ما الذي يريده الأردنيون؟
دون مقدمات، لو سألتَ أي أردني ما الذي يريده أكثر من أي شيء فالجواب لن يتأخر: عمل، ومعيشة كريمة، وراتب يكفي الشهر.
خلال جولاتنا في راديو البلد في المحافظات من خلال "برنامج ميداني" أكثر ما يشغل بال الأردنيين تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، مع التركيز على زيادة الرواتب وتوفير فرص عمل جديدة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
يعاني الأردنيون من تدني مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، مما يزيد من الأعباء على الأسر. والمفارقة المؤلمة أن معدل التضخم الرسمي تراجع إلى 1.1% خلال أول شهرين من 2026، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الفعلي، إذ ترتفع أسعار السلع الغذائية في بعض المواسم بنسب تتراوح بين 10% و20%، ما يزيد الضغط على الأسر.
إلا أن المعضلة الأكبر هي البطالة بين صفوف الشباب، فثمة جيل كامل من الأردنيين يحمل شهادات جامعية ويجلس في البيت.
الشاب الذي أمضى أربع سنوات في الجامعة يكتشف أن سوق العمل مغلق أو مشبع مما يدفع بعض الشباب -بشكل غير مألوف- للهجرة غير الشرعية أو القتال إلى جانب الروس في حرب أوكرانيا كما كشف تقارير صحفية.
تشمل تطلعات الأردنيين الشخصية تحقيق طموحاتهم في الدراسة والعمل، مثل العثور على وظائف مناسبة والتقدم الأكاديمي، بالإضافة إلى بناء أو شراء منازل خاصة وتحقيق الاستقرار الأسري والصحي، فكثير من الشباب تخطى سن الأربعين دون تأسيس أسرة.
يعرف الأردنيون رؤية التحديث الاقتصادي ويعرفون المشاريع الكبرى المعلنة. لكنهم باتوا يسألون سؤالاً واحداً ومحدداً: متى نلمس هذه الخطط بالحياة اليومية؟
يقع على عاتق الدولة اختبار استعادة الثقة، والمواءمة بين السياسة والمعيشة، وبين الداخل والخارج. الساعة: الأردن يمضي في تنفيذ مرحلة جديدة من رؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029، مستنداً إلى مؤشرات مالية إيجابية تعكس متانة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التحديات. غير أن الحكومة أنجزت حتى نهاية الربع الأول من 2026 نحو 8 مشاريع فقط من أصل 393 مشروعاً في برنامجها التنفيذي، بنسبة لا تتجاوز 2%.
هذه الفجوة بين الوعود والإنجاز هي ما ينظر إليه المواطن بعين ناقدة، وأحياناً بعين متشككة. الأولوية هنا ليست المزيد من الخطط، بل الأمانة في التنفيذ والشفافية في الحساب.
في نفس الوقت لا يمكن لأي أردني أن يفصل أولوياته عن المشهد الإقليمي. فالجغرافيا لم تمنحه هذا الترف. الأردن ليس دولة تنظر إلى المنطقة من نافذة، بل دولة تعيش وفي وسط محيط مضطرب، يتأثر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بما يجري من أحداث.
الحرب الإقليمية تلقي بظلالها على الأسواق وسلوك المستهلكين، إذ أدت إلى تراجع حاد في نسب الإشغال السياحي وارتفعت كلف الشحن البحري بسبب تداعيات التوترات.
والمفاجأة أن الأردني، بكل هذه الأعباء، لا يزال يتطلع إلى الأمام. اذ بينت دراسة أجرتها إبسوس أظهرت أن 77% من الأردنيين يعتقدون أن 2026 سيكون أفضل لهم مقارنة بعام 2025، فيما يتوقع 60% تحسناً في أداء الاقتصاد الأردني.
الأردن لم يُبنَ في الرخاء، بل في مواجهته، وشعبه لم يتعلم الصبر من الكتب، بل من الحياة نفسها، اليوم يقف الأردني على أرض لم تُعطَ لها الفرصة الكافية كي تُثمر أرض مُثقلة بالديون لكنها لا تزال أرضاً تُنبت العقول والقوى البشرية.
لا يطلب الأردنيون أكثر من ترجمة حقيقية للخطط إلى واقع ملموس ينعكس على حياتهم اليومية، بحيث تتحول الوعود الاقتصادية إلى فرص عمل ودخل كريم، ويصبح الاستقرار المعيشي نتيجة طبيعية لمسار تنموي واضح وشفاف، عندها فقط يمكن القول إن الفجوة بين الطموح والواقع بدأت تضيق فعلياً.













































