الأردن في قلب الإقليم المشتعل: استراتيجية البقاء

بين موجات التغيير والصراعات الإقليمية المتلاحقة، يبرز الأردن كحالة استثنائية في الشرق الأوسط، فموقعه الجيوسياسي الحساس يجعله على تماس مباشر مع أزمات سوريا والعراق، النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، والتوترات الإقليمية الأوسع، لكنه تمكن من الحفاظ على استقرار نسبي يفوق الكثير من جيرانه.

في الحرب الأخيرة على إيران يعكس الموقف الأردني نهجًا دفاعيًا حازمًا يقوم على مبادئ ثابتة، في مقدمتها رفض تحويل أراضي المملكة أو مجالها الجوي إلى ساحة للحروب، بالتوازي مع التشديد على أولوية الدبلوماسية والحوار لاحتواء التصعيد.

على مدار عقود استطاعت المملكة الهاشمية أن تحافظ على كيانها كـ "رصيف هادئ" في محيط هائج. لكن هذا الهدوء، كما يراه المحللون ليس سكوناً ناتجاً عن الرخاء، بل هو حالة مستمرة من "الرقص على الحبال المشدودة"، حيث تعتمد الدولة على مزيج معقد من الدبلوماسية الوقائية، المساعدات الدولية، ومرونة اجتماعية داخلية تخضع لاختبارات قاسية بشكل يومي.

فمنذ استقلالها عام 1946، أدركت الدولة الأردنية أن حجمها الجغرافي ومواردها المحدودة يفرضان عليها سياسة خارجية براغماتية إلى أقصى الحدود. 

هذه البراغماتية تجلت بوضوح في نهج الملك عبد الله الثاني، الذي نجح في تمييز الأردن كـ "وسيط معتدل" لا يمكن تجاوزه. فالمملكة اليوم هي الدولة التي تستطيع التحدث مع واشنطن والاتحاد الأوروبي بنفس اللغة التي تتحدث بها مع خصومهم في المنطقة أحياناً، مستندة إلى إرث من عدم التدخل في شؤون الآخرين.

هذا التموضع جعل من استقرار الأردن "مصلحة دولية عليا"؛ فبالنسبة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يمثل الأردن القاعدة الأكثر استقراراً لمكافحة الإرهاب وضبط موازين القوى. ومن هنا، تتدفق المساعدات الأمريكية التي تجاوزت 1.5 مليار دولار سنوياً، ليس كمنحة فحسب، بل كاستثمار استراتيجي لضمان بقاء هذا "الحصن" صامداً، وتأمين حدوده الطويلة التي تشكل خط الدفاع الأول ضد تهريب الأسلحة والمخدرات والتنظيمات المتطرفة.

لم تكن المملكة بمنأى عن رياح "الربيع العربي" التي أطاحت بأنظمة عاتية، لكن الاستجابة الأردنية كانت لافتة في اختلافها. فبينما اختارت أنظمة أخرى المواجهة الأمنية الصفرية، تبنت عمان استراتيجية "الاحتواء المرن" بدلا عن العنف.

وعبر تشكيل لجان ملكية لتحديث المنظومة السياسية وإدخال تعديلات دستورية، استطاعت الدولة تحويل المطالب الشعبية من "الشارع" إلى "طاولات الحوار"، مما خلق صمام أمان منع الانفجار الكبير. ومع ذلك، يجادل النقاد الليبراليون بأن هذا الإصلاح لا يزال يسير بخطوات وئيدة، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التشريعات إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في تمثيله السياسي.

ولا يمكن قراءة المشهد الأردني دون التطرق إلى العبء الديموغرافي الهائل؛ فالمملكة تستضيف اليوم أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوري، يضافون إلى ملايين الفلسطينيين، مما جعل الأردن ثاني أكبر مستضيف للاجئين في العالم بالنسبة لعدد السكان. هذا الضغط وضع البنية التحتية، من مياه وتعليم وصحة، تحت ضغط غير مسبوق.

اقتصادياً، يعيش الأردن حالة من "عنق الزجاجة" الدائم؛ فالبطالة بين الشباب التي تلامس حاجز الـ 40% ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي وقود محتمل للإحباط الاجتماعي. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الطبقة الوسطى، تبرز التساؤلات حول مدى استدامة الاعتماد على المساعدات الخارجية.

 ورغم ذلك، تحاول الحكومة الابتكار في قطاعات بديلة، حيث حقق الأردن نجاحاً لافتاً في قطاع الطاقة المتجددة، لتصل مساهمتها إلى 20% من مزيج الطاقة الكلي في 2024، في محاولة جادة لتقليل فاتورة الطاقة التي تثقل كاهل الموازنة.

يظل النموذج الأردني قائماً على معادلة "التوازن القلق". إن قدرة المملكة على البقاء في قلب "الإقليم الملتهب" تعتمد على قدرتها المستمرة على إقناع العالم بضرورتها كوسيط معتدل وبالتوازي مع ذلك، إقناع الداخل بأن الإصلاح الاقتصادي والسياسي قادم لا محالة. 

إن "استراتيجية البقاء" الأردنية هي شهادة على مرونة الدولة، لكنها تظل مرونة مرتبطة بمتغيرات إقليمية ودولية لا يمكن التنبؤ بها، مما يجعل من إدارة الأزمات في عمان عملية مستمرة لا تقبل الخطأ، حيث الثمن دائماً هو الاستقرار الذي يراه الجميع "واحة" في صحراء القلق.