قراءة في التعديلات الجديدة على مسودة الضمان

حماده أبو نجمة


التعديلات التي أعلن عنها رئيس الوزراء على مشروع قانون الضمان الاجتماعي تحمل رسائل طمأنة مهمة، أبرزها عدم المساس بأي مستحق للتقاعد المبكر أو الوجوبي أو الاختياري خلال السنوات الأربع المقبلة، واعتماد تطبيق متدرج يبدأ في عام 2030 ويمتد لسنوات طويلة حتى عام 2040 بالنسبة للتقاعد الوجوبي، وإلى ما بعد ذلك بالنسبة للتقاعد المبكر والاختياري، وهذا التدرج الزمني الطويل يخفف من الصدمة الفورية ويحترم توقعات من هم على أبواب استحقاق التقاعد ويمنح المجتمع وقتا للتكيّف مع التغيير.

غير أن تقييم هذه التعديلات لا يكتمل بالنظر إلى الإطار الزمني وحده وإنما يتطلب النظر لها في ضوء فلسفة الحماية الاجتماعية والواقع الديموغرافي والاقتصادي في الأردن.

المدخل الأساس لأي نقاش حول سن التقاعد هو العلاقة بين العمر المتوقع وعدد سنوات العمل وعدد سنوات التقاعد، والأدبيات الدولية سواء في تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو البنك الدولي لا تنظر إلى رفع سن التقاعد كهدف مستقل، وإنما كأداة للحفاظ على التوازن بين الوقت الذي يقضيه الإنسان في العمل والوقت الذي يقضيه في التقاعد، ولتقاسم مكاسب ارتفاع العمر المتوقع بين الفترتين، بمعنى أنه كلما ارتفع العمر المتوقع للإنسان يتم رفع كل من سنوات العمل وسنوات التقاعد بعد العمل معا وليس رفع سنوات العمل وحدها.

وفي نفس الوقت يفترض أن يرافق الزيادة في طول العمر مستوى مرتفع في العمر الصحي المتوقع، أي مدى قدرة الإنسان على العمل من الناحية الصحية في سن متقدم، وهذا يرتبط بمستوى الرعاية الصحية في كل بلد، وأن يكون سوق العمل قادر على استيعاب كبار السن.

في الأردن، يبلغ متوسط العمر المتوقع نحو 75 سنة تقريباً، وهذا يعني أن من يتقاعد عند سن 65 عاما سيقضي في المتوسط أقل من عشر سنوات فقط في التقاعد، وهذه المدة تقل بوضوح عما هو قائم في الدول الأوروبية التي يتجاوز فيها العمر المتوقع 81 أو 82 سنة، حيث تمتد سنوات التقاعد إلى 15 أو حتى 20 سنة رغم رفع سن التقاعد إلى 67. وعليه فإن أي رفع إضافي لسن التقاعد في الأردن سيؤدي عملياً إلى تقليص مدة التقاعد إلى حدود دنيا مقارنة بالتجارب الدولية.

كما لا يمكن تجاهل واقع سوق العمل، فارتفاع البطالة وتدني المشاركة الاقتصادية واتساع القطاع غير المنظم والانقطاعات المتكررة في الاشتراك التأميني، كلها عوامل تجعل الافتراض بأن العامل سيستمر في عمل مستقر حتى سن متقدمة افتراضاً غير مضمون، وقد لا يؤدي رفع سن التقاعد إلى استمرار فعلي في العمل إنما انتقالاً إلى بطالة متأخرة أو إلى أنشطة غير منظمة بدون حماية تأمينية.

تأجيل رفع سن التقاعد ليبدأ عام 2030 لا يغير هذه المعادلة ما لم تقترن التعديلات بإصلاحات هيكلية في سوق العمل تعزز الاستقرار الوظيفي وتحد من سياسات إنهاء الخدمة المبكر.

أما من زاوية الاستدامة المالية، فإن التركيز على شروط الاستحقاق وسن التقاعد يعالج جانباً واحداً من المعادلة، فاستدامة أي نظام تأميني ترتبط كذلك بمدى اتساع قاعدة المشتركين ومستوى الامتثال وحجم التهرب التأميني وكفاءة تحصيل المديونية وإدارة الاستثمارات، ففي ظل نسب تهرب عالية تفوق 22% ومديونية متراكمة تصل إلى مليار دينار وشمول لا يتجاوز 50% من العمالة، وعليه فإن تحميل المشتركين سنوات عمل إضافية دون معالجة جذرية لمصادر الخلل في هذه القضايا لن يحقق إصلاحا متوازنا يبدأ بتوسيع قاعدة الشمول خاصة في القطاع غير المنظم وفي رفع نسبة شمول العمالة الوافدة التي لا تتجاوز نسبة شمولها 15% وتعزيز التكامل بين الامتثال الضريبي والتأميني.

التعديلات المقترحة، وإن كانت تحمي الفئة القريبة من التقاعد فإنها تنقل العبء الأساسي إلى الفئات اللاحقة، فالعدالة تتم عبر توزيع متوازن للإصلاح يراعي قدرة كل فئة عمرية على تحمل الكلفة ويضمن في الوقت ذاته بقاء مدة تقاعد معقولة تحمي كرامة الإنسان في سن متقدمة.

في ضوء ذلك يمكن القول إن التعديلات تحمل عناصر إيجابية من حيث التدرج الزمني وحماية الحقوق القائمة لكنها لا تعالج بعد الأسئلة الأساسية المتعلقة بمدى ملاءمة سن التقاعد المقترح لمستوى العمر المتوقع في الأردن، أو بمدى جاهزية سوق العمل لاستيعاب العمال في أعمار متقدمة، أو بالاعتراف بضرورة معالجة مصادر الخلل في الإيرادات والامتثال، فالإصلاح الحقيقي للضمان الاجتماعي لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات الاكتوارية وإنما بقدرته على الحفاظ على توازن عادل بين الاستدامة المالية وجودة الحماية الاجتماعية وعلى تعزيز الثقة العامة بأن النظام ملتزم بوظيفته الأساسية وهي تأمين تقاعد كريم وصحي بعد سنوات العمل الطويلة.