خلف أبواب السجون.. اكتظاظ يضغط على الإصلاح وما بعد الإفراج

"شهادة عدم محكومية"، عبارة كانت كفيلة بإعادة الصدمة إلى أحد المفرج عنهم كلما طرق بابا بحثا عن عمل، بعد أن ظن أن خروجه من مركز الإصلاح والتأهيل يعني نهاية العقوبة وبداية حياة جديدة، حيث أنهى مدة الحكم، وخرج بحثا عن فرصة عمل تعيده إلى حياته الطبيعية، لكنه اصطدم في كل مرة بالشرط نفسه.

ويقول إن الرفض المتكرر أعاده إلى الشعور بأنه ما يزال يدفع ثمن خطأ سبق أن عوقب عليه، إلى أن وجد جهة عمل لم تشترط شهادة عدم المحكومية، فكانت تلك الفرصة على حد وصفه، أكثر من وظيفة،  كانت عودة إلى الحياة.

وفي حالة أخرى، لم يكن الخروج من مركز الإصلاح والتأهيل يعني سوى العودة إلى أسرة تنتظر، من دون مصدر دخل أو فرصة عمل أو شبكة دعم تساعد على استعادة الاستقرار.

بالنسبة إلى أسر السجناء، بحسب جمعية الرعاية اللاحقة للسجناء وأسرهم، لا تتوقف تبعات العقوبة عند أبواب مراكز الإصلاح، فسنوات الغياب قد تعني أعباء اقتصادية متراكمة، ووصمة اجتماعية، وانتظارا طويلا، فيما يجد المفرج عنه نفسه أمام تحديات جديدة تبدأ بعد انتهاء الحكم، من البحث عن عمل إلى استعادة مكانه داخل أسرته ومجتمعه. 

تكشف الأرقام التي عرضها مدير مراكز الإصلاح والتأهيل في مديرية الأمن العام، العميد الدكتور جمعة الحمايدة، أن عدد النزلاء في المراكز الـ17 بلغ 27,817  نزيلا ونزيلة، مقابل طاقة استيعابية تبلغ 14,024، مما يعني أن نسبة الإشغال وصلت إلى نحو 198%، بفارق يتجاوز 13,700  نزيل عن الطاقة الاستيعابية.

كما رصد تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان لعام 2025، الصادر في أيلول 2026، رصد ارتفاع عدد نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل من 25,148  في عام 2024 إلى 26,303 في عام 2025، وارتفاع نسبة الإشغال إلى 188%، رغم رفع الطاقة الاستيعابية من 14 ألفا إلى 14,024 نزيلا.

ويوثق تقرير المركز، الذي يعتمد في رصده على الزيارات الميدانية والشكاوى والبيانات الرسمية، أن الاكتظاظ كان حاضرا في عمليات الرصد داخل المراكز، إذ سجل المركز خلال عام 2025 عددا من الزيارات الرصدية، ورصد خلال زيارة مركز إصلاح وتأهيل العقبة وجود اكتظاظ وحاجة إلى صيانة أجزاء من البنية التحتية، مؤكدة مديرية الأمن العام للمركز وجود مشكلة اكتظاظ تواجه إدارة المراكز، مع استمرار العمل على معالجتها.

يقول خبير الأمن والعدالة الدكتور عبدالله أبو زيد  في حديثه لـ "عمان نت"، إن قراءة رقم 27 ألف نزيل لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الاكتظاظ، بل يجب أن تمتد إلى السؤال عن طبيعة الأشخاص الموجودين داخل المراكز، والجرائم التي قادت إلى دخولهم، ومدد الأحكام، ونسبة الموقوفين مقارنة بالمحكومين، واحتمالات العودة إلى الجريمة بعد الإفراج.

ويحذر أبو زيد من أن الاكتظاظ ينعكس على جوانب تتجاوز توفير أماكن الإقامة والطعام، إلى الرعاية الصحية والنفسية والبرامج الإصلاحية والتأهيلية، خصوصا مع وجود نزلاء يحتاجون إلى رعاية صحية خاصة أو يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات.

تشير أحدث التقديرات المنشورة إلى أن كلفة النزيل الواحد تبلغ نحو 750 دينارا شهريا، تشمل نفقات الإقامة والخدمات والرعاية والحراسة وغيرها من متطلبات إدارة مراكز الإصلاح.

 

 

 

كما يضيف أبو زيد إن  النسب الأخيرة التي ذكرها تقرير المركز الوطني على خلفية قضايا المخدرات، تستدعي قراءة أعمق من مجرد اعتبار المخدرات سببا مباشرا للاكتظاظ، لأن قضايا المخدرات قد تتقاطع في بعض الحالات مع جرائم أخرى، ولأن التعامل معها بالعقوبة وحدها لا يعالج بالضرورة عوامل الإدمان أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد ترتبط ببعض أنماط الجريمة.

بيانات مديرية مكافحة المخدرات التي عرضت أمام لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان النيابية حتى نهاية آب 2026 تشير إلى تسجيل 13,899  قضية مخدرات، بينها 9,985 قضية تعاط و3,914 قضية اتجار وترويج، إضافة إلى استقبال مركز علاج الإدمان في عرجان 1,192 شخصا خلال الفترة نفسها.

ولا يرتبط ضغط المراكز بعدد الداخلين إليها فقط، وإنما أيضا بمدة بقائهم، بحسب ما يشير أبو زيد إلى أن تشديد بعض العقوبات وإطالة مددها يحتاج إلى دراسة أثره التراكمي على أعداد النزلاء، موضحا أن زيادة مدة العقوبة تعني، عمليا، بقاء السعة الاستيعابية مشغولة لفترة أطول.

ومن بين الحلول التي تعمل عليها مديرية الأمن العام إنشاء مركز إصلاح وتأهيل جديد في منطقة الأزرق، إلى جانب توسعة مبان في مراكز أخرى، بينها السواقة والموقر، وفق ما أورده تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان.

 كما يشير التقرير إلى الانتهاء من توسعة مركز إصلاح وتأهيل السواقة بطاقة 512 نزيلا، وإنشاء توسعة في مركز إصلاح وتأهيل الموقر 2 بسعة 60 نزيلا.

ومن مؤشرات طول مدد البقاء داخل المراكز أيضا أعداد المحكومين بالإعدام والمؤبد، حيث أعلن مدير مراكز الإصلاح والتأهيل أن عدد المحكومين بالإعدام بلغ 298 نزيلا، بينهم 24 امرأة، فيما بلغ عدد المحكومين بالمؤبد 150 نزيلا، بينهم 140 رجلا و10 نساء.

ويشير أبو زيد إلى أن الأردن أوقف تنفيذ أحكام الإعدام منذ سنوات، مع بقاء العقوبة ضمن التشريع وصدور أحكام بها، مما يعني بقاء أشخاص محكوم عليهم بالإعدام لسنوات طويلة داخل مراكز الإصلاح.

ويرى أن التعامل مع هذه الحالات يحتاج إلى نقاش قانوني ومجتمعي متكامل، بما في ذلك دراسة الأطر القانونية المتاحة لكل حالة، دون الخلط بين طبيعة الأحكام أو تجاوز صلاحيات القضاء.

 

ماذا عن التوقيف الإداري؟

إلى جانب المحكومين والموقوفين قضائيا، يظهر التوقيف الإداري، فبحسب التقرير السنوي الثاني والعشرين للمركز الوطني لحقوق الإنسان، ارتفع عدد الموقوفين إداريا خلال 2025 إلى 22,620  شخصا، مقارنة بـ20,437 في 2024.

ويربط المركز هذا الملف بقانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1954، مجددا توصيته بإلغائه، وإلى حين التوافق على ذلك، تعديله بما يضمن الحد من التوقيف. 

ويؤكد المركز أن التوقيف الإداري يثير أسئلة مرتبطة بالحق في الحرية والأمان الشخصي، مستندا في ذلك إلى أحكام الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وترى المحامية لين خياط  في حديثها لـ عمان نت أن ارتفاع أعداد الموقوفين إداريا يستدعي مراجعة شاملة للتشريعات والممارسات المرتبطة بهذا الإجراء، بما في ذلك صلاحيات الحاكم الإداري، ومدد التوقيف، والمعايير التي يستند إليها القرار، ومدى الرقابة القضائية عليه.

 

 

التقرير الوطني لحقوق الإنسان سجل ارتفاع القرارات الصادرة بفرض بدائل التوقيف خلال 2025 إلى 6,327  قرارا، مقارنة بنحو 2,176 قرارا في 2024، في إطار توسع منظومة العدالة في استخدام بدائل الحرمان من الحرية.

وتوضح وزارة العدل أن المادة 25  مكررة من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته تتيح للمحكمة، في الجنح والجنايات التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها فيها بالأشغال المؤقتة أو الاعتقال المؤقت ثلاث سنوات، وفي غير حالة التكرار، وبناء على تقرير الحالة الاجتماعية، استبدال العقوبة السالبة للحرية ببديل أو أكثر من البدائل التي حددها القانون.

وتشمل البدائل الخدمة المجتمعية، والبرامج التأهيلية، والبرنامج العلاجي من الإدمان، والمراقبة الإلكترونية، وحظر ارتياد أماكن محددة، والإقامة في المنزل كليا أو جزئيا وفق الشروط القانونية. 

كما يسمح القانون، في حالات محددة وبعد صدور الحكم، باستبدال ما تبقى من مدة العقوبة وفق شروط تتعلق بمدة الحكم وحسن السيرة والسلوك.

وتؤكد وزارة العدل أن فلسفة هذه البدائل تشمل إعادة التأهيل والاندماج والحد من العود إلى الجريمة والتخفيف من اكتظاظ مراكز الإصلاح، إلى جانب الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمحكوم عليه.

وفي أحدث تقييم رسمي، أكدت وزارة العدل أن العقوبات البديلة تستهدف خصوصا مرتكبي الجنح والجرائم البسيطة وغير المكررين الذين لا تشكل أفعالهم خطرا على الأمن والسلم المجتمعي، وأنها تهدف إلى تجنب الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية، مع التشديد على أن العقوبة البديلة حكم قضائي، وأن الإخلال بتنفيذها قد يعيد المحكوم عليه إلى العقوبة الأصلية.

لكن أبو زيد يرى أن البدائل، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون الحل الوحيد للاكتظاظ، لأن نطاق تطبيقها القانوني يستهدف فئات محددة، ولا يشمل الجرائم الخطيرة أو الحالات التي تنطبق عليها قيود التكرار.

 

من داخل السجن إلى خارجه

يقول المدير التنفيذي لجمعية الرعاية اللاحقة للسجناء وأسرهم عبدالله الناصر، في حديثه لـ "عمان نت"، إن الدراسات والمقابلات التي أجرتها الجمعية مع سجناء سابقين وأسرهم تظهر أن ما بعد الإفراج يحمل تحديات اقتصادية وقانونية واجتماعية قد تحد من قدرة المفرج عنه على العودة إلى حياته الطبيعية.

ويضع الناصر العمل في قلب عملية إعادة الإدماج، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة من السجناء تدخل مراكز الإصلاح من دون مصدر دخل، وأن عودتهم إلى المجتمع من دون عمل أو دعم اقتصادي قد تجعل الانتقال من السجن إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة.

أما المفرج عنه الذي وجد نفسه أمام شرط شهادة عدم المحكومية فيقول الناصر إن المشكلة لم تكن في انتهاء الحكم، وإنما في استمرار أثره على فرص العمل.

وتصف الجمعية استمرار بعض القيود المرتبطة بالسجل الجزائي، من وجهة نظرها، بأنه عقوبة ثانية، وتدعو إلى مراجعة التشريعات المرتبطة برد الاعتبار بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع ومنح المفرج عنه فرصة فعلية للاندماج.

ويقدر أبو زيد، استنادا إلى خبرته في مجال العدالة الجنائية، أن نسبة التكرار في الأردن تتجاوز 40%، بينما تشير الدراسات التي يستند إليها الناصر إلى نطاق يتراوح بين 35% و48%.

ويقول الناصر إن صدمة الإفراج قد تكون قاسية عندما ينتقل الشخص فجأة من بيئة السجن إلى المجتمع دون دخل أو عمل أو دعم أسري ومجتمعي، مشيرا إلى أن برامج الرعاية اللاحقة يجب أن تبدأ قبل الإفراج، لا بعده فقط.

 

 

 

وتشمل هذه الرعاية، بحسب الجمعية، التدريب المهني، المساعدة في إنشاء مشاريع صغيرة، الربط مع أصحاب العمل، ودعم أسر السجناء.

ويصف الناصر أسر السجناء بأنهم ضحايا مخفيون، باعتبار أن آثار السجن الاقتصادية والاجتماعية تمتد إلى أفراد الأسرة الذين لم يرتكبوا الجريمة.

يقول الناصر إن إدارة المراكز تقوم بواجباتها، لكن حجم الأعداد يجعل تقديم برامج فردية لجميع النزلاء تحديا، خصوصا عندما تختلف احتياجات المحكوم عن الموقوف، وتختلف احتياجات من ارتكب جريمة للمرة الأولى عن مرتكب الجريمة المتكررة.

هذا وتشير التجارب التي عرضتها الجمعية إلى أن دعم الأسرة اقتصاديا يمكن أن يكون جزءا من الوقاية من تفاقم آثار السجن، فقد نفذت منذ عام 2018 برامج لتدريب أفراد من أسر السجناء على مهن تساعدهم على توفير دخل مستقل، كما عقدت شراكات مع القطاع الخاص لتوفير فرص تدريب وتشغيل.