النّازحون في الفن: هموم الخريطة والمفتاح والبيت المفقود

في مشروعه الممتد "من باب الاحتياط" عام 2025، جمع الفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي مفاتيح منازل أشخاص اضطروا إلى مغادرة غزة، محولاً هذا الشيء العادي الذي يتعامل معه الناس يومياً إلى أثر مادي لمكانٍ لم يعد أصحابه قادرين على الوصول إليه. العمل الذي عُرض من قبل في سياقات مختلفة، هو جزء من تيار عالمي واسع من الأعمال الفنية التي تتناول النزوح بوصفه تجربة إنسانية، تعيد تشكيل علاقتنا بالمكان بعد إجبارنا على الرحيل عنه. في هذه الأعمال التي تبتعد أحياناً عن صور الحرب المباشرة، تكتسب المفردات الصغيرة والعادية دلالة خاصة، وتصبح الأشياء التي تركها النازحون وراءهم، أحياناً، أكثر قدرة على رواية ما حدث في الحرب نفسها.

يُعرض عمل البطنيجي ضمن الدورة العاشرة من مهرجان لاندسكرونا للصورة في السويد، الذي افتُتح الجمعة الماضي ويتواصل حتى 20 من الشهر المقبل، ويشارك فيه 17 مشروعاً من فنانين ومجموعات من بلدان مختلفة، تحت عنوان "النزوح" (Displacement). اختيار العنوان هنا لا يأتي من فراغ، فوفق أحدث تقرير أصدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في يونيو/حزيران 2026، بلغ عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة نزوح قسري حول العالم 117.8 مليوناً في نهاية 2025. وبين هؤلاء 68.7 مليون شخص نازحون داخل بلدانهم بسبب الصراع والعنف، بينما بلغ عدد اللاجئين 41.6 مليوناً. ولا تعني هذه الأرقام أن الفن اكتشف النزوح الآن؛ فالتهجير والمنفى والنزوح موضوعات حاضرة في الفن المعاصر منذ عقود، لكنها تبدو أكثر حضوراً في البرامج الفنية الحالية، إذ انتقلت من كونها موضوعاً سياسياً أو إنسانياً إلى سؤال فني يتعلق بالمكان، والذاكرة، والهوية، والبيت.


أثر المكان

في مشروعها "من حيث أتينا" (2001-2003)، سألت الفنانة الفلسطينية إميلي جاسر عدداً من النازحين الفلسطينيين الذين يعيشون في أماكن مختلفة عما كانوا سيفعلون لو استطاعوا الوصول إلى بلداتهم في فلسطين، ثم حاولت تنفيذ بعض طلباتهم نيابة عنهم. لا يوجد هنا مشهد حرب بالمعنى المباشر، لكن أثر الصراع حاضر في صورة أخرى، في المكان الذي لا يستطيع صاحبه الوصول إليه. في هذا العمل يتحول العجز عن الحركة إلى مادة فنية، ويصبح السؤال عن الحدود سؤالاً عن الهوية والذاكرة والحق في المكان. يذكر أن عمل إميلي جاسر قد عُرض في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي في المتحف العربي للفن الحديث بالدوحة، ضمن معرض "نَرفُض/ رَفَضنا"، وهو معرض جماعي ضم 15 فناناً، بينهم تيسير البطنيجي وسامية حلبي، وجمانة منّاع ووليد رعد. هذا قبل أن ينتقل المعرض لاحقاً في مارس/ آذار الفائت إلى متحف أنتويرب في بلجيكا.

ما تركه النازحون وراءهم أكثر قدرة على رواية ما حدث في الحرب

من بين الفنانين العرب الذين عملوا على ثيمة النزوح تأتي الفنانة المغربية الفرنسية بشرى خليلي، التي أنجزت بين 2008 و2011 مشروعها "رحلة رسم الخرائط" (متحف الفن الحديث، نيويورك، 2016)، وهو يتكون من ثمانية فيديوهات يروي فيها مهاجرون رحلات عبور غير قانونية عبر المتوسط. وهذا فارق أساسي في تمثيل اللجوء/النزوح. فالصورة الإعلامية المعتادة قد تركز على لحظة العبور، والمفردات المرتبطة بها، مثل القوارب والحدود، أو الحشود والمخيمات. أما الفن فيسعى إلى إظهار ما وراء تلك اللحظة، وما يعنيه أن يصبح الإنسان بلا عنوان ثابت. ولعل أبرز ما غيرته تجارب الهجرة والنزوح في الفن المعاصر أنها دفعت الفنانين إلى إعادة التفكير في مفهوم "البيت". فالبيت قد يتحول إلى صورة أو ذاكرة من الحكايات. وهو ما يظهر مثلاً في عمل الفنانة الفلسطينية منى حاطوم "قياس المسافة" (1988)، وهي إحدى التجارب المبكرة في مسيرتها. 

خارج السياق العربي، يأتي الفنان الصيني أي ويوي كأحد أبرز الأمثلة على تحوّل قضية اللجوء إلى مادة فنية عالمية. في العديد من تجاربه مثل "ممر آمن" (2016) و"قانون الرحلة" (2017) تظهر أزمة الفنان مع الاغتراب بصور ومستويات مختلفة. ولم يقتصر هذا الحضور الواسع لموضوع النزوح على المعارض الجماعية أو المشاريع الفردية، إذ امتد إلى أكبر التظاهرات الفنية الدورية في العالم؛ ففي نسخته الستين عام 2024، اختار "بينالي البندقية" شعار "أجانب في كل مكان"، بتنسيق أدريانو بيدروسا، مانحاً مساحة واسعة لفنانين من الجنوب العالمي ومن خلفيات مهاجرة ومهجّرة.


هل يتحول الألم إلى صورة قابلة للاستهلاك؟

إن اتساع حضور النزوح في المعارض الدولية يطرح سؤالاً أخلاقياً وجمالياً في الوقت نفسه: كيف يستطيع الفن أن يتحدث عن المأساة من دون أن يحولها إلى فرجة؟ فالمشكلة ليست في أن يتناول الفن الحرب أو الهجرة، وإنما في الطريقة التي يتم بها تمثيل الأشخاص الذين يعيشون هذه التجارب. فهناك فرق بين عمل يمنح الشخص النازح مساحة للسرد، وعمل يستخدم صورته باعتبارها مادة لإثارة التعاطف أو الصدمة.

 

تحضر أسماء فنانين مثل آي ويوي وتيسير البنطيجي وبشرى خليلي

قد يكون تجميل المأساة وحضورها الدائم في السياقات الفنية أسرع وسيلة لتخدير مشاعر من يشاهدونها، هكذا علقت الناقدة الأميركية إنغريد سيشي في مقالها عن أعمال المصور البرازيلي سيباستياو سالغادو (مجلة ذا نيويوركر، 1991). وقد وُجّه هذا النقد لاحقاً إلى نمط واسع من التصوير الفوتوغرافي الذي يحوّل الألم إلى لقطة جميلة، بحيث يصبح المتلقي مشدوداً إلى جمال الصورة أكثر من انشغاله بما توثقه من معاناة. وفي دراستها "اللاجئون والتمثيل: ضرورة مستحيلة" (مدرسة أمستردام للتحليل الثقافي، 2022)، تذهب الباحثة الهولندية ميكا بال إلى أن تمثيل تجربة اللجوء يظل عملية محفوفة بالمفارقة؛ فهو ضرورة لأن صمت العالم عن هذه التجارب أشد خطورة، لكنه في الوقت نفسه مهمة يكاد يكون إنجازها الكامل مستحيلاً، بحكم استحالة نقل التجربة كما عاشها أصحابها فعلاً.

ترى سوزان سونتاغ، في كتابها "الالتفات إلى ألم الآخرين" (2003)، أن كثرة التعرض لصور الحروب والكوارث قد تجعل الألم مألوفاً، ويمكن أن تتحول الصورة مع التكرار إلى مادة للفرجة أو إلى إحساس بالعجز أمام حجم ما نراه. وفي نقاشها حول التصوير الفوتوغرافي للحرب، تطرح سؤالاً أساسياً: هل تكفي رؤية معاناة الآخرين لكي تدفعنا إلى فعل شيء حيالها، أم أن الصور، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها تحويل التعاطف إلى مسؤولية؟

وهنا تحديداً يمكن فهم بعض التحولات التي طرأت على تمثيل النزوح في الفن المعاصر. ما فعلته هذه التجارب أنها دفعت الفنانين إلى التعامل مع أدوات مختلفة، وغيرت من نظرتنا إلى الأشياء، فالخريطة أصبحت جزءاً من السيرة الشخصية، والمفتاح قد يلخص أرشيفاً كاملاً من الصور وروايات النزوح.