الحضانات غير المرخصة.. 30 حالة ترصدها "التنمية" ومخاوف على سلامة الأطفال

لم تكن الأسرة تتوقع أن يتحول قرارها بالبحث عن حضانة منزلية لطفلها، يقضي فيها ساعات غيابها أثناء العمل، من خيار بدا عمليا وقريبا من المنزل إلى مصدر للقلق والبحث عن إجابات، حيث اختارت الأسرة حضانة منزلية أعلنت عن خدماتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على أمل أن يجد طفلها مكانا آمنا يحظى فيه بالرعاية إلى حين عودة والديه.

لكن هذا الاطمئنان لم يدم طويلا، فبحسب رواية الأب، التي جرى تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرا، تسلمت الأسرة طفلها لاحقا، قبل أن تثير صور مرتبطة بحالته مخاوفها بشأن طريقة التعامل معه، لتبدأ رحلة البحث عن حقيقة ما جرى، واللجوء إلى الجهات المختصة.

ويقول الأب إن الأسرة تقدمت بشكوى لدى الجهات الأمنية والقضائية، وقدمت ما لديها من بينات وشهود، فيما انتهت القضية، وفق روايته بحكم وصفه بأنه يتعلق بـإيذاء بسيط.

وتعيد هذه الواقعة، كما يرويها الأب، تسليط الضوء على جانب أكثر اتساعا من مخاوف الأسر التي تلجأ إلى الحضانات المنزلية، خاصة تلك التي قد تعمل خارج الأطر المرخصة، بحثا عن القرب من المنزل أو الكلفة الأقل، فاختيار المكان الذي يقضي فيه الطفل ساعات طويلة لا يرتبط فقط بتوافر الرعاية، وإنما بمدى الالتزام بشروط السلامة، والرقابة، والتأهيل، والبيئة المناسبة للأطفال، 

في وقت تؤكد فيه وزارة التنمية الاجتماعية متابعتها ورقابتها على الحضانات، والتأكد من توافر الاشتراطات اللازمة في الأماكن التي تستقبل الأطفال، تبقى مسؤولية حماية هذه الفئة العمرية مشتركة بين الجهات الرقابية والأسر، خصوصاً أن سنوات الطفولة الأولى تجعل من الأمان والرعاية ضرورة لا تحتمل التساهل.

وفق بيانات وزارة التنمية الاجتماعية، يبلغ عدد دور الحضانة المرخصة والعاملة في المملكة 1384 حضانة، موزعة بين 707 حضانات خاصة، و603 حضانات في أماكن العمل الخاصة والعامة، و74 حضانة منزلية، وتقدم خدماتها لنحو 55 ألف طفل، فيما يبلغ عدد العاملات فيها نحو 5،536 عاملة.

في المقابل، لا تتوفر أرقام شاملة حول عدد الحضانات غير المرخصة، في ظل صعوبة حصر الأماكن التي تعمل داخل المنازل من دون ترخيص، إذ توضح الوزارة أن التعامل معها يبدأ عند ورود شكوى أو بلاغ يتيح للفرق المختصة التحقق من الحالة. 

رصدت الوزارة من خلال الشكاوى والبلاغات، نحو 30 حضانة خلال العام الحالي، مؤكدة أن الرقم يمثل الحالات التي وصلت إليها وتمكنت من متابعتها، ولا يعكس بالضرورة العدد الفعلي لجميع الحضانات غير المرخصة.

 

أماكن خارج الرقابة

نقيب نقابة أصحاب الحضانات محمد المومني يحذر من اتساع ظاهرة الأماكن غير المرخصة التي تستقبل الأطفال، موضحا أن المشكلة لا تقتصر على الحضانات المنزلية، وإنما تشمل بحسب ما رصده بعض المدارس ورياض الأطفال ومراكز الترفيه التي قد تستقبل أطفالا بصورة تتجاوز طبيعة الترخيص الممنوح لها.

ويؤكد المومني في حديثه لـ "عمان نت"  أن خطورة هذه الأماكن تكمن في عدم خضوعها للرقابة والاشتراطات والمعايير المعتمدة، مشيرا إلى وجود أماكن تستقبل أعدادا من الأطفال في ظروف لا تتناسب مع احتياجاتهم العمرية أو متطلبات السلامة.

ويشير إلى أن الحضانات المرخصة تخضع للرقابة من الجهات المختصة، ومنها وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الصحة، إضافة إلى اشتراطات تتعلق بالمبنى والمساحات والطاقة الاستيعابية والمربيات والإدارة والتجهيزات والسلامة.

 

 

يأتي ذلك في إطار نظام دور الحضانة رقم 6 لسنة 2024، المنشور في الجريدة الرسمية، والذي ينظم ترخيص دور الحضانة والرقابة والتفتيش عليها، كما تؤكد رئاسة الوزراء عند إقرار النظام أنه يهدف إلى تأمين بيئة آمنة للطفل وتحديد إجراءات الترخيص والرقابة والمخالفات.

مدير إدارة الحماية والرعاية في وزارة التنمية الاجتماعية نصر المعاقبة يوضح أن الوزارة عملت على تنظيم وترخيص الحضانات المنزلية، بهدف توفير إطار قانوني واضح يحفظ حقوق الأطفال وأولياء الأمور وأصحاب الحضانات.

وبحسب المعاقبة، فإن الوزارة تتعامل مع الشكاوى والبلاغات المتعلقة بالحضانات غير المرخصة، سواء الواردة من أولياء الأمور أو الجهات الرسمية، إضافة إلى ما يتم رصده عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم فرق الرقابة بالتحقق من أوضاع تلك الأماكن.

وينص نظام دور الحضانة رقم 6 لسنة 2024 على عدم فتح أو تشغيل دار حضانة أو تقديم خدماتها دون الحصول على الترخيص اللازم، كما يتضمن النظام متطلبات تتعلق بالطاقة الاستيعابية والبرامج والأنشطة وصحة الأطفال ونظافتهم والبيئة الصحية داخل الحضانة.

وفي حالة ورود بلاغ عن حضانة غير مرخصة، يوضح المعاقبة أن فرق التفتيش تتوجه للتحقق من الحالة، وفي حال ثبوت المخالفة يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع الحاكم الإداري، والتي قد تشمل إغلاق المنشأة إلى حين تصويب أوضاعها واستيفاء شروط الترخيص.

ويشير إلى أن الوزارة رصدت من خلال الشكاوى والبلاغات، نحو 30 حضانة خلال العام الحالي، مؤكدا أن هذا الرقم لا يمثل العدد الفعلي لجميع الحضانات غير المرخصة، وإنما الحالات التي وصلت بشأنها شكاوى أو بلاغات وتمكنت الوزارة من متابعتها.

وفق دليل وزارة التنمية الاجتماعية الخاص بدور الحضانات الخاصة والمنزلية، فقد حدد نظام دور الحضانة أشكالا مختلفة للحضانات، من بينها الحضانات الخاصة والمنزلية، مع اشتراطات محددة لتنظيم تقديم خدمات الرعاية.

وبحسب المعاقبة، تشمل شروط الحضانة المنزلية تخصيص مساحة مناسبة من المنزل، بحيث لا تقل المساحة المستغلة للحضانة عن 25% من مساحة المبنى، وألا تقل المساحة المخصصة للحضانة عن 20 مترا مربعا.

كما لا يجوز أن تتجاوز الطاقة الاستيعابية للحضانة المنزلية 10 أطفال، مع مراعاة الفصل بين الفئات العمرية المختلفة، إلى جانب اشتراطات تتعلق بالتهوية والسلامة والابتعاد عن مصادر الخطر وتوفير وسائل الحماية اللازمة.

وتؤكد وزارة التنمية الاجتماعية أن الترخيص لا يهدف فقط إلى تنظيم عمل الحضانة، وإنما يتيح كذلك إخضاعها للرقابة والتفتيش ومتابعة مستوى الخدمات المقدمة للأطفال.

 

 

 

حماية الطفل تبدأ من السنوات الأولى

يتفق المومني والمعاقبة على أهمية دور الأسرة في الحد من انتشار الحضانات غير المرخصة، إذ يدعوان أولياء الأمور إلى عدم الاكتفاء بالإعلانات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتحقق من وجود ترخيص ساري المفعول.

ويشدد المعاقبة على ضرورة أن يطلب ولي الأمر رؤية الترخيص والتأكد من سريانه، ومطابقة اسم وعنوان الحضانة للبيانات الواردة فيه، إلى جانب التحقق من شروط السلامة وكفاءة العاملين والبيئة المخصصة للأطفال.

كما يدعو المومني الأسر إلى التعامل مع اختيار الحضانة باعتباره قرارًا مرتبطًا بسلامة الطفل، وليس مجرد اختيار لخدمة متاحة أو أقل كلفة.

ومن جانبه، يؤكد الخبير في مجال حماية الأطفال والأسرة الدكتور عادل الرطروط أن إقرار السياسة الوطنية لتنمية ورعاية الطفولة المبكرة يمثل خطوة مهمة في التعامل مع احتياجات الأطفال في سنواتهم الأولى.

ويرى الرطروط أن السياسة تقوم على نهج تشاركي يشمل الصحة والتغذية والرعاية والحماية والتعليم المبكر، بهدف توفير خدمات متكاملة للأطفال منذ الحمل وحتى سن الخامسة.

ويشدد على أن نجاح هذه السياسة يتطلب ترجمتها إلى برامج ومشاريع عملية، ودمجها ضمن الخدمات القائمة، ومنها المراكز الصحية والحضانات ورياض الأطفال، إلى جانب توفير الموارد والبنية التحتية اللازمة.

ويشير كذلك إلى أهمية توفير خدمات رعاية الأطفال في المؤسسات الاقتصادية، بما يخفف أعباء الرعاية عن النساء ويسهم في تعزيز مشاركتهن في سوق العمل، مؤكدا أن المجلس الوطني لشؤون الأسرة يمكن أن يؤدي دورا رئيسيا في متابعة تنفيذ السياسة من خلال خطط وتقارير دورية.