من الدارك ويب إلى "لعبة جهنم".. القصة التي أرعبت الجمهور

بعد أربعة أيام فقط على عرضها، لا تزال حكاية "لعبة جهنم" من مسلسل "القصة الكاملة" حاضرة بقوة في نقاشات الجمهور، بعدما نجحت في تحويل جريمة حقيقية هزت الرأي العام المصري إلى دراما قصيرة مشحونة بالغموض والتوتر والأسئلة الأخلاقية. عرضت الحكاية حلقاتها الثلاث دفعة واحدة على منصة شاهد، وسرعان ما انتقلت من الشاشة إلى مواقع التواصل، حيث تركز النقاش على أداء محمد فراج، والنهاية الصادمة، والطريقة التي صوّرت بها الحكاية العلاقة الخطرة بين العالم الافتراضي والجريمة الواقعية.

لكن ما يجعل "لعبة جهنم" مختلفة عن مجرد عمل درامي مستوحى من قضية جنائية، هو أنها لا تبدأ من مسرح الجريمة، بل من شاشة كمبيوتر. هناك، في المساحة التي تبدو أحيانًا بعيدة عن الواقع، تبدأ اللعبة. ثم شيئًا فشيئًا تختفي الحدود بين ما يحدث على الإنترنت وما يحدث في الحياة الحقيقية.

الرجل الهادئ الذي يخفي وجهًا آخر

محمد فراج يدخل الحكاية بشخصية "الشيخ علاء"، رجل يبدو هادئًا ومتدينًا، لكن الصورة الخارجية لا تستمر طويلًا. خلف هذا المظهر توجد شخصية مضطربة، تتصارع مع دوافعها ورغباتها ونقاط ضعفها.

وهنا تحديدًا تكمن واحدة من نقاط قوة الحكاية. فالشخصية لا تُقدم باعتبارها شريرًا تقليديًا يظهر منذ الدقيقة الأولى، بل تترك المشاهد يتقدم معها خطوة وراء خطوة، إلى أن يكتشف أن ما يبدو طبيعيًا قد يخفي شيئًا أكثر ظلمة.

فراج نفسه تحدث عن صعوبة الحفاظ على الحالة النفسية للشخصية طوال التصوير، واعتبر أن التعامل مع شخصية علاء كان مرهقًا نفسيًا بسبب اضطرابها وتعقيدها.

الأخطر ليس ما يحدث أمام الشاشة

الحكاية مستوحاة من جريمة طفل شبرا الخيمة عام 2024، المعروفة إعلاميًا بقضية "الدارك ويب"، مع تغيير الأسماء وبعض التفاصيل في المعالجة الدرامية.

لكن "لعبة جهنم" لا تحاول أن تكون محضر تحقيق مصورًا. اهتمامها الأساسي يذهب إلى المسافة التي يمكن أن يقطعها الإنسان عندما يدخل لعبة رقمية، ثم يكتشف أنه لم يعد قادرًا على الخروج منها.

شخصية المراهق "سليم"، التي يؤديها عمر رزيق، تضيف طبقة أخرى من القلق. شاب ذكي، موهوب في التعامل مع التكنولوجيا، ويبدو في البداية بعيدًا تمامًا عن الصورة التقليدية للمجرم. ثم تبدأ الحدود الأخلاقية في الانهيار.

وهذه ربما أكثر فكرة مزعجة في الحكاية: الجريمة لا تأتي دائمًا من الشخص الذي تتوقعه.

لماذا نجحت الحكاية في جذب الجمهور؟

لأنها لا تعتمد على الدماء كي تخيف المشاهد.

صناع العمل اختاروا التوتر النفسي، الانتظار، النظرات، الصمت، والمعلومات الناقصة. الجمهور يعرف أن شيئًا سيئًا سيحدث، لكنه لا يعرف متى ولا كيف. هذا النوع من التشويق يجعل المشاهد شريكًا في الجريمة، يتابع التفاصيل بحثًا عن القطعة الناقصة في اللغز.

وتأتي الحكاية مصنفة للكبار "+18"، بينما تعتمد في بناء الرعب بدرجة أكبر على الحالة النفسية وتصاعد الصراع، وليس على الاستعراض البصري للمشاهد الدموية.

محمد فراج لم يلعب دور الشرير فقط

أداء فراج هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت "لعبة جهنم" مادة للنقاش بعد العرض.

الشخصية تحتاج إلى انتقالات دقيقة بين الهدوء والانفعال، وبين الصورة التي يريد علاء أن يراها الآخرون والصورة التي تخفيها الشخصية. المبالغة في الأداء كانت ستجعل الشخصية أقرب إلى كاريكاتير الشر، لكن فراج اختار طريقًا أكثر هدوءًا، وهو ما منح الشخصية مساحة أكبر للقلق والغموض.

إلى جانبه، لفت عمر رزيق الانتباه في شخصية سليم، فيما ساهم منذر مهران وبقية فريق التمثيل في بناء العالم المضطرب للحكاية. وقد ركزت ردود الفعل بعد العرض بصورة واضحة على أداء فراج ورزيق تحديدًا.

ثلاث حلقات فقط.. وهذا جزء من اللعبة

من الأشياء التي خدمت "لعبة جهنم" أنها لم تتمدد أكثر مما تحتمل.

ثلاث حلقات متتالية، أحداث سريعة، معلومات تكشف تدريجيًا، ثم نهاية تقفل الحكاية وتترك أثرها. هذه الصيغة هي أساس مشروع "القصة الكاملة"، الذي يقدم حكايات منفصلة مستوحاة من وقائع وقضايا حقيقية، مع حكاية جديدة كل شهر.

والنتيجة أن المشاهد لا يحتاج إلى انتظار أسابيع لمعرفة مصير الشخصيات. يستطيع الدخول إلى القصة والخروج منها خلال جلسة مشاهدة واحدة تقريبًا، وهي صيغة تبدو مناسبة جدًا للأعمال المبنية على التشويق والجريمة.

لكن الجدل الحقيقي خارج الشاشة

ربما أهم ما فعلته "لعبة جهنم" أنها أعادت قضية الدارك ويب إلى ذاكرة الجمهور، ولكن من زاوية مختلفة.

القضية الحقيقية كانت صادمة في تفاصيلها، بينما تحاول الدراما البحث في الطريق الذي قاد الشخصيات إلى الجريمة. وهذا يفتح نقاشًا أكبر من سؤال: "من قتل؟"

السؤال الأصعب هو: كيف يمكن لشخص عادي، أو مراهق يبدو ذكيًا ومثاليًا، أن يجد نفسه داخل لعبة تنتهي بجريمة؟

هنا تصبح التكنولوجيا جزءًا من القصة، لكنها ليست المتهم الوحيد. المشكلة أوسع: عزلة، اضطراب نفسي، رغبة في المال، فضول، استغلال، وقدرة العالم الرقمي على إخفاء هوية الأشخاص وخلق شعور زائف بأن ما يحدث خلف الشاشة لا علاقة له بالواقع.

"لعبة جهنم" ليست قصة عن جريمة فقط

وهذا تحديدًا سبب استمرار الحديث عنها بعد انتهاء الحلقات.

الحكاية لا تعتمد على سؤال "ماذا حدث؟" فقط، بل تدفع المشاهد إلى التفكير في كيفية حدوثه. وفي أفضل لحظاتها، تجعل المشاهد يشعر أن الجريمة بدأت قبل لحظة ارتكابها بكثير، ربما عند أول رسالة، أول تواصل، أول تنازل صغير عن الحدود.

لهذا تبدو "لعبة جهنم" أكثر إزعاجًا بعد انتهائها مما كانت عليه أثناء المشاهدة. فالمخيف ليس أن هناك لعبة اسمها جهنم، بل أن بعض الناس قد يدخلون ألعابًا حقيقية من هذا النوع وهم يعتقدون أنهم ما زالوا يملكون زر الخروج.

وهنا تكمن قوة الحكاية: لم تجعل الجريمة بعيدة عن المشاهد، بل وضعتها داخل جهازه، خلف شاشة تبدو آمنة.