عمل الأطفال ذوي الإعاقة: جريمة لا ترويها الأرقام

الرابط المختصر

تحت سقفٍ متهالك وبين جدرانٍ متشققة وبالقليل من الأثاث المستعمل، تعيش السيدة السورية أم مهدي برفقة والدة زوجها وأبنائها الأربعة الذين يعانون من إعاقات مختلفة.

تقطن أم مهدي في إحدى قرى محافظة إربد، وسط بيتٍ مستأجرٍ، لا يوجد لها مصدر دخل سوى 75 دينار تتقاضاها من المفوضية، وما تيسر من مساعدات يقدمها لها أهل البلدة.

 لجأت أم مهدي إلى الأردن عام 2011، اصطحبت معها ابنها الأكبر مهدي، الذي يعاني من إعاقة ذهنية، بالإضافة إلى ابنها سالم الذي يعاني من إعاقة في النطق، كما أدت به الحرب إلى بتر في إحدى قدميه، إضافة إلى كرم وراشد، اللذين يعانيان من إعاقة في النطق، ولا تعرف أم مهدي التشخيص الطبي الدقيق لحالة ابنيها الصغيرين.

"ما بحب أنهم يشتغلوا، بس ما بقدر أعطيهم حتى نص ليرة"، بهذه الكلمات تفسر أم مهدي اضطرار أطفالها ذوي الإعاقة للعمل. 

حينما جاءت إلى الأردن لم يكن أحد من ابنائها قد تجاوز الثامنة عشر من عمره، ولم يلتحق جميعهم بالمدرسة.  انخرط الطفلان الأكبران في سوق العمل مباشرةً، لم يلتزم بمهدي بعمل منتظم، لكن على نقيضه تماماً التحق سالم مباشرة بالعمل في العديد من المحال التجارية، تفسر أم مهدي هذا الأمر"سالم ما بحب يمد ايده لحدا".

وتضيف أم مهدي "سالم ما بفهم الحكي، حتى أنا مرات ما بفهم عليه"، لكنه على الرغم من ذلك واصل العمل، حتى حصل على عمل ثابت في أحد المحال التجارية، ليعمل في تعبئة طلبات الزبائن وتوصيلها أحياناً إلى السيارات، ما يضطره للوقوف معظم ساعات عمله، وليتقاضى مقابل ذلك دينار ونصف.

تقول أم مهدي "بتعب كثير وبعد ما يفك أجره الصناعية بتكون حمره ملتهبة". الآن يبلغ سالم من العمر الآن 26 عاماً، وما زال مستمر بالعمل في نفس المحل التجاري، يتقاضى الآن أربعة دنانير مقابل ساعات عمل طويلة تقدر بأكثر من 10 ساعات، وفي ذات الوقت ما زال يصارع رجله الصناعية وارتخاء برغيها المستمر، إضافةً إلى صاحب العمل، الذي يضطره للتوسل إليه كلما طرده من العمل.


أما الصغيران كرم وراشد فقد ورثا شقاء الإعاقة والفقر عن أخيهم سالم، يبلغان من العمر الآن (15 عاماً، 14 عاماً)، تقول والدتهم أنهم يعملون في تنظيف السجاد وترتيب البضاعة في المحال التجارية، مقابل نصف دينار لكل منهم في معظم الأحيان.

يؤكد أهل الحي الذي تسكن به أم مهدي أن الطفلين كرم وراشد، يعانيان من إعاقات ذهنية إلى جانب إعاقة النطق، فيما يقول إبراهيم أحد جيران بيت أم مهدي، أن كرم وراشد يبقون حتى ساعات متأخرة خارج المنزل.

ويضيف أن راشد يبقى حتى أوقات متأخرة، في أحد المحال التجارية بحثاً عن مساعدة مالية من الزبائن أو عمل في ترتيب البضائع، ولذات السبب يبقى كرم بشكل شبه يومي في إحدى محلات البلياردو إلى ما بعد الساعة الثالثة فجراً،  وما يضاعف من المخاطر بحسب إبراهيم، أن محل البلياردو عادةً ما يرتاده عدداً من أصحاب السوابق والمشبوهين.

لا يعرف راشد وكرم كثيراً عن إذا ما كان مستقبلهم سيكون مختلف عن أخيهم سالم، لكنهم يستيقظان وهما يعرفان شيئاً واحداً، وهو البحث عن مبلغ مالي يسدون به رمقهم، حتى لو كان نصف دينار.

أرقام تتصاعد وطفولة تتآكل


كشف المسح الوطني لعمل الأطفال 2016 عن وجود 76 ألف طفل عامل في الأردن، يعمل ما نسبته %59 منهم في أعمال  خطرة. فيما قدرت دراسة صادرة عن المركز الأردني لحقوق العمال (بيت العمال) أن عدد الأطفال العاملين في الأردن وصل عام 2020 إلى 100 ألف طفل، بنسبة زيادة 31.6% عن المسح الأخير، ينشط أكثر من %60 منهم في أعمال تصنف على أنها خطرة. 

ويلفت المركز في "تقرير بيت العمال بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال 2025"  إلى أن مؤشرات عامي 2024 و2025 -على محدوديتها- تظهر دلائل واضحة على أن حجم الظاهرة عمل الأطفال لم يتراجع، وأن الآليات المستخدمة لم تعد قادرة على الاستجابة.


المرصد العمالي الأردني التابع لمركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، توقع في ورقة موقف أصدرها عام 2024، ازدياد عدد الأطفال العاملين بشكل ملموس؛ نتيجةً لارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدني مستوى الأجور وتراجع البيئة المدرسية.

ومع هذا التصاعد المتتالي في أعداد الأطفال العاملين، يبرز تساؤل جوهري حول الفئات المستضعفة، إذ يغيب الأطفال ذوي الإعاقة عن المسوحات والتقارير الرسمية. وفي هذا الصدد يشير حمادة أبو نجمة، المدير العام للمركز الأردني لحقوق العمال (بيت العمال) إلى أن مسوحات عمل الأطفال وتقارير وزارة العمل لا تشمل الحالات المتعلقة بعمل الأطفال ذوي الإعاقة.

وفي ذات السياق، ينوه الدكتور مهند العزة، الأمين العام للمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى أن ظاهرة عمل الأطفال ذوي الإعاقة، لم تحظ بالدراسة والرصد مسبقاً على مستوى الأردن.

ويشدد العزة على أهمية شمول الأطفال ذوي الإعاقة في المسوحات والتقارير السنوية والشهرية. مؤكداً أن المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة سيتبنى هذه القضية، ويضعها في مقدمة أولوياته، خلال الفترة المقبلة.


 

إضاءة على ظاهرة عمل الأطفال ذوي الإعاقة في الأردن

يرى الدكتور مهند العزة، أن ظاهرة عمل الأطفال ذوي الإعاقة تعود إلى الضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر، وقصور آليات الرقابة، بالإضافة إلى ضعف الطفل نفسه، التي تجعله أكثر حرجاً وضعفاً مقارنةً بغيره من الأطفال، مما يسهل على أسرته تسخيره بشكل مضاعف للعمل.

ويوضح العزة أن الصورة النمطية التي تحصر ذوي الإعاقة في إطار"الشفقة وفعل الخير" تشكل دافعاً أساسياً لانتشار عمل الأطفال ذوي الإعاقة. ويشير إلى وجود اعتقاد سائد لدى البعض بأن تشغيل هذه الشريحة يضمن عائداً مالياً مضاعفاً، بحكم التعاطف المجتمعي تجاه الأطفال ذوي الإعاقة.
 

العين آسيا ياغي، رئيسة جمعية أنا إنسان لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تقول إن الأطفال ذوي الإعاقة أكثر عرضة للانخراط في سوق العمل عند سن مبكرة، بسبب غياب سياسات الحماية الاجتماعية، وتعرضهم للتمييز والاستبعاد، وعدم التحاق العديد منهم بالمؤسسات التعليمية.

وتسلط ياغي الضوء على تجارب صادمة لأطفال ذوي إعاقة واجهوا ظروف عمل مريرة، تعرضوا فيها للاستغلال والتمييز والتحرش. وتشدد على أن الأطفال ذوي الإعاقة في سوق العمل، يقعون ضحيةً لانتهاكاتٍ واسعةٍ، من بينها العمل في ظروف غير آمنة والاستغلال الاقتصادي والعنف، ما يؤدي إلى حرمانهم من الإحساس بطفولتهم، وانتهاك حقوقهم الأساسية.

يُظهر تقرير "الطفولة والإعاقة" الصادر عن الأمم المتحدة، أن الأطفال ذوي الإعاقات الذهنية والنفسية والنمائية معرضون بشكل خاص للإجبار على ممارسة أنشطة غير لائقة، والأكثر عرضةً لمواجهة تهديدات الاستغلال والعنف والإيذاء.

ويحذر التقرير من أن بعض الأطفال الذين يعانون من إعاقات جسدية وبصرية أو تشوهات خلقية خطيرة، يجبرون على التسول من قبل المتاجرين بالبشر، وفي الحالات القصوى، يقوم المتاجرون بتشويههم عمداً لإجبارهم على التسول.

 

أين يعمل الأطفال ذوي الإعاقة؟

 تُوضح الصحفية الحقوقية نادين النمري، أن عمل الأطفال ذوي الإعاقة يتركز بالدرجة الأولى في التسول، الذي يعد من أسوأ أشكال عمل الأطفال، ويُستغل فيه الأطفال ذوي الإعاقة؛ نظراً للتعاطف المجتمعي، الذي يحقق للطفل مروداً مالياً أكبر من بقية الأعمال. بالإضافة إلى القطاع الزراعي الذي يستقطب الأطفال ذوي الإعاقة عادةً.

وتؤكد الباحثة ميس العمرو أن التسول يعد من أكثر القطاعات استغلالاً للأطفال ذوي الإعاقة، إذ أن وجود طفل ذوي إعاقة يحقق تعاطف واستجابة أفضل للمتسول، فالبعض يرى من منظور ديني واجتماعي ضرورة التصدق على المتسول، نظراً لوجود طفل ذوي إعاقة معه.

وتضيف العمرو أن الاستغلال يتجاوز الاستعطاف، ليصل إلى حد الإهمال الصحي المتعمد، وعدم الاهتمام بشكل وملابس الطفل، وتعمد إظهار الإعاقة بصورة تخدش الكرامة الإنسانية.
بدوره يُرجح الدكتور مهند العزة، أن تشغيل الأطفال ذوي الإعاقة غالبا ما يرتكز في المدن، ويقل في المجتمعات الصغيرة، مستنداً في ذلك إلى المشاهدات اليومية لتمركز أنشطة عمل الأطفال ذوي الإعاقة. ويعزو ذلك لإمكانية وسهولة التنقل في المدينة، وتحرر أسر الأطفال ذوي الإعاقة في المدن من الوصمة المجتمعية، التي قد تلاحقهم جراء إقحام أطفالهم في سوق العمل.

 بحسب "التقرير السنوي حول أوضاع سوق العمل الأردني والحقوق العمالية 2024"، الصادر عن المركز الأردني لحقوق العمال (بيت العمال)، فإن الأطفال في الأردن ينشطون في عدة قطاعات رئيسية، يصعب ضبطها رقابياً، يأتي في مقدمتها قطاع الزراعة، يليه قطاع التجارة، ومن ثم قطاعي الصناعة والبناء على التوالي.




 
271 ألف طفل ذوي إعاقة خارج النظام التعليمي في الأردن

يُفيد المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن عدد الأطفال ذوي الإعاقة في سن التعليم (6-16 عام) وصل إلى 300 ألف.

 في المقابل، يبين "التقرير السنوي لسير العمل في البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي 2023-2025" أن عدد الطلبة ذوي الإعاقة الملتحقين بالمؤسسات التعليمية في العام الدراسي (2023-2024) بلغ 28.6 ألف طالب وطالبة. ما يعني أن 271.4 ألف طفل ذوي إعاقة محرومون من حقهم في التعليم، ومهددون بالالتحاق في سوق العمل.
 

قصة هذا الحرمان يتحدث عنها زياد (47 عاماً) الجالس خلف بسطة لبيع الفستق في إحدى الشوارع الرئيسية.  يروي زياد كيف ترك المدرسة، وبدأ العمل في نقل الخضار باستخدام كرسيه المتحرك، ويفسر ذلك بحزن قائلاً: "إذا ما درستش وما توفقتش بالدراسة بدك تضطر تشتغل".


انتقل زياد بعدها للعمل في بيع الدخان والقهوة، وأثر وجوده في سوق العمل في سماعه للكثير من الإساءات "يا مكرسح، يامقعد"، لكنه يستدرك قائلاً "عادي شغلات أخذنا عليها وعلى كبر تعودنا ".

 يُبدي ندمه لتركه المدرسة، مرجعاً ذلك إلى قلة كفاءة وتهيئة المدارس الحكومية، مضيفاً "كان صفي طابق ثاني وكنت بغلب أهلي بالروحة والجية".

هذا المصير المؤلم الذي يواجه زياد اليوم، ينتظر 271 ألف طفل ذوي إعاقة في المستقبل القريب، إذا استمر حرمانهم من التعليم، وإهمال تهيئة المدارس الدامجة، والتقاعس عن تفعيل برامج إعادة دمج المتسربين من المدارس.



من مقاعد الدراسة إلى جحيم العمل

ترى الباحثة في علم الاجتماع، الدكتورة فاديا الإبراهيم، أن حرمان الأطفال ذوي الإعاقة من حقهم في التعليم، يغير النظر الاجتماعية والأسرية تجاههم، ليصبح ينظر إليهم باعتبارهم "غير منتجين"، مما يقودهم قسراً إلى جحيم سوق العمل.
وتقول إن انخفاض سقف التوقعات من الأطفال ذوي الإعاقة، تعيد تعريف النجاح لديهم، ليقتصر في القدرة على الكسب، وتدفع بهم نحو أعمال بسيطة، غالباً ما تكون غير آمنة ولا تراعي طبيعة الإعاقة.

وتضيف أن الضغوط الاقتصادية تدفع أسر الأطفال ذوي الإعاقة نحو إشراكهم في سوق العمل، للمساهمة في تخفيف الأعباء المالية، في ظل سيطرة نظرة اجتماعية تبرر عمل الأطفال ذوي الإعاقة تحت شعار "تعليمه الاعتماد على النفس"،  مشيرةً إلى أن هذه التبريرات، تُخفي وراءها تبريراً للاستغلال، وتُسهم في إعادة إنتاج دائرة الفقر على الطفل ذوي الإعاقة وأسرته.
 وفقاً للدكتورة ميسون العتوم، أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، فأن  الطفل حينما يُدفع مبكراً إلى سوق العمل يفقد أهم مورد اجتماعي يمكن أن يغير موقعه الطبقي لاحقاً، وهو التعليم، وبدل أن تتحول الإعاقة إلى حالة يمكن تعويضها بالمعرفة والتأهيل والحماية، تتحول إلى عامل تثبيت للهشاشة.

وتكمل حديثها بالإشارة إلى أن الأسر تنظر لعمل الطفل ذوي الإعاقة، وكأنه تخفيف لعبء اقتصادي آني، لكنه على المدى المتوسط والبعيد يراكم أعباء مضاعفة؛ لأن الطفل يدخل مرحلة الرشد دون مهارات ودون قدرة على الاندماج في سوق العمل النظامي، لتبقى الأسرة ومن ثم الجيل التالي، داخل الحلقة نفسها من الفقر، ويتحول عمل الطفل من استثناء اضطراري إلى نمط موروث اجتماعياً.


وتتابع  أن الحرمان من التعليم يجعل الطفل يكتسب أنماط خضوع وتكيف مع الهشاشة، ومع التقدم في العمر، تتآكل قدرته على العمل، خاصةً في ظل الإعاقة، فيجد نفسه خارج أي مسار إنتاجي معترف به، وليسهم المجتمع بذلك في تحوّيل الطفل مبكراً من مشروع ذات فاعلة وقادرة على الإسهام، إلى حالة إعالة دائمة.
 

 

مضاعفات جسدية وتشوهات نفسية

الدكتور عبدالله العجارمة، المتخصص في الرعاية الصحية الأولية، يقول إن الأطفال ذوي الإعاقة يتعرضون في العمل، لإجهاد بدني مرتفع، يسبب لهم آلام مزمنة، وذلك لأنهم يبذلون جهداً مرتفعاً لإثبات أنفسهم وإنجاز ما يطلب منهم، وهذا يؤدي بدوره  إلى مخاطر صحية ونمط حياة أقل جودة. ويؤكد أن حالتهم الصحية بمرور الوقت تتفاقم، وقد تطرأ لهم حالات مرضية جديدة.

فيما يرى الطبيب في مستشفى الأميرة بسمة، الدكتور ماجد دويري،  أن الضغط الجسدي في بيئة عمل غير المهيأة من شأنه أن يحول الإعاقة المستقرة إلى حالة متدهورة، بسبب الألم المزمن والإجهاد الحسي وزيادة الحوادث التي يتعرض لها الأطفال ذوي الإعاقة.

ويبين دويري أن ظروف بيئة العمل غير المهيأة،  تقلل من إدراك التحذير وسرعة التجنب، فتزيد احتمالية الحوادث والإصابات عند الأطفال ذوي الإعاقة، بسبب الصعوبات المعرفية التي تؤثر في تقدير الخطر واتخاذ القرار السريع، إلى جانب الضعف الحسي الذي يمنعهم من سماع الإنذرات ورؤية المخاطر، بالإضافة إلى الإعاقات الحركية التي  تحد من سرعة الاستجابة أو الهروب من الموقف الخطر.

ويضيف أن غياب التكييفات والتدريب المناسب، يؤدي إلى حدوث إصابات تسهم في تدهور حالة الإعاقة. مشيراً إلى أن العمل الشاق قد يؤدي بالأطفال ذوي الإعاقة إلى سوء في التغذية وضعف في المناعة، ما يزيد من خطر تعرضهم للأمراض المزمنة على المدى البعيد.

ولا يتوقف آثار عمل الأطفال ذوي الإعاقة عند المضاعفات الجسدية، بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والإدراكية للطفل. الدكتور علاء الفروخ، استشاري الطب النفسي، يقول إن  التحاق الأطفال ذوي الإعاقة في سوق العمل، وتعرضهم للتنمر والتحرش، من شأنه أن يتسبب في مشاكل نفسية خطيرة، وفي مقدمتها القلق والتوتر واضطراب ما بعد الصدمة.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بحسب الفروخ، الذي يشير إلى تفاقم المضاعفات النفسية، إذ يؤدي التعامل المسيء في بيئة العمل، بحق الأطفال ذوي الإعاقة، إلى ضعف الثقة بأنفسهم، كما يؤدي أيضاً إلى ضعف ثقتهم بالآخرين، بسبب عدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم.

ويضيف إنه إذا كانت بيئة العمل لا تناسبهم، وتفوق قدراتهم النمائية والمعرفية، وتفتقر إلى الدعم والتشجيع، سيشعر الأطفال بتدني تقدير الذات، وتشوه صورتهم أمام الذات، وتمتد لكره الذات، بسبب المقارنة مع الآخرين، وخصوصاً مع أقرانهم، الذين يمتلكون قدرات أكثر، مما يجعلهم يدخلون في حالة من الإحباط.

ويتابع بأن تعرض الأطفال ذوي الإعاقة للاستغلال، والعمل لساعات طويلة في أعمال تفوق قدراتهم، بدون تقديم الدعم والتتشجيع، وبدون الحصول على  أجرٍ مجزيٍ مقارنةً بغيرهم، يسهم في دخولهم لحالة من الاكتئاب، والتي قد تسوء إلى اكتئاب شديد، وربما تؤدي في نهاية المطاف إلى الانتحار.

 

هل يكفي قانون العمل لحماية الأطفال ذوي الإعاقة؟
الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل، محمد الزيود يقول إن المادة (73) من قانون العمل تنص على أنه لا يجوز بأي حال تشغيل الحدث الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور.

 ويضيف أن المادة (74) من القانون ذاته، تنص على  أنه لا يجوز تشغيل الحدث الذي لم يكمل الثامنة عشرة من عمره في الأعمال الخطرة أو المرهقة أو المضرة بالصحة. فيما لم يتطرق قانون العمل صراحةً لحالات عمل الأطفال ذوي الإعاقة.

بالمقابل، يشير المحامي عمر مهيدات أنه عند التعامل مع حالة عمل الأطفال ذوي الإعاقة فإننا نغادر مربع "المخالفات العمالية" لندخل في دائرة "الجنايات الخطرة"، لأن وجود الإعاقة يغير من طبيعة الوصف الجرمي تغييراً جذرياً.

ويبين أن المادة 3 من قانون منع الاتجار بالبشر، عرفت جرائم الاتجار بالبشر بأنها "استقطاب الأشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بغرض الاستغلال"، وأورد المشرع  صوراً لهذا الاستغلال، ومنها "استغلال حالة الضعف"، وهي الأكثر انطباقاً على حالة عمل الأطفال ذوي الإعاقة.

ويوضح أن الطفل يمثل حالة ضعف قانونية وواقعية؛ نظراً لعدم اكتمال أهليته ونضجه، في حين أن الطفل من ذوي الإعاقة يعيش تحت ضعف مركب ومزدوج؛ ضعف الصغر وضعف الإعاقة، ما يقودنا إلى اعتبار أن استغلال الأطفال ذوي الإعاقة يعد اتجاراً بالبشر، متى ما توافر القصد الجنائي المتمثل في "نية الاستغلال".

أما عن تفسير "استغلال حالة الضعف"، فيرى مهيدات أن المشرع لم يحصرها في نطاق ضيق، بل تركها مرنة لتستوعب كل حالة لا يملك فيها المجني عليه خياراً سوى الخضوع للاستغلال، والطفل ذوي الإعاقة بحكم تكوينه وظروفه، تنعدم قدرته على المقاومة أو الرفض أو حتى إدراك طبيعة الاستغلال الواقع عليه.

وينوه إلى  أن تشغيل طفل ذي إعاقة لا يُنظر إليه على أنه مجرد خرق لساعات العمل أو ظروفه، بل يُكيف قانوناً على أنه "جناية اتجار بالبشر"، إذ يعد استغلال الإعاقة -حالة الضعف- الركن المادي الذي يقوم عليه البنيان القانوني للجريمة، وهذا الاستغلال من شأنه أن يخرج الواقعة من إطار الحماية العمالية التنظيمية إلى إطار الحماية الجنائية الردعية.
 

 المحامي كمال المشرقي، الخبير في مجال آليات الحماية الدولية، يصف أن التحدي العملي في السياق الوطني الأردني، يتمثل في حسن التكييف القانوني والتطبيق الفعلي لهذه النصوص على أرض الواقع، ويضيف أن  اختزال عمل الأطفال ذوي الإعاقة في مجرد "مخالفة عمالية"، قد يؤدي إلى إغفال أبعاد الحماية وحقوق الإنسان.

ويوضح المشرقي أنه بناءً على التزامات الأردن الدولية فإن العمل الذي يعد قانونياً أو غير خطر بالنسبة لطفل غير ذي إعاقة، قد يشكل بالنسبة لطفل ذي إعاقة خطراً مضاعفاً أو صورةً من صور الاستغلال، وهو ما يفرض تفسيراً وقائياً موسعاً لأحكام قانون العمل.

ويشدد على  أن معيار العمل الخطر لا يمكن تفسيره بشكل يقتصر على طبيعة المهنة أو القطاع، بل يجب أن يُفهم في ضوء الخصائص الفردية للطفل، بما في ذلك نوع الإعاقة وحدتها، وتأثير العمل على القدرات الجسدية والنفسية للطفل، ومدى انعكاس ذلك على حقه في التعليم والنمو السليم.

ويخلص المشرقي إلى أن اختزال حالة عمل الأطفال في توصيفها كأنها مخالفة لقانون العمل، يُفرغ النصوص من غايتها وهي الحماية، في حين أنه عند توافر العناصر الأساسية للفعل والوسيلة والغاية، يمكن تكييفها على أنها جريمة اتجار بالبشر تستوجب المساءلة الجزائية المشددة وتفعيل منظومة حماية الضحايا.

وعلى مستوى السياسات والاستراتيجيات الوطنية، فقد أطلقت الأردن الاستراتيجية الوطنية للحد من عمل الأطفال (2030-2022) والإطار الوطني للحد من حالات الأطفال العاملين والمتسولين (2020)، بالإضافة إلى إقرار تعديلات قانون حقوق الطفل لعام 2022، لكنها جميعها تخلو من الإشارة إلى ظاهرة عمل الأطفال ذوي الإعاقة.


عمل الأطفال ذوي الإعاقة في التشريعات الدولية

يوضح المحامي كمال المشرقي، أن الاتفاقيات الدولية تنطلق من مقاربة حقوقية مزدوجة عند تناول مسألة عمل الأطفال ذوي الإعاقة، تقوم على مفهوم ومبادئ الحماية، إضافةً إلى منع الاستغلال، وليس فقط على تنظيم العمل.

ويرى المشرقي أن اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، قد اعترفتا بحق الأطفال ذوي الإعاقة في التمتع  بحياة آمنة وكريمة، وحقه في في الحماية من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل خطير أو قد يؤثر على مسيرته التعليمية، أو يضر بصحته أو نموه البدني أو العقلي أو الاجتماعي. 

وعلى مستوى معايير العمل الدولية، تحظر اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (182) بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال، أي عمل من شأنه استغلال الأطفال أو تعريض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، بحسب المشرقي.

ويؤكد أن الاتفاقية رقم (138) بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، قد اشترطت بأن لا يقل سن العمل عن سن إتمام التعليم الإلزامـي، وينوه  إلى أن الاتفاقية أشارت إلى  أن أي استثناءات يجب أن تُفسر تفسيراً ضيقاً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال ذوي الإعاقة.

 ويبين أنه عند مقاربة هذه الاتفاقيات على الأطفال ذوي الإعاقة، فإن معيار "الضر" يصبح أوسع وأشد صرامة؛ نظراً لن هذه الفئة هي من الفئات المستضعفة والأكثر عرضةً للإقصاء والتهميش والتمييز التي قد تنشأ عن الإعاقة ذاتها أو عن البيئة المحيطة.

الرقابة في مهب الريح

أظهرت مراجعات منظمة العمل الدولية خلال الأعوام الأخيرة عدداً من أوجه القصور في الاستجابة الوطنية للحد من ظاهرة عمل الأطفال، من بينها عدم شمول بعض الفئات في آليات الرقابة ، بالإضافة إلى التأخر في تطوير قاعدة بيانات وطنية موحدة لإدارة الحالات، بحسب المركز الأردني لحقوق العمال (بيت العمال).

وعلى المستوى المحلي، ينتقد حمادة أبو نجمة اعتماد الحكومات على توفر التمويل الدولي لإجراء مسح لعمل الأطفال، ويؤكد أن بدون التمويل لا يوجد جهة من شأنها القيام بهذه المهمة، ويحذر من عدم وجود
 وجود مؤشرات أو نوايا لإجراء مسح جديد، مما يجعل الحكومة تتهرب من مسؤوليتها والتزاماتها الحقيقية، تجاه ظاهرة عمل الأطفال، وخاصةً الأطفال ذوي الإعاقة.

كما تظهر بيانات وزارة العمل مفارقات صادمة بين الانتشار الكبير لظاهرة عمل الأطفال في الأردن، وبين القدرة على الضبط والرقابة؛ فخلال الـ11 شهراً الأولى من عام 2025، نفذت الوزارة حملات تفتيشية وزيارات دورية ل 6217 منشأة، لكن هذه الجولات لم تسفر إلا عن ضبط 179 حالة عمل أطفال، وهي حصيلة لا تتجاوز 0.00179% من إجمالي الأطفال العاملين، وفقاً للتقديرات الأخيرة.


كما تشير الأرقام  إلى غياب ثقافة الإبلاغ، فعلى الرغم من توفر منصات إلكترونية لتلقي الشكاوي، إلا أن الوزارة لم تتلق  خلال ال 11 شهراً الأولى من العام الماضي سوى 28 بلاغاً عن حالات عمل الأطفال، واستقبلت 55 بلاغاً في عام 2024، و126 بلاغاً في عام 2023.

 هذا التباين الحاد يعزوه "تقرير بيت العمال بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال 2025"  إلى ضعف الوعي المجتمعي بخطورة هذه الظاهرة وآثارها السلبية أو ضعف المعرفة بآليات التبليغ أو انعدام الثقة في جدوى الإجراءات اللاحقة.

من جانبها تُرجع الصحفية نادين النمري قلة ضبط حالات عمل الأطفال إلى تشتت المهام بين وزارة العمل ووزارة التنمية الاجتماعية، إذ تقوم وزارة العمل بضبط الأطفال العاملين في المنشآت، فيما تترك مهمة ضبط الأطفال العاملين لحسابهم الخاص لقسم عمل الأطفال في وزارة التنمية الاجتماعية، مما يخلق منطقة رمادية تضيع فيها حقوق الكثير من الأطفال.

ويخلص تقرير بيت العمال، إلى أن مستوى الرقابة الحالية يعكس محدودية القدرات المؤسسية في إلى أماكن تشغيل الأطفال، ما يشير إلى خلل في تصميم وتوزيع موارد التفتيش وغياب أدوات رقابية متخصصة في الوصول للقطاعات عالية الخطورة والخدمات غير المنظمة.
ولإنقاذ الأطفال ذوي الإعاقة من جحيم الواقع الذي يفتك بهم وبأسرهم وبمستقبلهم، فإنه بات من الضروري اعتبار ظاهرة عمل الأطفال أولوية وطنية، تستدعي تفعيل مختلف التدخلات التشريعية والرقابية والتعليمية والاجتماعية، لحماية هذه الشريحة من الموت البطيء الذي ينتظرها.

الطريق إلى المجهول 

بدون التصدي لظاهرة عمل الأطفال ذوي الإعاقة، فإننا سنحكم على مستقبل كرم وراشد وغيرهما بالانتحار، وسنجعل مستقبلهم مظلم وموحش، مثل الواقع الذي يكابده سالم وزياد اليوم. وبين كل هذا يظل سؤال المستقبل محفوف بالقلق، إذ كيف سيكون مستقبل هؤلاء الأطفال؟ وكم سندفع أثمان باهظة لتفادي انفجار هذه القنبلة الموقوتة؟
__________________________________
الأسماء الواردة في هذا التقرير مستعارة