ظروف لا إنسانية على جسر الملك حسين
أثار الازدحام والتأخير على جسر الملك حسين خلال أشهر الصيف المزدحمة غضب المسافرين الفلسطينيين وعائلاتهم مجدّداً. ويفيد كثيرون بأنّهم عالقون منذ أيّام أو أسابيع، ما يعود في الغالب إلى ساعات العمل المُقلَّصة التي تفرضها إسرائيل من جانب واحد.
تشمل المشكلات قرار الاحتلال فتح الجسر ساعات محدودة، وتُغلَق الحدود البرية أيّام السبت وساعات منتصف النهار في أيّام الجمعة. فبدل أن يُترك الجسر مفتوحاً على مدار الساعة، كما معابر عالمية كثيرة، تعاقب إسرائيل، من دون أي مبالاة، الفلسطينيين جماعياً وتهينهم وهي تدير عملية الانتقال القانوني بين ضفّتي نهر الأردن. وتؤدّي ساعات العبور المحدّدة إلى الاكتظاظ وطول فترات الانتظار، ما يضع قيوداً على الطاقة الاستيعابية للجسر والحافلات، إذ يُحدَّد عدد المسافرين الذين سيُسمح له بالسفر بناء على ما يجري في الجانب الذي تسيطر عليه إسرائيل، فقد يكون جسر الملك حسين المعبر الوحيد في العالم الذي تديره جهات مختلفة عن هُويّة المسافرين.
وضعت السلطات الأردنية، بالتعاون مع شركة حافلات خاصّة، لها امتياز احتكار نقل الركّاب، تطبيقاً إلكترونياً من خلاله يحجز المسافر ويدفع بدل تذكرة السفر، ولكن الحجوزات ممتلئة لأسابيع مقبلة لكثرة الراغبين في السفر إلى فلسطين. فيما يعاني القادمون إلى الأردن، بحسب أقوالهم، معاملة غير مريحة. كما ظهرت شكاوى تدّعي تصرفات مهينة، ووضع غير منظَّم، وتدخّل أصحاب الخاوات والمطالبة بمبالغ باهظة لتسريع عملية النقل أو الحصول على الأمتعة.
ورغم وجود تعاون إداري/ أمني إسرائيلي - أردني منتظم، فإنّ غياب التواصل السياسي رفيع المستوى وغياب التدخّل الأميركي واضحان للغاية. في مارس/ آذار 2023، ضغط السفير الأميركي السابق من أجل تشغيل الجسر على مدار الساعة، ولكن هذا الاختراق أُلغي بعد أحداث "7 أكتوبر" (2023). وبينما ادّعت إسرائيل أنّ التخفيض كان بسبب غياب الموظّفين الإداريين والأمنيين نتيجة استدعاء قوّات الاحتياط، لكن الوضع لم يعد إلى ساعات العمل السابقة رغم عودة جنود الاحتياط، وتطبيق وقف إطلاق النار الهشّ في غزّة.
نشر، أخيراً، المتحدّث باسم سلطة المطارات الإسرائيلية مواعيد عمل المعابر الحدودية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وتعكس هذه المواعيد سياسة إسرائيل التمييزية في ساعات العمل على الحدود. فبعض المعابر مفتوحة فترات طويلة لخدمة عدد محدود من المسافرين الإسرائيليين المتّجهين إلى وجهات مثل شبه جزيرة سيناء المصرية أو البترا الأردنية. أمّا المعابر التي يستخدمها بكثرة المواطنون العرب في إسرائيل والفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية (بما فيها القدس) فتعمل ساعات أقصر.
تفتح المطارات والمعابر البرّية الإسرائيلية التي يستخدمها اليهود الإسرائيليون بشكل رئيس، أبوابها على مدار الساعة، فبالإضافة إلى مطار اللد (بن غوريون)، يعمل معبر بيغن مع مصر ومعبر طابا على مدار الساعة، وكذلك معبر وادي عربة مع الأردن يعمل يومياً حتّى الثامنة مساءً، بينما يُغلق معبر نهر الأردن الشمالي أيّام السبت ويفتح أيّام الجمعة فقط حتّى الرابعة مساءً. مع ذلك، يُعدّ جسر الملك حسين الأسوأ من حيث ساعات العمل بين المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، على الرغم من أنّه الأكثر ازدحاماً على مدار العام، وخصوصاً في الصيف وخلال العطلات. فهو مغلق أيّام السبت، وساعات عمله الأسبوعية أقصر من جميع المعابر الأخرى.
بينما تركّز العديد من ردّات الفعل، وبحقّ، على إسرائيل، إلّا أنّ المشكلة لا تقتصر عليها وحدها. ففي الجانب الأردني ثمّة حاجة ماسّة إلى تحسينات. وبعد زيارته للجسر يوم 21 يونيو/ حزيران الجاري، وصف وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، الوضع بعبارات قاسية، فقال إنّه "زبالة".
أعربت الجهات المعنية عن قلقها إزاء التمييز في المعاملة مقارنة بإجراءات المطارات، بما في ذلك المطالبة بإكراميات باهظة (وُصفت بأنّها أشبه بالابتزاز)، ومنح الأولوية لمن يدفع، والسلوكيات المهينة المرتبطة بتنظيم الطوابير، واتخاذ القرارات غير الرسمية. حتّى التجاوزات البسيطة قد تتفاقم إلى انعدام ثقة واسع النطاق عندما يُجبر نقص الخدمات الناس على العيش في حالة من عدم اليقين فترات طويلة. عندما يتولّى ممرّ واحد ومجموعة محدودة من الجهات المرخّصة إدارة أعداد كبيرة من المسافرين، قد يُشجع النقص على احتكار الخدمات، وتحقيق أرباح غير رسمية، محوّلاً المعاناة إلى "فرصة" تقوّض شرعية المؤسّسة.
في الماضي القريب، كان الجهاز السياسي يتدخّل حين تكون هناك مشكلة عالقة لا يستطيع الجهاز الفنّي حلّها، مثل تمديد ساعات فتح الجسر، إلّا أنّ العلاقة الأردنية الإسرائيلية في أسوأ حالاتها، ولو طلب الأردن أي تغيير فإنّ الطرف الإسرائيلي قد يتجاهله، أو قد يحاول ابتزاز الجانب الأردني سياسياً لتقديم تنازلات معيّنة، وتخفيف لهجة الاعتراض على الوضع في الأراضي المحتلّة، في ظلّ اقتحامات المتطرّفين للأقصى، واستمرار الحصار الخانق، والخرق اليومي لوقف إطلاق النار في غزّة.
وفي ما يخصّ الجانب الأميركي، الذي قد يكون الوحيد القادر على إجبار إسرائيل على التعامل الإنساني مع المسافر الفلسطيني، فجاء ردّ المسؤولين في السفارة الأميركية في عمّان صراحة بأنّ الأمر ليس من أولويات الولايات المتحدة. إذن، ما الوسيلة الناجعة التي يمكن أن تحلّ الأزمة الإنسانية في جسر الملك حسين التي تسبّب يومياً متاعب إنسانية غير مقبولة؟













































