خبراء إعلام: السباق الرقمي يفرض معادلة صعبة بين سرعة الخبر والمهنية

ناقش مشاركون في جلسة بعنوان مستقبل صناعة الأخبار والمحتوى في ظل المنافسة الرقمية في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، التحوّلات التي يشهدها الإعلام مع توسّع المنصات الرقمية وتغيّر سلوك الجمهور، مؤكدين أهمية الحفاظ على المعايير المهنية في مواجهة سباق السرعة والتكنولوجيا.

وقالت مؤسسة شركة Wish Box Media رنا صويص إن الأدوات الإعلامية تغيّرت بشكل كبير، لكن الجمهور ما يزال يبحث عن الصحافة الإنسانية والخبر القريب إليه، مشيرةً إلى أن الهواتف الذكية أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي اليوم
وأضافت أن الجمهور بات يريد محتوىً قريبًا من حياته اليومية، وأن كثيرًا من الشباب يحصلون على معلوماتهم من وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرةً أن الإعلام التقليدي الذي لا يملك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي انتهى أمره

وأشارت صويص إلى أن تطبيق "واتساب"  يُعدّ من أكثر الوسائل استخدامًا لتبادل المعلومات والوسائط، ما يجعل عملية التحقق من المعلومات أكثر صعوبة، مؤكدةً أن المنافسة على سرعة نشر الخبر لا تعني التضحية بالمهنية

وقالت إن الناس لن يثقوا بالمؤسسة الإعلامية إذا كانت سريعة لكنها تنشر أخبارًا خاطئة، مشددةً على أهمية أساسيات العمل الصحفي، من التحقق من المعلومات والمصادر إلى استخدام الاقتباسات، مضيفةً أن التحقيقات المكتوبة وحدها لم تعد كافية في البيئة الرقمية الحالية.

وبيّنت صويص أنها لا تؤمن بأن سرعة الخبر هي العنصر الأهم وحده وأن تكرار الأخطاء يؤدي إلى خسارة الجمهور وثقته بالمؤسسة الإعلامية.
من جهته، قال مدير التحرير العام في صحيفة الغد  عبد الكريم الوحش إن وسائل الإعلام باتت مطالبة بإعادة التفكير بالمحتوى والجمهور والتكنولوجيا معًا، مضيفًا أن السؤال المطروح داخل غرف الأخبار اليوم هو ماذا يجب أن أفعل حتى لا أختفي.
وأوضح الوحش أن المؤسسات الإعلامية وجدت نفسها مضطرة لإدخال التكنولوجيا إلى غرف الأخبار بطريقة مهنية، في ظل وجود جمهور يبحث عن السرعة، وآخر يسعى إلى الحصول على إجابات ومحتوى أعمق.

وأشار إلى وجود جدل داخل غرف الأخبار حول مدى إمكانية التخفيف من الصرامة المهنية استجابةً لما يطلبه جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا ضرورة مواكبة التحولات الرقمية دون التخلي عن هوية المؤسسة الإعلامية أو معايير الدقة والمصداقية.

وأضاف أن التوسع الرقمي يحتاج إلى دعم وتمويل وفهم للسوق الإعلاني، وأن المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى التمويل وتوظيف أشخاص يفهمون السوق الإعلاني حتى تتمكن من التوسع رقميًا.

وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، قال الوحش إنه فرض نفسه على غرف الأخبار، ولم يعد من الممكن إنكاره، لكن التعامل معه يتم بحذر؛ لأنه قد يولّد صحفيًا كسولًا.
وأكد أن قيمة الصحفي تكمن في تقديم معلومات لا ينشرها الآخرون، من خلال الالتزام بعمليات التحقق والتدقيق، مشددًا على ضرورة التمسك بالأخلاقيات المهنية حتى لا تفقد الصحافة نزاهتها.

وفي مداخلة أخرى خلال الجلسة، قالت روان الجيوسي المؤسسة والمديرة التنفيذية لمدرج لريادة الاعلام الرقمي إن التطور المتسارع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يفرض تحديات كبيرة على البيئة الإعلامية والتعليمية، مشيرة إلى الحاجة الملحّة لإجراء دراسات علمية تواكب هذا التحول الرقمي.

وأضافت الجيوسي أن البيئة الرقمية والبنية التحتية التعليمية في المنطقة ما تزال غير جاهزة بالشكل الكافي، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة التعليم والتدريب المقدم للشباب، خاصة في مجالات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وأكدت أهمية فهم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن سياسات تحريرية واضحة، محذرة من فقدان المعايير المهنية والتحريرية في ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والمنصات الرقمية. كما طرحت تساؤلات تتعلق بإمكانية وصول الجمهور إلى المحتوى، خصوصًا في القضايا الحقوقية والإنسانية، في ظل انتشار نماذج المحتوى المدفوع.

وأشارت إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية الرقمية المستقلة اليوم غياب نماذج عمل مستدامة، مؤكدة ضرورة دعم الصحفيين القادرين على إنتاج محتوى مهني ومستقل، إلى جانب تطوير نماذج تمويل تضمن استمرارية المؤسسات الإعلامية الناشئة.
وأضافت أن مؤسسة “مدرج” بدأت العمل منذ سنوات على دعم ريادة الإعلام الرقمي والشركات الإعلامية الناشئة، إلا أن اليوم ما زالت تتحدث عن الشركات الناشئلة، والتأسيس والتمويل.
من جهته، قال خالد عويس مراسل صحفية The Nation  إن التطور التكنولوجي ليس أمرًا جديدًا على الصحافة، لكن دخول الذكاء الاصطناعي سرّع من حجم التغيرات التي يشهدها المشهد الإعلامي، إلى جانب التحديات المرتبطة بتدخل الحكومات والتشريعات المقيدة للعمل الصحفي.

وأشار عويس إلى أن الصحفي المستقل اليوم يواجه تحديات متزايدة في الوصول إلى المعلومات والعمل بحرية، خاصة في البيئات التي تستخدم فيها الحكومات القوانين والتشريعات لتقييد العمل الإعلامي. وأضاف أن الصحافة التقليدية التي تقوم على المعايير المهنية ما تزال ضرورية في مواجهة التضليل والمحتوى السطحي المنتشر عبر الفضاء الرقمي.
كما تطرق إلى واقع التغطية الإعلامية في بعض الدول، مشيرًا إلى أن بعض المشاهد الإعلامية قد تُستخدم لصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية، مؤكدًا أن الصحفي المستقل يظل في مواجهة مستمرة مع القيود السياسية والتشريعية، كما حدث خلال فترات التحولات السياسية في المنطقة العربية.