معضلة هرمز: كيف تعيد حرب إقليمية تشكيل العالم نحو عدم الاستقرار العالمي

تحليل نقدي - السفير البروفيسور الدكتور مانويل حساسيان

البرنامج النووي الإيراني. وقد أصبح هذا الصراع محور اهتمام استراتيجي في الشرق الأوسط. فمن جهة، تنظر إسرائيل إلى احتمال امتلاك إيران لسلاح نووي باعتباره تهديدًا وجوديًا ومباشرًا، وتُعدّل معاييرها الأمنية وفقًا لذلك. ومن جهة أخرى، تُفسّر الولايات المتحدة الصراع من منظور عدم انتشار الأسلحة النووية، مُشدّدةً على المعايير التنظيمية الدولية بدلًا من المخاوف الأمنية الإقليمية. وفي عام ٢٠١٥، شكّل انهيار الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) نقطة تحوّل حاسمة، إذ رفع القيود السابقة المفروضة على القدرات النووية الإيرانية. ونتيجةً لذلك، سارعت إيران في تخصيب اليورانيوم، ولم تعد ملتزمة بالتعاون الدولي، مما فاقم التوترات والمخاوف.

بطبيعة الحال، لطالما اعتبرت إسرائيل النظام الإيراني تهديدًا وجوديًا لأمنها. وفي هذا السياق، يُبرز دور الولايات المتحدة في هذا الصراع الثلاثي على النفوذ مصالح استراتيجية متعددة ومتنوعة، تقوم على ضمان التدفق المستمر للنفط بأسعار معقولة، والسيطرة على القوى الإقليمية تحت مظلتها. ومع ذلك، فإن الهدف الأساسي هو تعطيل المنشآت النووية الإيرانية وإيقاف أي تطوير محتمل لها. علاوة على ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى تهدئة الوضع ومنعه من الانزلاق إلى حرب عالمية، وتجنب انهيار منطقة الخليج، وحماية مصالح حلفائها، وتأمين ممر مائي آمن، لا سيما مضيق هرمز. ومن الجوانب المهمة الأخرى الحفاظ على تدفقات الطاقة العالمية، وخاصة عبر باب المندب ومضيق هرمز، الذي يُعدّ نقطة اختناق رئيسية وممرًا حيويًا لما يقرب من خُمس تجارة النفط الدولية. أي اضطراب جيوسياسي على هذا الممر الحيوي يُحدث تداعيات تؤثر على المشهد العالمي والهياكل السياسية المحلية في الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس بوضوح على أسعار البنزين. يؤدي هذا التفاعل بين الأبعاد والعوامل إلى تحويل الصراع من قضية إقليمية بحتة إلى كارثة اقتصادية عالمية. ونتيجة لذلك، يصبح التضخم المتصاعد، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وأقساط التأمين، وأزمة الائتمان أمراً لا مفر منه.

أثبتت الحرب الإيرانية أنها أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا مما كان متوقعًا، لكنها انتهت بفشل ذريع. وبسبب هذا التأخير، أصبحت الحاجة إلى دعم دولي أوسع أولوية، لا سيما من الاتحاد الأوروبي، مما كشف عن عيوب تكتيكات تغيير الأنظمة. ويُظهر ارتفاع أسعار النفط وتقلبات تحليل التكلفة والعائد العقبات الاقتصادية الجسيمة المرتبطة بالصراع. ويمكن تقييم الحرب من خلال أربعة مجالات مختلفة - الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية - مما يُظهر نتيجة غير متكافئة. وبينما لم يُحسم بعدُ منتصر واضح، فقد تكبدت جميع الأطراف المعنية خسائر فادحة.

لقد تكبدت إيران خسائر فادحة، شملت استنزافًا عسكريًا، لا سيما تدهور المنظمات الوكيلة وانهيار عماد ترسانتها، فضلًا عن العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها نتيجة تقلبات العملة وتوقف صادرات النفط، ناهيك عن قدراتها العسكرية الرادعة. وعلى الصعيد المحلي، يواجه الشعب الإيراني صعوبات، لكنها لا تُهدد بأي شكل من الأشكال الوضع الراهن للنظام وسيطرته على السلطة. أما على الصعيد الاستراتيجي، فتخضع إيران لمراقبة دقيقة. في المقابل، تكتسب إيران بعض المزايا الخفية: إذ تحافظ على سلامة النظام الحاكم، مما يعزز روايتها السائدة كقوة هائلة تُعارض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ويُضفي الشرعية على شبكاتها الوكيلة، ويُرسخ مكانتها الدفاعية والردعية.

يشير تقييم أكثر شمولاً إلى أن إيران تتكبد خسائر عسكرية واقتصادية جسيمة، بينما تحقق في الوقت نفسه مكاسب معنوية في الرأي العام الإقليمي. في المقابل، تُثقل كاهل الولايات المتحدة أعباء عسكرية ومالية، إلى جانب مخاطر تصعيد أوسع، وضغوط سياسية داخلية، واحتمال تضرر صورتها على الساحة الدولية. ومن الجوانب الإيجابية، تتمتع الولايات المتحدة بتحالف قوي مع إسرائيل ودول الخليج، فضلاً عن جبهة ردع محصنة، بينما تعمل في الوقت نفسه على كبح النفوذ والتبجح الجيوسياسي الذي تمارسه إيران في الشرق الأوسط.

يُظهر موقف إسرائيل الازدواجية نفسها. فهي تواجه تحديات أمنية على جبهات متعددة (لا سيما من حزب الله والحوثيين)، وتراجعاً في قطاع السياحة، وفقداناً لثقة المستثمرين، وتعرضاً للبنية التحتية المدنية لخطر القصف العسكري، وضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي. وفي الوقت نفسه، تستفيد من دعم أمريكي ثابت، وقدرات دفاعية معززة، وتنسيق استخباراتي مُحسّن، في الوقت الذي تستهدف فيه مواقع استراتيجية إيرانية رئيسية.

يتجاوز الصراع الأطراف المتحاربة الرئيسية، مُحدثاً تداعيات واسعة النطاق على الصعيدين الإقليمي والدولي. تشمل هذه التداعيات تصاعد الاضطرابات الإقليمية، وتقلبات أسعار الطاقة، وعدم استقرار التجارة العالمية، وتزايد التهديدات الإنسانية. كما توجد تداعيات غير متوقعة عديدة تُعاني منها جهات دولية أخرى. فعلى سبيل المثال، تجني روسيا أرباحاً طائلة من ارتفاع تكاليف الطاقة، وتستغل تحول اهتمام الولايات المتحدة عن الحرب الأوكرانية لتحدي النفوذ الغربي. علاوة على ذلك، تُرسّخ الصين مكانتها كوسيط دبلوماسي محتمل، وتضمن لنفسها الوصول غير المقيد إلى صفقات طاقة حصرية. وفي السياق نفسه، تستمر الجهات الفاعلة غير الحكومية في تعزيز نفوذها، مُستغلةً قوتها التفاوضية في هذا السوق المضطرب، مما يُشوّه الديناميكيات التقليدية. إضافةً إلى ما ذُكر سابقاً، تُهدد القضية الفلسطينية بالتهميش السياسي دون إحراز تقدم حقيقي وملموس على أرض الواقع. في المجمل، لا يوجد فائز حاسم في هذه المرحلة.

يُعيد هذا الصراع تشكيل المشهد الإقليمي في سياق الصراع على النفوذ. ويمكن تمييز معسكرين ناشئين: محور أمني يضم الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج (يشمل السعودية والإمارات والأردن ومصر)، وكتلة منافسة تتمحور حول إيران ووكلائها (بما في ذلك حزب الله والجماعات المتحالفة معه في العراق وسوريا واليمن). ويعكس هذا التفاعل ديناميكية شبيهة بحرب باردة في المنطقة. ويتحول دور إسرائيل إلى ذراع عسكرية مركزية ضمن منظومة الأمن الإقليمي الأمريكية، بالتزامن مع تعميق العلاقات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية مع دول الخليج. وفي الوقت نفسه، يبدو أن النظام الدولي الأوسع يشهد تحولاً جذرياً من بنية أحادية القطب تهيمن عليها الولايات المتحدة إلى واقع متعدد الأقطاب أكثر تشتتاً، يتألف من كتل متداخلة.

تُضيف ضرورات استراتيجية أخرى بُعدًا آخر للمسألة. تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من نفوذ روسيا والصين، ومنع وجودهما الدبلوماسي المستمر وتوسعهما العسكري. وتسعى إسرائيل باستمرار إلى مواجهة أهداف إيران النووية وإضعاف شبكاتها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك حزب الله وحماس. تتشابك هذه الاعتبارات المهمة مع القضية الفلسطينية وتُعيد صياغتها، لتصبح جزءًا من صراعات إقليمية أوسع. ورغم اكتساب القضية الفلسطينية حضورًا دوليًا متجددًا، فلن يتحقق أي تقدم سياسي ملموس لحل هذا الصراع إلا من خلال مسار دبلوماسي مستقل وجاد، يشمل مشاركة سياسية من جانب إسرائيل.

تتجاوز التداعيات المباشرة للحرب الإيرانية البُعدين الإقليمي والعالمي. ففي الشرق الأوسط، يُؤدي زعزعة الاستقرار على نطاق واسع وتزايد نشاط الوكلاء في جبهات ثانوية في لبنان وسوريا والعراق واليمن إلى تفاقم خطر امتداد آثارها بشكلٍ كبير. ويشهد النظام الأمني لدول الخليج عسكرةً مكثفة، بينما تُبقي التهديدات المستمرة لخطوط الشحن في الممرات البحرية الحيوية أسواق الطاقة العالمية في حالة اضطراب. وعلى الصعيد العالمي، تُؤجّج الأزمة التنافس الجيوسياسي بين القوى العظمى، حيث تستغل روسيا والصين حالة عدم الاستقرار لتوسيع نفوذهما الاستراتيجي والدفع نحو ترتيبات أمنية بديلة، في محاولةٍ لاحتواء الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

أما الآثار الاقتصادية فهي بالغة الخطورة. إذ تؤدي تقلبات أسعار الطاقة إلى ارتفاع التضخم العالمي، مما يُلقي عبئاً ثقيلاً على الدول التي تعتمد على الاستيراد، ولا سيما أوروبا ودول الجنوب العالمي. كما أن اختناقات سلاسل التوريد، وخاصة في منطقة الخليج، تُفاقم الضغط على السوق العالمية الهشة أصلاً. وفي الوقت نفسه، وعلى الصعيد المؤسسي، تُقوّض الحرب مصداقية المؤسسات متعددة الأطراف كالأمم المتحدة، وتُضعف المعايير القانونية الدولية المتعلقة بعدم التدخل والسيادة، بينما تُشجع في الوقت نفسه على احتمالية انتشار الأسلحة النووية. وبشكل عام، تُشير هذه التحولات إلى أن الحرب الإيرانية لم تعد شأناً إقليمياً فحسب، بل تحولت إلى كارثة جيوسياسية هائلة هزّت العالم بأسره، إذ تُسرّع من وتيرة التشرذم والحروب بالوكالة، وتُفاقم عدم الاستقرار، وتُحوّل الترابط إلى سلاح، حيث تُستخدم الطاقة والتمويل وخطوط الشحن كأدوات سياسية للإكراه.

في نهاية المطاف، تحمل الحرب الإيرانية تداعياتٍ بالغة الأهمية على النظام المالي العالمي المعاصر، ولا سيما مستقبل البترودولار الغامض. فبدلاً من تغيير جذري مفاجئ للنظام العالمي، نشهد تحولات تدريجية وهيكلية، تتجلى في ظهور العملات الرقمية، وأنظمة التسوية الإقليمية الجديدة، وتجارة الطاقة متعددة العملات (الدولار الأمريكي، واليوان الصيني، واليورو). ومن خلال تبني مناهج مالية أكثر تنوعاً، والحفاظ على علاقات أمنية مع واشنطن، وقنوات دبلوماسية واقتصادية مع بكين، يتكيف منتجو الطاقة في الخليج مع المشهد المتغير للتحوط من المخاطر الجيوسياسية التي تفرضها الحرب. وباختصار، تُعد الحرب محفزاً رئيسياً للاتجاهات الانتقالية الجارية نحو التفكك العالمي، والمنافسة متعددة الأقطاب الشديدة، وإعادة تشكيل الديناميكيات الإقليمية.

هناك حاجة لاتخاذ خطوات فورية من أجل إنهاء معقول للحرب، والتي تشمل على سبيل المثال لا الحصر: احتواء الأعمال العدائية جغرافياً في لبنان/سوريا/العراق/اليمن، وحماية التجارة البحرية، والحفاظ على ممرات الشحن المرتبطة بالخليج، والتزامات من جميع الأطراف لتجنب الهجمات على البنية التحتية الحيوية للطاقة، ومفاوضات منظمة ذات مسارين تحت وساطة محايدة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وخفض التصعيد النووي بتيسير من المنظمات الدولية، وحوار مفتوح من أجل مسار أمني إقليمي يشمل دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

من المرجح أن تنهار المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، التي توسطت فيها باكستان، بسبب انقسامات هيكلية عميقة لا بسبب خلافات تكتيكية بسيطة. ولا تزال قضايا رئيسية عالقة خلال هذه المفاوضات، التي تزداد تعقيدًا بسبب الصراع الحالي بين إسرائيل ولبنان، فضلًا عن التوترات البحرية في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة. وإذا فشلت الدبلوماسية فشلًا ذريعًا، لا سيما إذا فرضت إيران قيودًا على طرق الشحن، فإن احتمال التصعيد العسكري سيُعيق بشدة إمدادات الطاقة وسلاسل التجارة الدولية. وسيُوقع هذا الفشل الذريع الأطراف الإقليمية في مأزق أمني لا مفر منه، حيث يفوق خطر الخطأ الاستراتيجي أي فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام. اقتصاديًا، سيؤدي ذلك إلى موجة من التداعيات النظامية التي ستستمر لسنوات قادمة: ارتفاع أسعار النفط، وضغوط مالية، وارتفاع تكاليف تأمين الشحن، وركود النمو، وارتفاع التضخم الذي سيؤدي حتمًا إلى انهيار اقتصادات رئيسية تعتمد على الطاقة.

لقد أثبت التاريخ أن الحل العسكري ليس حلاً مستداماً على المدى الطويل؛ لذا، بات من الضروري اتباع استراتيجيات بديلة لإنهاء المأزق الراهن. أحد هذه الاستراتيجيات هو خطة الواحة، التي تُعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية والتعاون بين الأطراف المتنازعة. يمكن لخطة الواحة أن تُسهم في عملية خفض التصعيد من خلال تحويل الحوافز من صراع ذي محصلة صفرية إلى مكاسب اقتصادية مشتركة عبر مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق، لا سيما في مجالات المياه والطاقة وتطوير البنية التحتية. ومن خلال تحسين سبل العيش وتعزيز التعاون بين الدول، يُمكنها خلق بيئة من التعاون التام والاعتماد المتبادل في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يُرسي الأسس العملية لدبلوماسية مستدامة وسلام دائم. عموماً، من خلال الشراكة الاقتصادية المتبادلة والحوار السياسي، قد يُفضي الخلاف العميق بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى اتفاق يدعم القوانين الإنسانية الدولية ويضع النظام الاجتماعي والسياسي الجديد في سياقه الصحيح. في حين أن الحروب لا تُقدم سوى حلول سريعة مؤقتة، إلا أنها لا تُساهم في استدامة السلام والنظام. لن يتم حل قضايا النزاع إلا من خلال الحوار المتبادل والمفاوضات الجادة، مع تقديم تنازلات مؤلمة يجب على الأطراف المتنازعة التعايش معها وتحملها.