مراجعة فيلم "فلسطين 36": حينما تُعيد السينما ترميم الذاكرة وقراءة جذور النكبة

الرابط المختصر

في عملها السينمائي الأكثر طموحاً "فلسطين 36"، تذهب المخرجة آن ماري جاسر إلى ما وراء تاريخ 1948، لتبحث عن لحظة التكوين الأولى للصراع. الفيلم ليس مجرد "دراما تاريخية"، بل هو استعادة بصرية لثورة 1936 الكبرى ضد الانتداب البريطاني، تلك الحقبة التي يرى الكثير من المؤرخين أنها شهدت ضياع فلسطين الفعلي قبل إعلان قيام دولة الاحتلال بسنوات.

تنتقل آن ماري جاسر في هذا الفيلم إلى ما وراء سردية عام 1948، لتبحث عن لحظة التكوين الأولى للصراع في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث لا تقدم مجرد "دراما تاريخية" تقليدية، بل استعادة بصرية لثورة 1936 الكبرى ضد الانتداب البريطاني، وهي الحقبة التي شهدت أطول إضراب عام في التاريخ المعاصر، فالمخرجة تعتمد تقنية بصرية مدهشة تقوم على تلوين لقطات أرشيفية نادرة ودمجها بسلاسة مع المشاهد التمثيلية، مما يخلق حالة من "الواقعية الحية" التي تجعل المشاهد يعيش تفاصيل القدس ويافا والقرى الفلسطينية في تلك الفترة المفصلية.

على الصعيد السردي، يبرز الفيلم تنوع الشخصيات التي تمثل نسيج المجتمع الفلسطيني آنذاك، من خلال شخصية "يوسف" الشاب القروي الذي يمثل جيل الشباب المندفع نحو المقاومة كخيار وجودي نتيجة عنف الاستعمار وسلب الأراضي، وشخصية "خلود" الصحفية التي تعكس دور المثقف والطبقة الوسطى في صياغة الخطاب الوطني، وفي المقابل، ينجح الفيلم في تعرية التناقض داخل إدارة الانتداب البريطاني، مصوراً القسوة العسكرية المفرطة التي مهدت الطريق لاحقاً للميليشيات الصهيونية، وموضحاً كيف وضعت بريطانيا الأسس الإدارية والعسكرية للمشروع الصهيوني من خلال لجان التقسيم والترحيل القسري.

وفي سياق الأداء التمثيلي، قدم الفنان كامل الباشا دوراً استثنائياً يجسد حكمة الجيل القديم الذي عاصر نهايات الدولة العثمانية وبدايات الانتداب، ليخلق توازناً مع اندفاع الشخصيات الشابة، مما منح الفيلم بعداً "جينالوجياً" يوضح انتقال شعلة المقاومة من جيل إلى جيل. هذا التناغم بين الأجيال داخل الفيلم يفكك الدعاية التي حاولت تصوير الثورة كحالات تمرد عشوائية، ويظهرها كحركة منظمة تمتلك قيادات محلية ولجاناً قومية قادرة على إدارة شؤون الناس في أحلك ظروف الحصار العسكري والسياسي.

أما الموسيقى التصويرية، فقد لعبت دوراً محورياً في ربط المشاعر الإنسانية بالحدث التاريخي، حيث ابتعدت عن "الندبيات" التقليدية واعتمدت توزيعاً موسيقياً يمزج بين الآلات الشرقية الأصيلة والإيقاعات السيمفونية التي تعكس صخب الثورة وعنفوانها. هذا الخيار الموسيقي عزز من حالة "الملحمة" التي أرادت المخرجة إيصالها، محولةً الصمت في كثير من المشاهد المؤثرة إلى لغة تواصل بليغة تفهمها الشعوب بمختلف لغاتها، مما يفسر حفاوة الاستقبال التي وجدها الفيلم في المهرجانات العالمية، وقدرته على اختراق السردية الغربية التقليدية حول بدايات الصراع.

تكمن القيمة السياسية لفيلم "فلسطين 36" في كونه يرفض حصر القضية الفلسطينية في لحظة الانكسار عام 1948، بل يؤكد أنها بدأت بمقاومة شعبية شاملة وعصيان مدني أرهق الإمبراطورية البريطانية لثلاث سنوات متواصلة، فالفيلم هو فعل مقاومة فني بامتياز يرفض "تغييب" الذاكرة ويؤكد أن الحاضر ليس إلا صدى لتلك السنوات، مما جعل ترشيح الفيلم لتمثيل فلسطين في المحافل الدولية بمثابة اعتراف فني بقدرة السينما على أن تكون حارساً للحقوق التاريخية في وجه محاولات المحو والنسيان.

ختاماً، يترك الفيلم مشاهديه أمام تساؤل أخلاقي وقانوني حول مسؤولية القوى الدولية في تشكيل واقعنا المعاصر، فالنهاية المفتوحة للفيلم لا تشير إلى انتهاء الثورة بقدر ما تشير إلى استمراريتها في أشكال أخرى. إن "فلسطين 36" ليس مجرد فيلم يُشاهد وينتهي أثره، بل هو دعوة مفتوحة للمؤرخين والسينمائيين للنبش في الأرشيفات المنسية، والتأكيد على أن السينما هي المختبر الحقيقي لإعادة بناء الحقائق وتصحيح المسارات التاريخية التي تم العبث بها لعقود طويلة.