أن تعيش في غزة… ولا تتوحش
صدر حديثاً، عن "منشورات المتوسط – إيطاليا"، كتاب جديد للكاتب الفلسطيني محمد الزقزوق، بعنوان "أكتب كي لا أتوحش".
منذ الصفحات الأولى، لا يترك النص للقارئ فرصة للنجاة الآمنة. حيث لا توجد مسافة، ولا حيادية، ولا حتى وهم القراءة المريحة. فنحن أمام تجربة تُكتب من داخل الجحيم، لا من حوافه؛ من أن الكتابة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية، فعل مقاومة يومي ضد التحول إلى كائن منزوع الإحساس. نكتب كي لا نتوحش، كي لا نسرد، كي لا ندون يومياتنا العابرة؛ بل كي نعيد تعريف الأدب نفسه، بوصفه فعل بقاء، وفعل منع عن التوحش.
على امتداد صفحات الكتاب، تتراكم التفاصيل لا لأجل التوثّيق فقط، بل لتُرهق، ولتُحاصر، ولتجعل القارئ شريكاً في العبء.

الطوابير، النزوح، الجوع، الخوف، الفقد؛ كلها لا تُروى كأحداث، بل كحالة دائمة، كهواءٍ يُتنفّس. ما ينجح فيه محمد الزقزوق هنا، وبقوة نادرة، هو أنه لا يكتب عن الألم من الخارج، بل من داخله، من عتمته الكاملة. فلا يحاول تجميله، ولا تفسيره، ولا حتى تبريره. إنما يتركه كما هو، خاماً، وفوضوياً، وجارحاً. وهذا تحديداً ما يمنح نص كتابه هذا قوته الاستثنائية.
يأتي الكتاب بوصفه نصاً سردياً (Narrative) يقوم على الشهادة المباشرة، ويتخذ شكل مقاطع سردية متتابعة تُكتب من داخل الحدث لا بعده. لا يعتمد الكتاب حبكة تخييلية، بل يتشكّل عبر تراكم زمني وتجريبي يبدأ من لحظة اندلاع الحرب، ويتطور عبر محطات واضحة. من الصدمة الأولى، فالنزوح، إلى إعادة تنظيم الحياة داخل بيت العائلة، ثم الانخراط في تفاصيل البقاء اليومي، مع التعرّض المستمر لفقد الأصدقاء والأقارب وتآكل الإحساس تدريجياً.
عليه، نجد أن النص يتوزع إلى وحدات غير معنونة تقليدياً، لكنها مترابطة عضوياً، حيث تقوم كل وحدة بوظيفة توثيقية وانفعالية في آن، ضمن سرد بضمير المتكلم يدمج بين التسجيل الواقعي الدقيق والتأمل الداخلي. وينجح الكاتب بتحويل التفاصيل اليومية من الماء، والخبز، والكهرباء، والخوف، والانتظار، إلى بنية سردية متكاملة تعكس ديناميات العيش تحت الحرب، بحيث تصبح الكتابة نفسها كما أسلفنا، فعل مقاومة للحفاظ على الوعي والإنسانية.
يُجبرك هذا الكتاب على التباطؤ، على التحديق، على مواجهة ما نحاول جميعاً الهروب منه؛ أن الحرب ليست حدثاً، بل حالة مستمرة من التآكل الداخلي. أن الإنسان، حين يُحاصر طويلاً، لا يخسر بيته فقط، بل يخاطر بأن يخسر نفسه. في هذا المعنى، "أكتب كي لا أتوحش" ليس مجرد شهادة على ما حدث في غزة، بل وثيقة إنسانية كبرى عن حدود الاحتمال البشري. عن تلك اللحظة الدقيقة التي يقف فيها الإنسان على الحافة، ويحاول بكل ما تبقى لديه، أن لا يسقط في الوحش.
أخيراً، صدر الكتاب في 200 صفحة من القطع الوسط.
من الكتاب:
بعدَ الكثير من الصراع، والأخذ والردّ بيني وبين نفسي، والقبول والرفض والتصديق والتكذيب، والغرق في سؤال الجدوى، أقرّر البدء في الكتابة، بعدَ أكثر من مئة وستّة أيَّام من الدخولِ المفاجِئ والمُربِك في دوّامةِ الحرب، أكتبُ كي لا أتوحّش، كي لا تستهلكني آلةُ الحرب؛ وتحوّلنِي إلى وحشٍ في بقعةٍ يسودها الظلام والخراب.
عن الكاتب:
محمد الزقزوق كاتب وباحث ومحرر أدبي فلسطيني من مواليد خانيونس عام 1990، برز خلال السنوات الأخيرة كأحد أهم الأصوات الجديدة الخارجة من غزّة. درس اللغة العربيّة وآدابها في جامعة الأقصى، ويعمل في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي منسّقاً لبرامج المكتبات والفرق الشبابية، مع حضور فعّال في التجمعات الثقافية داخل القطاع.
نال جائزة علي الخليلي للشعر عام 2018 عن مجموعته الشعرية «خانني العرّافون». في السنوات التالية، اتّسع حضوره خارج فلسطين عبر نشر نصوصه ومقالاته في منابر دولية مرموقة مثل The New York Review of Books وThe Paris Review وThe Dial وThe Avery Review، ما جعله من الأصوات التي تجاوزت حدود «الكتابة من الداخل» نحو خطاب أدبي عالمي يقدّم التجربة الفلسطينية من موقعها الأصلي، بلا تنميق ولا ادّعاء. في 2025 شارك في تحرير كتاب Letters from Gaza الصادر عن Penguin Random House ، الذي جمع شهادات وكتابات من قلب الحرب. كتب أيضاً للأطفال، مقدّماً أعمالاً مثل «قلبي يشبه القمر» و«طابور المتأخرين».
يقدم لنا محمد الزقزوق اليوم نموذجاً رفيعاً يمزج بين الشعر واليوميات والشهادة، ويُعيد مركزية الإنسان الفلسطيني في السرد العالمي، بحدةٍ نقدية ورصانة أسلوبية تجعله أحد أهم كتّاب جيله في غزّة.












































