لو كنت مسؤولًا أردنيًا!

لو كنت اليوم في موقع المسؤولية في الأردن، لما كان بإمكاني النظر إلى أي ملف بمعزل عن الآخر. 

فالدولة تجد نفسها وسط منطقة تموج بالأزمات، فيما تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في وقت واحد، ما يجعل التحدي الحقيقي ليس إدارة أزمة منفردة، بل الحفاظ على التوازن العام للدولة.

أول ما سأفكر فيه هو الاستقرار، ليس بمعناه الأمني الضيق فقط، بل بمعناه الشامل. فالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أصبح جزءًا لا ينفصل عن الأمن الوطني. 

المواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار، وضغط المعيشة، وتراجع الفرص، يتحول تلقائيًا إلى مؤشر يجب التوقف عنده بجدية، كون قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها الأمنية، أيضًا بقدرتها على حماية الطبقة الوسطى والحفاظ على شعور الناس بالأمان الاقتصادي.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن الأردن يقف في قلب منطقة متوترة. أي تصعيد إقليمي، سواء في غزة أو سوريا أو البحر الأحمر أو في العلاقة بين إيران وإسرائيل، ينعكس فورًا على المملكة. 

هنا يصبح التفكير اليومي لأي مسؤول مرتبطًا بأسئلة صعبة: كيف نحمي الحدود؟ كيف نمنع انتقال الفوضى؟ كيف نحافظ على الاقتصاد والسياحة والطاقة إذا اتسعت دائرة الصراع؟

الحدود الشمالية تحديدًا تبقى مصدر قلق دائم، ليس فقط بسبب الوضع السوري المعقد، بل أيضًا بسبب شبكات التهريب والسلاح والمخدرات، وهي تحديات تستنزف الأمن وتفرض حالة استنفار مستمرة رغم الكفاءة الأردنية والضربات الاستباقية في التصدي للمهربين.

وفي المقابل، يبقى ملف القضية الفلسطينية حاضرًا في صميم التفكير الأردني، لأن أي تغير جذري في الضفة الغربية أو أي حديث عن التهجير أو إعادة تشكيل الواقع السياسي هناك، يُنظر إليه في الأردن باعتباره قضية تمس الأمن الوطني مباشرة.

ولو كنت مسؤولًا أردنيًا، فسأعتبر أن ملف المياه لا يقل خطورة عن أي تهديد سياسي أو أمني. الأردن يعيش أصلًا تحت ضغط مائي غير مسبوق، ومع التغير المناخي والنمو السكاني تصبح المسألة أقرب إلى تحدٍ وجودي طويل الأمد، لذا المضي في النقل الوطني ضرورة أمن وطني ملحة.

الأمر ذاته ينطبق على الطاقة، فالدولة مطالبة بتأمين احتياجاتها دون أن تبقى رهينة التقلبات الإقليمية أو ارتفاع الكلف العالمية، وهنا يبرز التوسع في ملف الطاقة البديلة.

أما داخليًا، فهناك تحدٍ مختلف لا يقل حساسية، يتعلق بثقة الناس. العالم تغير، والإعلام التقليدي لم يعد وحده من يشكل الرأي العام. الشائعات تنتشر خلال دقائق، والغضب الرقمي يتحول أحيانًا إلى ضغط سياسي واجتماعي حقيقي. لذلك فإن أي مسؤول يفكر اليوم بعقل الدولة، عليه أن يدرك أن بناء الثقة والتواصل مع الشباب ومواجهة المعلومات المضللة أصبحت جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار.

في النهاية، لو كنت مسؤولًا أردنيًا، فسأدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وجود أزمة، بل تزامن الأزمات كلها معًا. 

لذلك سيكون الهدف الأول هو حماية تماسك الدولة، والحفاظ على الاستقرار، وخلق توازن دقيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات الاقتصاد وحاجات الناس، في منطقة لا تمنح أحدًا رفاهية التوقعات المريحة.