100 سؤال نيابي يعيد ملف العمل اللائق إلى الواجهة ويكشف فجوة التشريع والتطبيق
عاد ملف العمل اللائق إلى واجهة النقاش العام تحت قبة البرلمان، بعد أن حولت النائب ديما طهبوب سؤالها الموجه إلى وزارة العمل إلى استجواب نيابي، معتبرة أن الردود الرسمية المتاحة لا تعكس بصورة كافية حجم التحديات المرتبطة بتطبيق معايير العمل اللائق في الأردن، سواء على صعيد التشغيل أو الأجور أو الحمايات الاجتماعية.
ويعرف العمل اللائق وفق منظمة العمل الدولية، بأنه العمل المنتج الذي يوفر أجرا يضمن حياة كريمة للعامل، ويكفل له الحماية الاجتماعية، ويؤمن بيئة عمل آمنة، مع احترام الحقوق الأساسية في العمل، بما في ذلك حرية التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي.
ويرتكز مفهوم العمل اللائق، وفق المعايير الدولية، على أربع قواعد أساسية، هي توفير فرص عمل منتجة ومستدامة، واحترام الحقوق الأساسية في العمل مثل الأجور العادلة والمساواة وعدم التمييز وحرية التنظيم النقابي، وشمول العاملين بأنظمة الحماية الاجتماعية كـالضمان الاجتماعي، إضافة إلى حوار اجتماعي فعّال قائم على التشاور المستمر بين الحكومة وأصحاب العمل والعمال.
وفي خطوة رقابية وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الحجم، وجهت النائب طهبوب استجوابا نيابيا لوزارة العمل تضمن 100 سؤال استجوابي، في أطول استجواب يشهده مجلس النواب منذ تأسيسه، تناول مدى التزام الحكومة بتطبيق معايير العمل اللائق في مؤسساتها وإجراءاتها.
وانقسم الاستجواب إلى ستة محاور رئيسة شملت، السياسات العامة ومعيار التشغيل، ومعيار الأجور والحد الأدنى للأجور، والحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي، وقانون العمل والتعديلات الأخيرة عليه، والنقابات والحوار الاجتماعي، إضافة إلى السلامة والصحة المهنية وإنفاذ القانون وجاء ذلك بعد يوم واحد من مناقشة السؤال النيابي المتعلق بالعمل اللائق خلال جلسة رقابية سابقة.
تشريع متقدم وتحديات تنفيذية
في المقابل، يرى مدير بيت العمال المحامي حمادة أبو نجمة، في حديثه لـ"عمان نت"، أن توفير فرص العمل يعد أحد الأعمدة الأساسية للعمل اللائق، إلا أن هذا الملف في الأردن يتسم بتعقيد وتشابك، إذ لا يقتصر على عنوان واحد، بل يمتد إلى واقع سوق العمل ككل، من حيث فرص التشغيل، والحقوق العمالية، والحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي.
ويشير أبو نجمة إلى أن هذه الملفات تتضمن جوانب إيجابية وأخرى سلبية، إضافة إلى فجوات قائمة لا يمكن إنكارها، فعلى صعيد التشغيل، يشير إلى أن عدد المتعطلين عن العمل في الأردن يتجاوز 400 ألف شخص، يقدرون بما بين 420 إلى 430 ألفا، وتشكل فئة الشباب النسبة الأكبر منهم.
ويؤكد أن معايير العمل الدولية لا تلزم الدولة بتوفير وظيفة مباشرة لكل فرد، لكنها تحملها مسؤولية تحفيز الاقتصاد بما يسهم في توليد فرص عمل، وهو التزام نصّ عليه الدستور الأردني.
ولا تتوقف الإشكالية، وفق أبو نجمة، عند محدودية فرص العمل، بل تمتد إلى نوعية هذه الفرص، مشددا على ضرورة أن تكون الوظائف المتاحة لائقة من حيث الأجور وشروط العمل، مشيرا إلى أن الحد الأدنى للأجور المعمول به حاليا لا يواكب كلفة المعيشة ويقع دون خط الفقر، معتبرا أن قرار اللجنة الثلاثية بعدم مراجعته حتى نهاية عام 2027 يتعارض مع معايير العمل الدولية.
ويرى أبو نجمة أن النقاش حول العمل اللائق يجب أن يكون مستمرا، مؤكدا أن أي دولة لا تستطيع معالجة جميع الفجوات دفعة واحدة، وأن التساؤل حول ما تحقق وما لم يتحقق يعد أمرا طبيعيا ومطلوبا.
وفي الوقت ذاته، يشدد على عدم تجاهل الجهود القائمة، معتبرا أن قانون العمل الأردني متقدم في جوانب عديدة، رغم وجود ثغرات تطبيقية، مؤكدا أن الاعتراف بالخلل لا يعني التقليل من الإنجازات الحكومية أو دور أطراف الإنتاج، بل يفتح الباب لمعالجة القصور.
التزامات دولية وجهود حكومية
وعلى صعيد الالتزامات الدولية، يوضح أبو نجمة أن الأردن صادق على 26 اتفاقية دولية، من بينها الاتفاقيات الأساسية المتعلقة بمنع التمييز في العمل، وحرية التنظيم النقابي، والحد من العمل الجبري وعمالة الأطفال، ورغم الاستجابة لعدد من متطلبات هذه الاتفاقيات، يرى أن هناك خطوات إضافية لازمة لتعزيز الامتثال الكامل لها.
يشار إلى أن الأردن يشارك في برامج منظمة العمل الدولية الداعمة للعمل اللائق، وينفذ مبادرات تهدف إلى تعزيز السلامة والصحة المهنية، والانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى المنظم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، عبر ورش وطنية تشارك فيها جهات حكومية ومنظمات مجتمع مدني.
كما أطلقت وزارة العمل، بالتعاون مع شركائها، حملات توعوية لتعزيز مفهوم العمل اللائق والمساواة في الأجور، مع تركيز خاص على دعم المرأة العاملة، وتهيئة بيئات عمل صديقة لها.
وضمن البرنامج الوطني للتشغيل، تؤكد الوزارة أنها تعمل على دعم فرص العمل المستدامة، بمشاركة أطراف الإنتاج الثلاثة، وتشير بيانات رسمية إلى أن بعض المبادرات وفرت ملايين أيام العمل بأجور لا تقل عن الحد الأدنى، مع مشاركة ملحوظة للنساء في بعض المشاريع.

تحديات مستمرة
رغم هذه الجهود، لا يزال الأردن يواجه تحديات في التطبيق العملي لبعض الاتفاقيات الأساسية، لا سيما اتفاقية حرية التنظيم النقابي والتفاوض الجماعي، حيث تشير تقارير لمراقبين مستقلين إلى فجوات قائمة في هذا الجانب.
وفي مناسبات رسمية، شدد وزير العمل على أن السلامة والصحة المهنية تشكل ركيزة أساسية للعمل اللائق، مؤكدا استمرار دور مديريات التفتيش في متابعة التزام المنشآت بتشريعات السلامة.
وفي سياق تعزيز فرص التشغيل، نظمت الوزارة اليوم الوطني للتشغيل 2025 في العاصمة والمحافظات، مؤكدة أنه يهدف إلى ربط الباحثين عن العمل مباشرة مع الشركات، وتوفير فرص تشغيل حقيقية، لا سيما للشباب والنساء.
ويقول الناطق الإعلامي باسم الوزارة محمد الزيود، في تصريحات سابقة لـ "عمان نت"، إن الوزارة تعتمد نهج المتابعة والتقييم لضمان استمرارية التشغيل، وتشترط على الشركات الالتزام بتشريعات العمل وتوفير بيئات آمنة، مع استمرار الدور الرقابي لمديريات التفتيش.
إستمع الآن
في المقابل، ترى النقابات العمالية بشرى السلمان في حديثها لـ "عمان نت" أن نجاح الأيام الوظيفية لا يقاس بعدد الفرص المعلنة فقط، بل بجودة الوظائف واستدامتها.
وتقول عضو المكتب التنفيذي لاتحاد نقابات عمال الأردن بشرى السلمان إن الاتحاد يثمن جهود الوزارة، لكنه يشدد على أن العقود قصيرة الأجل لا تعالج البطالة جذريا ولا تحقق شروط العمل اللائق من حيث الاستقرار والأمن الوظيفي.
هذا وتؤكد وزارة العمل أن برامجها لا تقتصر على الأيام الوظيفية، بل تشمل برامج تشغيل مستدامة، مشيرة إلى أن نحو 75% من مستفيدي البرنامج الوطني للتشغيل استمروا في العمل بعد انتهاء دعم الأجور، إضافة إلى خروج أكثر من ألف أسرة من دائرة المعونة الوطنية.












































