذلك، في مستوى الوعي بالقضية الأساسية؛ قضية النكبة نفسها.

ترتكز الرواية في بناء حبكتها على شخوص ينتمون إلى شريحة اللاجئين الفلسطينيين المنتمين إلى المواطنة الأردنية، وتشدد الرواية على الأصل الفلسطيني للصحفيين الأربعة؛ صحفيَّين وصحفيَّتين يعملون في صحيفة أردنية "مرموقة وقرّاؤها بالآلاف"، وهم بارعون في عملهم ويسعون إلى مزيد من النجاح المهني.

ينشاً الصراع بين فريق الصحفيين والعائلة الفلسطينية الأردنية المكوَّنة من شخوص تمثّل ثلاثة أجيال النكبة؛ الجد والابن والحفيد، إذ يرفض الجد فتح ذاكرة النكبة أمام فريق الصحفيين، ويمتنع عن الإجابة عن أسئلتهم، وتقديم شهادته عن مجريات النكبة، والأسباب التي دفعته مع غيره من اللاجئين إلى ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم.

يتمحور الصراع حول رؤيتين تجاه النكبة، رؤية الجد التي ترى في تجربة النكبة شأناً شخصياً لا يمكن مشاركته مع الآخرين، أو تسجيل أحداثه. وبرغم فضول الابن والحفيد تجاه سماع قصة الجد، إلا أنهما يحترمان خصوصية الجد، ورغبته في إبقائها سرّاً مغلقاً ومدفوناً في أعماق ذاكرته سيحمله معه إلى القبر.

تتعارض رؤية الجد مع رؤية فريق الصحفيين الراغبين في نقل أحداث النكبة إلى المجال العام عبر وسائل الإعلام، بوصفها شأناً لا يخص شهود النكبة وحدهم، وإنما يخص الذاكرة الجمعية للاجئين الفلسطينيين عموماً، ويخدم الأهداف السياسية لقضيتهم.

يتأزم الصراع بين الجهتين والرؤيتين، ويأخذ أبعاداً درامية يشتطّ مداها على نمط الأفلام البوليسية، ويتلون السرد بطابع التخطيط التآمري والعنف الجسدي والثأر الشخصي، إذ يُقدم فريق الصحفيين على اختطاف الحفيد، ويساومون الجد والأب على حياته مقابل الحصول على شهادة الجد.

وينجح السرد في تعقيد الحبكة بإضافة بعد عاطفي إلى أبعادها السياسية الاجتماعية، يتمثل في قصة الحب التي تنشأ بين الحفيد وإحدى الصحفيتين. وتزيد هذه القصة من تعقيد الحبكة، وتضيف إلى الصراع الخارجي بين الجهتين بعداً داخلياً نفسياً يستشعر مرارته الحفيد والصحفية، وينعكس على باقي الشخوص من حيث انعدام التفريق بين المهني والشخصي، والذاتي والموضوعي، والأخلاقي واللاأخلاقي.

تنحلّ الحبكة بخسارة جماعية؛ فالجد وابنه يخسران حين يضطران إلى تسليم دفتر مذكرات الجد لفريق الصحفيين لإنقاذ الحفيد المخطوف. ويخسر الحفيد حين يكتشف أن الصحفية التي يحبها تآمرت مع زملائها لاختطافه. ويخسر الصحفيون حين يكتشفون أن الشهادة، التي ضحّوا بمستقبلهم المهني، وتحوّلوا إلى ما يشبه المافيا من أجل الحصول عليها، ليس فيها ما يشبع فضولهم المهني.

تسلط الرواية الضوء على شريحة الأردنيين من أصل فلسطيني، المزدوجي الهوية والانتماء، وتحكي أثر المسافة الزمنية على مواقفهم ورؤية ثلاثة أجيالهم تجاه قضيتهم الأم. فالجد الذي يمثل الجيل الأول ما زال يعيش لحظة النكبة وهو ابن خمسة عشر عاماً، وما السبعون عاماً التي عاشها بعد النكبة إلا أرقاما في رزنامة تكرر حقيقة واحدة "ضاعت فلسطين".

أما الابن الذي يمثل الجيل الثاني، فيرى في أحداث النكبة امتداداً تاريخياً شخصياً لجذوره التي يخشى أن تنقطع، وإرثاً حصرياً يتمنى من أعماق قلبه أن ينقله أبوه إليه. وتساوى في نظره القيمة العاطفية للأب بالقيمة العاطفية للقضية.

أما نظرة الجيل الثالث إلى النكبة، التي يمثلها الصحفيون الأربعة مع الحفيد، فتبدو نظرة موضوعية، فبخلاف الأب، يفصل الحفيد عاطفياً بين الجد والنكبة، ولا يراهما شيئاً واحداً كما يفعل الأب. لذلك تبدو علاقة الحفيد بالجد أقوى من علاقة الأب بالأخير.

صورت الرواية رؤية الجيل الثالث إلى الهوية الفلسطينية بوصفها أمراً واقعاً، أو بصمة وراثية لا يمكن محوها، ولكنها ليست مقدسة ولا قيمة عاطفية كبيرة لها في الوقت نفسه. واهتمامهم بها ليس شخصياً بمقدار ما هو اهتمام إنساني وفضول معرفي ونجاح مهني.

المثير في الرواية نجاحها في إيصال الرؤية العامة على الرغم من عيوب واضحة في الحبكة وبناء الشخوص وتوظيفات الحوار وتعيين الأمكنة. ويمكن القول إن الرواية تتسم بقوة الموضوع وارتباك البناء.

اعتمدت الرواية في قسمها الأول تقنية تعدد الأصوات، بما يسمح بنعت الشخوص الرئيسة بصفاتهم (القائد. الخائن. الخائنة. المترجمة) وليس بأسمائهم. ثم تخلّت عنها في القسمين الثاني والثالث، واعتمدت تقنية السارد الخارجي، من دون أن تقدم بديلاً فنياً يملأ الفراغات التي نجمت عن هذا التحول، وعلى الرغم من أن هذه التقنية، لو استمرّت، تخدم صراع الرؤى المتباينة لشخوص الرواية، وتفصح عن خلفياتها ودواخلها.

 تقاعس السارد الخارجي عن تعويض حرية الأصوات في القول، الأمر الذي أوقع السرد في ورطة كبيرة، لأن تعدد الأصوات نمط سردي متكامل، يسمح للشخوص بالدفاع عن حياتهم وأفعالهم فيما يشبه المرافعات التي تضمن حق المنعوت في قبول النعت أو تبريره أو دفعه. وهو نمط سردي لا تمكّن شروطه الفنية السارد الخارجي من تلبيتها إلا أن يكون عارفاً وبارعاً على غرار الأعمال الكلاسيكية الكبيرة.

أدى التخلي السردي عن تعدد الأصوات إلى نقص في العمق النفسي في بناء الشخوص، خصوصاً الصحفيين الأربعة، فلا الخلفيات العائلية للشخوص معروفة، ولا دوافعهم الفردية مفهومة، ولا نفسياتهم قابلة للتحليل. وباستثناء الكتلة العامة التي تحركهم في فريق يجمعه هدف واحد، لم تنجح الرواية في خلق تمايزات فردية واضحة بين الصحفيين الأربعة. وتحوّلت نعوت الشخوص إلى وصمات تدمغهم، وقيمة أخلاقية مطلقة تؤطرهم وتحبسهم في داخلها، وتفرض على القارئ أن يراهم من خلالها، ولا يستطيع النظر إلى ما بعدها حتى لو حاول.

بنت الرواية شخوصها على أساس تمايزات خارجية، وظل السرد يدور حولها ويواصل تكرارها من دون أن يتخطاها إلى مستويات أعمق من الدواخل النفسية، فشخصية الصحفية "المحجبة" ظلت أسيرة حجابها، كأن الحجاب شخصية بحد ذاته.

وشخصية الصحفية "الخائنة" انبنت على موقف لا معقول حدث في حفلة عرسها، يتعلق بامتناع فرقة الزّفة عن أداء فقرة الأغاني الفلسطينية في الليلة التي تزامنت مع ذكرى النكبة، وتحوّل الموقف إلى سوء تفاهم مزمن بينها وبين زوجها جعلها "تحرص جاهدة في كل عام على خيانة عريسها في ذكرى النكبة".

الحوار في الرواية فيه تطويل وتكرار وشرح، وفيه خلط بين الحوار السينمائي والحوار الروائي. وبدلاً من أن يؤدي وظيفة التعليق المكثف على الأحداث، نحا الحوار في الرواية منحى المباشرة والتقريرية في الإفصاح عن الشخوص بدلاً من السرد.

انفصال العناصر عن بعضها أضرّ بالبنية الروائية، وجعلها تبدو مركبة تركيباً وليست منسجمة في نسيج واحد. وبدت الحبكة الروائية بشخوصها وأحداثها مسقطة إسقاطاً على المكان. ولم ينجح لجوء الرواية إلى تعيين الأمكنة في إزالة إحساس القارئ بأن هذه الأحداث تحدث في مكان آخر غير عمّان، وبأن شخوصها يعيشون في فضاء آخر غير فضاء المجتمع الأردني.

زاد في الإحساس بانفصال العناصر عن بعضها، أن الرواية لم تتطرق لواقع الصحافة في الأردن، وخلت من أي تصور ذهني لمخطط الجريدة التي يعمل بها الصحفيون الأربعة؛ مبناها وقاعاتها وأثاثها وموظفيها، وبدت روح العمل الصحفي الذي تصوره الرواية روحاً أجنبية.

يخرج القارئ لهذه الرواية بانطباع أنه قرأ سيناريو أو شاهد فيلماً سينمائياً، فيه حبكة مثيرة تشد انتباهه، وقضية مهمة يثير الخوض فيها فضوله، لكنه يأسف لضعف الإخراج، وخفة المعالجة، والمبالغة الدرامية.

 

أضف تعليقك