كيف تحمي الأسرة أبناءها من الاستدراج الإلكتروني وتأثير الرسائل الخفية؟

في ظل تزايد استخدام الأطفال والمراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي، برزت العديد من المخاطر المرتبطة بالأمان الرقمي، ومنها محاولات الاستدراج الالكتروني والابتزاز الرقمي أو الاستغلال عبر الإنترنت، مما يضع الأسرة أمام تحديات متزايدة تتطلب وعيا ومتابعة مستمرة.

تقديرات صادرة عن منظمة اليونيسف تشير إلى أن طفلا واحدا من كل ثلاثة مستخدمين للإنترنت عالميا هو دون سن 18 عاما.

وفي الأردن، يكشف تقرير حالة حقوق الطفل الأول، الصادر حديثا عن المجلس الوطني لشؤون الأسرة، عن ارتفاع مقلق في بلاغات الاستغلال الجنسي الواقع على الأطفال بنسبة بلغت 221% خلال السنوات الثلاث الماضية، في مؤشر يسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز إجراءات الحماية والوقاية.

تأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع قضية أثارت اهتمام الرأي العام مؤخرا، بعد توقيف الأجهزة الأمنية أحد المؤثرين وصناع المحتوى المعروفين على منصات التواصل الاجتماعي، على خلفية اتهامات تتعلق بالتحرش بالأطفال واستغلال القاصرين.

جاء التوقيف عقب تحقيقات أجرتها وحدة الجرائم الإلكترونية استنادا إلى بلاغات وشكاوى أفادت بقيام المشتبه به باستغلال شهرته عبر المنصات الرقمية لاستدراج ضحاياه وابتزازهم، حيث تم التحفظ على أجهزته الإلكترونية وإحالته إلى الجهات القضائية المختصة لاستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

 

أساليب الاستدراج ومؤشرات الخطر

تحذر المرشدة الأسرية لينا شبروقة من أن الأطفال اليوم أصبحوا أكثر عرضة لمحاولات الاستغلال الإلكتروني نتيجة الانفتاح الكبير على العالم الرقمي، موضحة أن من أبرز أساليب الاستدراج انتحال البالغين شخصيات أطفال أو مراهقين بهدف كسب ثقة الضحية والتقرب منها تدريجياً للحصول على معلومات شخصية أو صور خاصة أو دفعها إلى سلوكيات غير مناسبة.

وتؤكد شبروقة أن الفضول والرغبة في إيجاد قدوة أو الحصول على الاهتمام قد يدفعان بعض الأطفال والمراهقين إلى الاستمرار في التواصل مع أشخاص غرباء عبر الإنترنت، خاصة في ظل غياب الحوار الأسري أو ضعف العلاقة بين الطفل ووالديه، مشيرة  إلى أن هناك علامات قد تنبه الأهل إلى تعرض أبنائهم للاستغلال أو الابتزاز الإلكتروني، من بينها الانعزال المفاجئ، والتوتر المستمر، وإخفاء شاشة الهاتف أو الحاسوب عند اقتراب أحد أفراد الأسرة، واضطرابات النوم، وتراجع التحصيل الدراسي، والتقلبات المزاجية غير المعتادة.

وتشدد على أن التعامل مع هذه المؤشرات يجب أن يبدأ بالحوار الهادئ بعيداً عن اللوم أو العقاب، لأن رد فعل الأهل الأول يحدد ما إذا كان الطفل سيشعر بالأمان للحديث عما يتعرض له أم سيلجأ إلى الصمت والخوف.

 

 

 

وفي حال اكتشاف محاولات استغلال أو ابتزاز، تؤكد ضرورة الاحتفاظ بالمحادثات والرسائل كأدلة، وحظر الحسابات المسيئة، ومراجعة إعدادات الأمان والخصوصية، إضافة إلى إبلاغ الجهات المختصة عند وجود تهديدات أو طلبات مشبوهة أو محاولات واضحة للاستغلال.

على الصعيد التشريعي، يعزز الأردن منظومته القانونية لمواجهة الجرائم الإلكترونية من خلال قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، الذي يشدد العقوبات على عدد من الممارسات المرتبطة بالفضاء الرقمي.

ويتضمن القانون تجريم انتحال الشخصية الإلكترونية وإنشاء الحسابات الوهمية بقصد الإيذاء أو الاحتيال، والابتزاز الإلكتروني وتهديد الأفراد بنشر محتوى خاص، والدخول غير المشروع إلى الأنظمة والحسابات الإلكترونية، ونشر المحتوى الذي ينتهك الخصوصية أو يلحق الضرر بالآخرين، إضافة إلى أي استخدام للوسائل الرقمية بهدف الاستغلال أو التهديد أو الإضرار بالغير.

كما يستند الإطار القانوني الناظم لحماية الأطفال إلى قانون العقوبات الأردني وقانون الأحداث، فضلاً عن التزامات المملكة الدولية بموجب اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال، بما في ذلك الاستغلال الجنسي عبر الوسائط الرقمية.

 

الرسائل الخفية وتأثيرها النفسي

ولا تقتصر المخاطر الرقمية على محاولات الاستدراج المباشر، إذ تحذر المدربة المختصة في الصدمات العاطفية نسرين حواتمة من تأثير ما يعرف بالرسائل الخفية، وهي المضامين والإشارات غير المباشرة التي تصل إلى العقل غير الواعي، وتؤثر تدريجيا في الأفكار والمعتقدات والسلوكيات دون إدراك واضح من المتلقي.

وتوضح أن خطورة هذه الرسائل تكمن في أنها تستهدف الجانب العاطفي للإنسان، حيث يكون العقل النقدي أقل حضورا، ما يجعل الصور والأفكار المتكررة أكثر قدرة على ترسيخ القناعات وتشكيل الصورة الذاتية والثقة بالنفس، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين لا تزال شخصياتهم في طور التكوين، مضيفة أن المحتوى الرقمي لا يقتصر تأثيره على الأطفال فقط، بل يمتد إلى البالغين أيضا، إلا أن صغار السن يبقون الفئة الأكثر هشاشة أمام التأثيرات النفسية والفكرية للمحتوى الذي يتعرضون له بشكل يومي عبر الشاشات.

 

 

تنمية التفكير النقدي لدى الأطفال وتعليمهم التوقف والتفكير قبل التفاعل مع أي محتوى يثير المشاعر أو الخوف أو الفضول، هو ما تدعو إلى تعزيزه الحواتمة، مؤكدة أهمية سؤال الأبناء عن طبيعة ما يشاهدونه والتحدث معهم حول الرسائل التي يتلقونها عبر المنصات الرقمية.

كما توصي بالحد من استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم بمدة لا تقل عن نصف ساعة إلى ساعة، وإبعاد الشاشات عن غرف النوم، لأن فترات الاسترخاء تسبق النوم تعد من أكثر الأوقات التي يكون فيها العقل قابلية لاستقبال المعلومات وترسيخها.

مختصون يرون أن القوانين وحدها لا تكفي لمواجهة هذه التحديات، إذ تبقى الأسرة العنصر الأكثر تأثيرا في حماية الأطفال، من خلال بناء الثقة والحوار المستمر ومتابعة النشاط الرقمي للأبناء بطريقة متوازنة تجمع بين التوجيه والاحترام، بما يضمن حماية الأطفال من الاستدراج الإلكتروني والتأثيرات النفسية والفكرية للمحتوى الرقمي المتزايد.