قراءة الحرب بين الصلوات والصواريخ


في لحظات التوتر الكبرى، لا تبدأ الحروب بصوت المدافع. أحياناً تبدأ بلحظة صمت، أو دعاء، هكذا بدا المشهد حين ظهر الرئيس الأمريكي محاطاً بالقساوسة داخل البيت الأبيض. لم يكن مجرد صلاة عابرة في دولة تفصل دستورياً بين الدين والسياسة، بل كان صورة رمزية تختصر سؤالاً أعمق: كيف تُقرأ الحرب في العقول التي قد تخوضها؟ وما يبدو قراراً عسكرياً في واشنطن قد يُقرأ في طهران كفصل جديد في حكاية أطول من عمر المعارك.
في المخيلة السياسية الأمريكية، الحرب غالباً قرار عملي قبل أن تكون سردية تاريخية. إنها أداة ضمن أدوات الدولة، تُفتح عندما تضيق خيارات الدبلوماسية وتُغلق حين يتحقق الهدف أو تتصاعد الكلفة.
لقد غيّرت تجربتا حرب العراق وأفغانستان كثيراً من نظرة الأمريكيين للحروب. فبعد عقدين من الصراعات الطويلة، لم يعد السؤال الأول في النقاش العام: هل تستطيع الولايات المتحدة الانتصار؟ بل هل يستحق الانتصار ثمنه؟
الأمريكي، الذي يعيش في ظل أقوى آلة عسكرية في التاريخ الحديث، لم يعد يرى الحرب بوصفها مغامرة مجيدة، بل عملية حسابية معقدة. كم ستكلف؟ كم ستستمر؟ وما الذي ستجنيه البلاد منها؟ وبين هذه الأسئلة تتراجع الحماسة القديمة للحروب البعيدة تحديداً في الشرق الأوسط المرتبط في الذاكرة والذهنية الأمريكية بالاستنزاف والكثير من الفقد غير المبرر. ولأن المجتمع الأمريكي ليس كتلة واحدة، فكل حرب محتملة تفتح نقاشاً داخلياً يعكس طبيعة الديمقراطية الأمريكية نفسها.
هناك تيار يؤمن بأن القوة يجب أن تُستخدم لحماية الردع الأمريكي في العالم، وتيار أكثر حذراً، يعتقد أن الشرق الأوسط استنزف واشنطن سياسياً ومالياً بل وبشرياً، وأن الوقت قد حان لتقليل الانخراط العسكري. وبين الاثنين يظهر تيار ثالث يميل إلى العزلة النسبية، مؤمناً بأن قوة الولايات المتحدة تكمن في اقتصادها واستقرارها الداخلي أكثر من مغامراتها الخارجية. وفي هذا التوازن الدقيق حاول الرئيس الجمع بين خطاب القوة والرغبة في تجنب الحروب الطويلة، وهي معادلة سياسية صعبة في بلد يملك قوة هائلة لكنه لم يعد متأكداً من جدوى استخدامها في كل مرة.
الصلاة التي أحاط بها القساوسة ترامب يمكن أن تُقرأ بأكثر من معنى.
من جهة، قد تكون لحظة دعاء تقليدية، اعتاد عليها التيار الإنجيلي المؤثر في السياسة الأمريكية والذي يستميل عاطفته الرئيس منذ فترة طويلة لضمان صوتهم الانتخابي. ومن جهة أخرى، محاولة لإضفاء بعد أخلاقي على قرارات قد تكون قاسية. ففي الثقافة السياسية الأمريكية، كثيراً ما تُقدم الحروب بوصفها دفاعاً عن قيم أو حماية لنظام عالمي، لا مجرد صراع على النفوذ.
في طهران، تبدو الصورة مختلفة. فالنظام لا يرى الصراع مع واشنطن مجرد خلاف سياسي، بل امتداداً لمسار تاريخي طويل.
تجربة الحرب الإيرانية- العراقية، التي استمرت ثماني سنوات، شكلت هذا الجزء العميق، فقد ترسخت خلالها فكرة أن الصمود الطويل قد يكون بحد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.
لذلك تميل القيادة الإيرانية، إلى تقديم أي مواجهة محتملة مع واشنطن باعتبارها اختباراً للإرادة لا مجرد معركة عسكرية. في هذا الخطاب، الزمن ليس عدواً بل حليف، فكلما طال الصراع، ازداد الاعتقاد بأن الخصم قد يتعب أولاً.
لكن المجتمع الإيراني كالأمريكي، ليس صوتاً واحداً، هناك من يرى في أي مواجهة مع الخارج دفاعاً عن السيادة الوطنية. وهناك مَن يرفض الضغوط الخارجية لكن يخشى كلفة الصراع. أما الطبقة الأكثر تأثراً بالضغوط الاقتصادية فترى في شبح الحرب عبئاً إضافياً فوق حياة يومية أصبحت أصعب مما كانت عليه.
التاريخ السياسي لإيران يشير إلى أن التنازلات لا تأتي بسهولة، لكنها تصبح ممكنة عندما يلتقي عاملان: ضغط اقتصادي شديد، وفرصة سياسية تحفظ للنظام صورته الداخلية. هذا ما ظهر في الاتفاق النووي، حيث قبلت طهران قيوداً على برنامجها النووي مقابل رفع جزء من العقوبات الدولية.
الأنظمة الأيديولوجية نادراً ما تتراجع تحت الضغط وحده، فهي تحتاج دائماً الى سردية لتقدمها لأتباعها بوصفها تسوية لا هزيمة.
المفارقة أن الطرفين، رغم اختلافهما الظاهر، يتشابهان في شيء واحد: كلاهما يفضل الحرب المحدودة على الحرب الشاملة. واشنطن لأنها تخشى التورط الطويل، وطهران لأنها تعرف أن الحرب الكبرى قد تهدد بقاء النظام نفسه.
في واشنطن تُحسب الحروب بالأرقام: الكلفة، الزمن، والمصالح.وفي طهران تُروى الحروب بالحكايات: الصمود، الكرامة، والذاكرة.
الأمريكي يسأل: كم ستكلف الحرب؟ والإيراني يسأل: كم سنصمد فيها؟
لكن في قلب هذا الصراع، يبدو أن كلا الطرفين أضاع بطاقة الخليج الذهبية، فبدلاً من الاستثمار بجسر الخليج بالوساطة، سارعت طهران بزج المنطقة في أتون مواجهة لا تخصها بشكل مباشر، وخسرت الطاولة الأقرب للمسار الدبلوماسي، بينما خسرت واشنطن سردية الثقة التي تمنحها لحلفائها، فلم تعد «معادلة الناتو» الخاصة بالدفع تؤتي أكلها في مسرح رأى العالم فيه ما يفعله الحليف الأمريكي من حماية.
في هذا التوازن الهش بين القرار السياسي والعسكري، المعادلة التي لم يحققها الطرفان تكمن في إدراك أن كل صاروخ يُطلق وكل قرار يُتخذ يكتب في سجل المنطقة حكومةً وشعباً قبل أن يكتب في كتب التاريخ.

*كاتبة إماراتية/ الخليج