سياسة التمييز الإسرائيلية في القدس وصمود فلسطيني
تستمرّ دولة الاحتلال الإسرائيلي في سياستها العنصرية في القدس. محاولاتٌ يائسة لتهويد البشر والحجر من دون أي رادع سوى الصدور العارية للشعب الفلسطيني المَقدسي الصامد في أرضه، فقد تجاوزت السياسة الإسرائيلية التمييزين، الإداري والقانوني، وأصبحت بلا خجل؛ إذ تقمع وتعاقب كلَّ من يرفع صوته دفاعاً عن أبسط الحقوق، وتضامناً مع الإخوة في باقي الأراضي المحتلة، وخاصّة غزّة التي لا تزال تتعرّض لسياسة الإبادة والتطهير العرقي، وآخرها التوجّه الإسرائيلي الشرير إلى ضمان أن تكون نسبة خروج الغزّيين عند فتح معبر رفح أعلى من نسبة العائدين.
في العام الماضي (2025)، استمرّت إسرائيل في سياسة الإبعاد القسري لشخصيات مَقدسية عن المسجد الأقصى، منها مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، الذي اعتقل من داخل المسجد فور انتهاء صلاة الجمعة، في مشهد لن ينساه المصلّون ولا المَقدسيون. وقد اعتبرت الشرطة أن الشيخ محمد حسين خطراً على الجمهور في المسجد الأقصى. كما اعتقلت الشيخ محمد سليم عند أحد أبواب المسجد، بعد خطبة الجمعة بسبب دعائه لأهل غزّة، وأصدرت في حقّه أمر إبعاد مدّة ستة أشهر.
ولا تزال إسرائيل، التي تدّعي ضمان حرية العبادة، تُبعد ثلاثة من أعضاء مجلس الأوقاف المعيَّن من الأردن، صاحبة الوصاية الهاشمية على الأماكن الإسلامية والمسيحية المُقدَّسة في القدس: الشيخ محمد حسين، والشيخ محمد سرندح، والقاضي في المحكمة الشرعية الشيخ عكرمة صبري، بالإضافة إلى موظّفين في "الأوقاف"، أُبعدوا بالعشرات لأنهم فقط التقطوا صوراً للمقتحمين اليهود أو اعترضوا على بعض الأعمال التي تمسّ بحرمة المكان المُقدَّس. وهذه الإبعادات بالجملة تزداد عادة قبل شهر رمضان المبارك، إذ صدرت أوامر إبعاد بحقّ أكثر من 60 مقدسياً طوال شهر رمضان الماضي، في خطوة قالت مصادر في الشرطة إنها احترازية.
كما غُرّم الشيخ يوسف أبو سنينة، خطيب الأقصى وإمامه، بمبلغ خمسة آلاف شيكل (نحو 1520 دولاراً) بسبب مضامين تتعلّق بغزّة ذكرها في خطبة الجمعة. ولم تقتصر الإبعادات على المسلمين الفلسطينيين، فقد زادت إسرائيل من منعها المتعمّد العديد من الضيوف المسلمين إلى القدس، وخصوصاً الضيوف الأتراك. وفي حادثة موثّقة، قال أحد الجنود الإسرائيليين لزائرة من تركيا جاءت لتلبية طلب والدها بالصلاة في المسجد الأقصى: "روحي صلّي عند رئيسكم أردوغان".
إضافة إلى ذلك، خرقت إسرائيل في 21 يناير/ كانون الثاني الجاري من جديد الاتفاق القائم (Status Quo) منذ القرن التاسع عشر، بالسماح رسمياً لليهود الذين يقتحمون الأقصى يومياً، بإدخال منشورات الصلاة اليهودية إلى ساحات المسجد الأقصى، على الرغم من وجود تفاهم واضح أكّده لقاء إسرائيلي أردني أميركي عام 2014، بأن الأقصى حكر لصلاة المسلمين فقط.
كما استمرّ التمييز على أسس دينية ضد المكوّن الفلسطيني المسيحي أيضاً، فشهدت خدمة تنصيب المطران اللوثري عماد موسى حدّاد (الأحد 11 يناير) عديداً من قرارات منع الوصول إلى القدس للمشاركة في الخدمة الكنسية. أقيم حفل التنصيب بحضور العديد من قادة الكنائس الأجانب، إلا أن مدير فرقة كشّافة الرعاة، إلياس غريب، لم يُمنح تصريح سفر لأسباب أمنية غير معروفة، كما رفضت دولة الاحتلال تصاريح سفر لاثني عشر عضواً من كشّافة مدرسة طليثا كومي، وحتى المطران نفسه (من سكّان بيت لحم) منح تصريحاً محدوداً للسفر إلى القدس من دون المبيت، رغم أن مقرّ الكنيسة اللوثرية في القدس القديمة.
في الوقت نفسه، أعلنت المدارس المسيحية في القدس إضراباً، احتجاجاً على رفض السلطات الإسرائيلية منح معلّميها تصاريح سفر، فأكّد بيان صادر عن المؤسّسات التعليمية المسيحية أن 171 معلّماً وموظّفاً إدارياً لا يملكون تصاريح سفر كافية.
تستمرّ هذه الإجراءات التمييزية من دون أي تعليق (ولو شكليّاً) من المجتمع الدولي، رغم إصدار الخارجية الأردنية بيانات تنديد مستمرّة. ورغم هذه المخالفات الجسيمة كلّها، فإن أهلنا في القدس صامدون. فقد شهد المسجد الأقصى حضور آلاف يوم الجمعة الماضي، ويستعدّ الآن لاستقبال شهر رمضان المبارك. ونُصّب المطران اللوثري، رغم قرارات منع التنقّل لبعضهم، كما نجح إضراب المدارس المسيحية في كسر قرار الاحتلال، وحصل المعلّمون/ المعلّمات كافة على تصاريح للاستمرار في التعليم.
يُكشَف القناع الإسرائيلي وادعاءاته بأن دولة الاحتلال دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وحقّ العبادة، وبدأ العالم تدريجياً يتعرّف إلى هذه الحقائق، لكن يبقى صمود أهلنا في القدس هو السلاح الأقوى لردع الاحتلال وسياسته التمييزية.












































