طاهر وعدنان وصابون "النعامة "النابلسي

الرابط المختصر

هذه حكاية مقتضبة عن سيرة متشابكة تماما، ومتداخلة كما تتداخل خيطان الصوف في جرزة حيكت باليدين، فعلى مدى عقود تسعة طويلة كان عدنان أبو عوده يتشابك ويشتبك، يقدم أحيانا وينسحب أحايين أخرى، يقرب من السلطة حتى يكاد يكون أحد الفاعلين المؤثرين، ويبتعد حتى يكاد يكون محايدا تماما، يسعى للفعل لكنه لا ينجو من الإنفعال.
هنا لا أريد الذهاب في استكشاف السيرة الشخصية للرجل، ولا أريد محاورة ما فات إلا بالقدر الذي تبيحه لي الفكرة هنا والتي تتلخص بثيمة واحدة لم ولن تبتعد عن عقل الملك الراحل الملك الحسين، ولا تبتعد عن عقل الدولة الصاحي والواعي، ولا تجافي المسطرة المستقيمة لمرحلة الحكم الحسيني للملك الراحل.
حين ولد الرجل حمل اسم " فيروز" ظل هذا الإسم عالقا بالرجل، لأن أمه أسمته بهذا الإسم خوف الحسد، وربما جلبا للبركة، ولربما تيمنا بإنجاب أبناء ذكور غيره إلى جانب البنات الأخوات، لكنه ظل قدر"فيروز" أن يعيش كامل حياته بالطول والعرض بدون أخ شقيق من أمه وابيه.
والأب لا يظهر كثيرا في التفاصيل هنا، فقد كان يعمل في "مصبنة آل المصري" وتحديدا في مصبنة جد رفيقه وصنوه النابلسي" طاهر المصري"، ولم تكن ماركة"صابون النعامة " لتصل للناس دون ان تمر من تحت يدي والد عدنان ابو عوده الذي كان مسؤولا منفردا عن تقطيع صابون آل المصري" ماركة النعامة ".
هنا تتبدى المعادلات وكأنها أقدار تسوقها تقلبات الأيام ورياح التغيير، فعدنان ابن العامل الفقير شبه المعدم في مصبنة آل المصري، يتقدم بقدراته الذاتية المحضة، وبدون وسائط قفز، وبدون مظلات استعراضية ليصبح وزيرا"1970 "، فيما يتقدم حفيد المصري" طاهر المصري" بعده بثلاث سنوات "1973 " ليصبح هو الآخر وزيرا في حكومة زيد الرفاعي الأولى.
ترافق الوزير الثري وابن الثري طاهر المصري، مع القر وابن الفقير عدنان أبو عوده منذ سنة 1973 وحتى وفاة الأخير قبيل أيام، تشاركا في حكومات عديدة، وافترقا في حكومات أخرى، إلا ان ابو عودة ظل القاسم المشترك في كل تشكيل حكومي أو تعديل في موازين السياسة الأردنية، من الوزارة الى الديوان الملكي الى الإستشارية.
في كل ما فات ظل المصري وابو عودة علامة فارقة في القاموس السياسي الأردني وتحديدا في قاموس سياسة الحكم، وعقلية القصر التي لم تفرق بين الإثنين على قاعدة الجاه والمال، بل بنت علاقتها معهما على قواعد أخرى أكثر عقلانية، وأكثر أثرا.
ولم ينظر المصري إلى رفيقه ابو عوده من منظار الماضي البعيد، ولم ينظر ابو عوده الى المصري من منظار ماضي والده الذي كان عاملا في مصبنة جد المصري، تجاوز السياسيان تماما تلك العلاقة التي حكمت جد المصري بوالد ابو عودة.
كان الملك حسين يعرف تماما قدرات رجاله، ويعرف أين يضع كل منهم في مكانه، وكان يعرف أكثر طبيعة العلاقة التي تربط الإثنين ببعضهما البعض، لم يكونا صديقين في نابلس، فعدنان كان أكبر سنا من طاهر، وكان ابو عوده الأسبق في الاقتراب من الملك حسين، وقبل ان يلحق المصري به بعد ذلك بنحو ثلاث سنوات.
اختلف الإثنان داخل السلطة كثيرا، وتقاربا كثيرا، انتقدا بعضهما البعض باحترام كامل، وفي حضرة الملك حسين ورجاله كان الإثنان يتفقان ويختلفان على مصلحة الدولة، يعاندان الملك أحيانا، ويعاندان بعضهما أحايين أخرى، إلا أنهما ظلا وفيان تماما للأردن وللملك ولفلسطينيتيهما.
ومن أعاجيب السياسة في التاريخ الأردني أن من صاغ كتاب التكليف السامي لتكليف طاهر المصري بتشكيل حكومته كان عدنان أبو عوده، هنا ثمة مفارقة، فابن العامل البسيط يتولى صياغة خطة عمل حكومة سيشكلها حفيد ابن صاحب العمل، وابن صاحب العمل هو نفسه الذي سيكون أحد عرابي حكومة المصري..
رحم الله عدنان ابو عوده، وأطال الله في عمر طاهر المصري فكلاهما قدما نموذجا للوطنية الأردنية في كامل سياقاتها وتجلياتها، والأهم أنهما خرجا كلاهما من السلطة وافترقا عنها بأيادي بيضاء لم تتدنس بالمال العام.. "وتلك الأمثال نضربها للناس "

أضف تعليقك