رغم وقف الضربات.. خبراء: المنطقة أمام مرحلة طويلة من التوتر

جددت إيران هجماتها الصاروخية باتجاه إسرائيل مساء الأحد ، بعد حالة من الهدوء، منذ إعلان وقف إطلاق النار في نيسان الماضي، مما أثار مخاوف متجددة من احتمال اتساع رقعة المواجهة وتداعياتها على أمن واستقرار المنطقة.

وبعد ساعات من التصعيد، أعلن مقر خاتم الأنبياء، اليوم الاثنين وقف العمليات العسكرية، مع التأكيد على أن أي اعتداءات مستقبلية، خصوصا في جنوب لبنان، ستواجه برد "أشد قوة".

ومع كل جولة تصعيد بين إيران وإسرائيل، يظل الأردن في وسط التداعيات بحكم موقعه الجغرافي الحساس، إذ شهدت أجواء المملكة خلال الأشهر الماضية مرور صواريخ وطائرات مسيرة وأجسام طائرة مرتبطة بساحات المواجهة الإقليمية. 

وتعاملت القوات المسلحة الأردنية مع تهديدات جوية التي  اعتبرت خطرا مباشرا على أمن المملكة وسلامة مواطنيها، مؤكدة باستمرار أنها لن تسمح بتحويل الأجواء الأردنية إلى ساحة صراع أو ممر لتصفية الحسابات بين الأطراف المتنازعة.

ولم تقتصر انعكاسات التصعيد على الجوانب الأمنية فحسب، بل امتدت إلى قطاعات اقتصادية وحيوية، أبرزها الطيران والسياحة والتجارة، في ظل المخاوف من أن تؤدي أي مواجهة واسعة النطاق إلى اضطرابات إضافية في حركة النقل الجوي والبري وسلاسل الإمداد والتبادل التجاري في المنطقة.

وفي ظل التطورات الأخيرة، أعلنت الحكومة الأردنية أمس الأحد تعرض أجواء المملكة لاختراق بعدد من الصواريخ، الأمر الذي استدعى تفعيل صفارات الإنذار واتخاذ إجراءات احترازية لحماية المواطنين، فيما أكدت الأجهزة العسكرية والأمنية استمرارها في متابعة المستجدات الميدانية واتخاذ ما يلزم للحفاظ على أمن المملكة وسيادتها.

 

تصعيد محسوب

وفي قراءة للمشهد الإقليمي وتداعياته على الأردن، يرى الخبير الأمني والعسكري الدكتور عمر الرداد في حديثه لـ "عمان نت" أن ما تشهده المنطقة لا يزال يندرج ضمن إطار التصعيد المحسوب بين إيران وإسرائيل، رغم بقاء احتمالات اتساع المواجهة قائمة في أي لحظة.

ويقول الرداد إن الساعات الأولى من إطلاق الصواريخ الإيرانية وما رافقها من حراك واتصالات سياسية، من بينها الاتصال بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، أوحت بأن جميع الأطراف الرئيسية تحاول إدارة التصعيد ضمن حدود مدروسة، دون الانزلاق نحو حرب شاملة في المرحلة الحالية.

ويضيف أن إيران حرصت على إبقاء مفهوم وحدة الساحات حاضرا في المشهد السياسي والإعلامي، إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت محدودية تأثير الأطراف الأخرى المنضوية ضمن محور المواجهة، مشيرا إلى أن التحركات العسكرية المساندة لم تنجح حتى الآن في إحداث تغيير استراتيجي في مسار الصراع أو فرض معادلات جديدة على الأرض.

وبحسب الرداد، فإن سيناريو المواجهة المحدودة يبقى الأكثر ترجيحا خلال الفترة المقبلة، إلا أن ذلك لا يلغي احتمالات توسع النزاع أو امتداده زمنيا، مشيرا إلى أن ما يميز التطورات الأخيرة هو غياب التدخل الأميركي المباشر في العمليات العسكرية، مقابل تنفيذ إسرائيل ضربات محدودة استهدفت مواقع ومنشآت مختلفة دون الوصول إلى مستوى استهداف البنى التحتية الحيوية أو مراكز الطاقة أو تنفيذ عمليات اغتيال واسعة النطاق.

 

 

المنطقة أمام مرحلة طويلة من التوتر

ويؤكد الرداد أن المنطقة ستبقى عرضة لحالة من عدم الاستقرار طالما لم تطرح تسويات سياسية شاملة تعالج جذور الصراعات القائمة، مشيرا إلى أن استمرار المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل يعني بقاء المنطقة تحت تهديد دائم، سواء من خلال الهجمات الصاروخية أو عبر أشكال أخرى من التصعيد الأمني والعسكري.

كما يشير إلى أن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل تشكل أحد العوامل المؤثرة في إدارة الأزمة، في ظل استحقاقات سياسية وانتخابية يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى رؤية تيارات اليمين المتطرف التي تعتبر استمرار التهديدات الأمنية عاملاً مؤثراً في المشهد السياسي الداخلي.

وفيما يتعلق بالموقف الأردني، يشدد الرداد على أن المملكة ماضية في الاستراتيجية التي أعلنتها منذ بداية الأزمة، والقائمة على الجمع بين الدعوة إلى التهدئة والحلول السياسية من جهة، ورفع مستويات الجاهزية العسكرية والأمنية من جهة أخرى، للتعامل مع أي تهديد قد يستهدف الحدود أو المجال الجوي الأردني.

ويضيف أن عمان ستواصل انتهاج هذه السياسة انطلاقا من حرصها على حماية أمنها الوطني والحفاظ على الاستقرار الداخلي، خاصة أن الأردن يتأثر بصورة مباشرة بكل التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، مشيرا إلى أن الخطاب الأردني الرسمي والإعلامي يركز على تجنب الاصطفاف ضمن أي محور إقليمي، والتعامل مع التطورات من منظور حماية المصالح الوطنية والسيادة الأردنية.

وفي سياق متصل، قدم رئيس الوزراء الأسبق عبدالكريم الكباريتي قراءة أوسع لطبيعة المواجهة الجارية، معتبرا أن ما تشهده المنطقة لم يعد مجرد حرب تقليدية أو مواجهة عسكرية محدودة، بل تحول إلى مسار سياسي واستراتيجي طويل الأمد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والعالم.

ويرى الكباريتي أن الحرب الحالية تستخدم كأداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة، وأن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى والتحالفات، في ظل واقع إقليمي لم تعد المقاربات التقليدية قادرة على تفسيره أو التحكم بمساراته، محذرا من أن تداعيات هذه التحولات لن تقتصر على أطراف المواجهة المباشرة، بل ستمتد إلى مجمل النظام الإقليمي العربي، ما يفرض على الدول العربية إعادة تقييم مواقعها وأدوارها ومصالحها الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة.

كما يربط الكباريتي بين التحولات الجارية ومستقبل الضفة الغربية والأردن، محذراً من سياسات إسرائيلية قد تتجه نحو تكريس الضم وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي، بما ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الوطني الأردني. وفي هذا الإطار، يدعو إلى تطوير مقاربة أردنية أكثر انفتاحاً تجاه مختلف القوى الفلسطينية، باعتبار أن القضية الفلسطينية لم تعد ملفاً منفصلاً عن معادلة الأمن الإقليمي الأردني.

بالتوازي مع التصعيد العسكري، اتخذت عدة دول إجراءات احترازية في قطاع الطيران المدني، فقد أعلنت إيران إغلاق أجزاء من مجالها الجوي غرب البلاد وتعليق الرحلات في مطار الإمام الخميني الدولي، فيما قرر العراق إغلاق مجاله الجوي لمدة 72 ساعة.

كما أعلنت سوريا إغلاقا جزئيا لمجالها الجوي في المناطق الجنوبية القريبة من الحدود مع إسرائيل لمدة 12 ساعة، مع تعليق العمليات التشغيلية في مطار دمشق الدولي خلال فترة الإغلاق.