حداد الأربعين يوماً... ما بين الخطاب الديني والنصّ المتخيل

الرابط المختصر

ما يزال هناك بعض الطقوس والشعائر، سواء كانت خلفيتها دينية، أو من عادات وتقاليد بالغة القدم، وأحد أهم هذه الطقوس أو الشعائر؛ الحزن، أو الحداد على الميت، أو المتوفى، ورغم أنّ دين الإسلام حرَّم إقامة طقس الحداد على ميت أكثر من ثلاثة أيام بعد وفاة الشخص، باستثناء المرأة/ الزوجة، في حال كان الميت رجلاً متزوجاً، والتي يجوز لها الحداد 40 يوماً، لكنّ الموضوع ما يزال محطّ اهتمام الناس؛ فنرى مثلاً أحد المهتمين ينشر سؤالاً على موقع "الإمام ابن الباز"، يقول: "بعض العامة بعد وفاة قريبٍ لهم بأربعين يوماً يقيمون ما تعارفوا على تسميته "الأربعين"، وفي هذه الأربعين، يقومون بدعوة الناس، ويقوم المدعوون بقراءة بعض الأذكار، وبعد تناول الطعام يقومون بتلاوة القرآن الكريم، ويدعون بثواب القراءة للميت، فما حكم الشرع في هذا الفعل: هل هو جائز أم هو محرم؟ ليجيبه الموقع: "هذا لا يجوز، هذا من المأتم، ومن أفعال الجاهلية، لا يجوز، لا في الأربعين، ولا في اليوم الأول، ولا في الأسبوع الثاني، ولا على رأس السنة؛ كلّ ذلك من البدع والخرافات ومن أعمال الجاهلية، لا تجوز إقامة هذا العمل، ولكن يدعى للميت ويتصدق عنه هذا طيب، أما إقامة مأتم على رأس الأربعين، أو على رأس الأسبوع، أو رأس الشهر، أو رأس السنة؛ كلّ هذا لا أصل له، يقول جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه: "كنا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميت وصناعة الطعام بعد الدفن من النياحة، ولما توفّي جعفر بن أبي طالب، شهيداً في سبيل الله، وجاء نعيه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يتخذ مأتماً، لا على رأس أسبوع، ولا في أول يوم، ولا في رأس الأربعين، وهكذا الصحابة، رضي الله عنهم، لم يفعلوا ذلك لنبيهم، صلى الله عليه وسلم، ولا للصدّيق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم، فالواجب ترك ذلك؛ لأنّه من عمل الجاهلية".

الحداد الآتي من الفراعنة
إلا أنّ طقس حداد الأربعين يوماً، ظلّ مهيمناً، وتمارسه شعوب مسلمة إلى يومنا هذا، وتحديداً في مصر؛ إذ إنّ حداد الأربعين يوماً، هو عادة مصرية قديمة، تعود إلى عهد الفراعنة، وفي كتاب تفسير الطبري للآية القرآنية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾(الدخان: 29)، نقرأ أحد التفاسير التي وردت للآية: "حدّثنا ابن حميد قال: عن عمرو، عن منصور، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾، قال: إنّه ليس أحد إلا له باب في السماء ينزل فيه رزقه ويصعد فيه عمله، فإذا فُقد بكت عليه مواضعه التي كان يسجد عليها، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يقبل منهم، فيصعد إلى الله، عزّ وجلّ، فقال مجاهد: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحاً".

لكنّ الروائي والمفكر والمستشرق الإسباني، خوان غويتيسلو (1931-2017)، المعروف بتعمقه بالثقافةالعربية، والذي توفّي في مدينة مراكش في المغرب، تناول موضوع حداد الأربعين يوماً، أدبياً، في روايته "الأربعينية"، التي صدرت باللغة الإسبانية، عام 1991، وترجمتها للغة العربية، أستاذ اللغة والأدب الإسباني عبير عبد الحافظ (عام 2014)، (صدرت عن المركز القومي للترجمة - مصر)، فغويتيسلو ركّز في روايته "الأربعينية" على الأسباب التي تدفع الناس، انطلاقاً من المتخيل الديني، أو الميتافيزقي، للحزن أربعين يوماً على الشخص المتوفّى، وربط الحداد في عدد الإيام، برحلة المتوفى في عالم البرزخ، وعذاب القبر، ولقاء المتوفى للملَكَين منكر ونكير، اللذين يسألان الميت عن أمور دينه ودنياه، ويقومان بتعذيبه.

حياة البرزخ
لكنّ غويتسيلو يشطح في خياله في "الأربعينية"، مستحضراً كلّ السرديات والأساطير التي تناولت حياة البرزخ، أو الحياة الوسيطة، فيستحضر تارة كتابات الشيخ محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، وتارة أخرى دانتي ألغييري، وكتابه الشهير" الكوميديا الإلهية".

تبدأ رحلة بطل الرواية، وهو الكاتب نفسه، الذي يروي الأحداث بضمير "الأنا" المتكلم، الذي تصادف انهماكه بالتفكير "في لحظة الانتقال إلى الآخر" بوفاة صديقة عزيزة عليه، والتي كانت تشاركه قراءته الصوفية عن عالم ما بعد الموت، فيقول: "اعتدنا أن ننهل معاً من قطوف كتب ابن عرب، وميجيل آسين بالاثيوس، ونصوص متعددة تحكي قصة الإسراء والمعراج للنبي، والقصائد الصوفية، وكتاب "المرشد الروحي" لمولنيوس، الذي حققه أفضل شعرائنا الأحياء، وكانت هي تحمله في اليوم الذي غابت فيه عن ناظري".
الإشارات المرجعية للصوفية
ويقول الروائي: إنّ الإشارات المرجعية للصوفي أبي العباس المرسي، والذي يصفه في الرواية بـ "المعلم الأكبر"، وخاتم الأولياء، إلى عين الخيال والمملكة الوسيطة التي تحضر بها الأرواح حين تخرج من قبورها، "قد شكلت النواة الأولى لعمل "فرض وجوده في نفسي بشكل قاطع"، ويتلو لقارئ مقطعاً على لسان أبي العباس: "وحين تطير الأرواح إلى العالم الوسيطي أو البرزخ، تواصل الحضور في أجسادها، وتصير هذه إلى صورة ناعمة مثل التي يرى المرء نفسه عليها في الأحلام، فالعالم الآخر ما هو إلا مقرّ تتبدل فيه الأشكال على الدوام، على النحو نفسه في الأفكار المارقة في الأبعاد الداخلية له".

عند موت صديقة الكاتب/ الراوي، يلحق الأخير صديقته إلى العالم الآخر، ولا يعترف الكاتب/ الرواي، داخل النص عن موته، ليظلّ موت الكاتب، دخل النصّ، موضوع تساؤل؛ هل هو في حلم أم مات حقاً؟ وليبدأ في الدخول إلى عوالم الموت؛ إذ إنّ المشاهد والأحداث المتداخلة ما عادت تنتمي إلى عالم محدّد؛ بل عوالم متداخلة، آتية إما من مخيلة المؤلف، أو من السرديات الموروثة عن العالم الآخر.

وليصوّر الكاتب فترة الأربعينية، كما لو أنّها رحلة داخل خيال الميت، وداخل أفكاره، وداخل ماضي العالم وحاضره ومستقبله؛ إذ إنّ الأحداث والمشاهدات التي يراها الكاتب أثناء موته، كلّها صورة متشابكة ما بين حروب ومجازر ودمار شهدها تاريخ البشرية، أو قادمة من الصورة المتخيلة عن الجحيم، كأن يقول لصديقته التي يقابلها في العالم الآخر: "ترين هجرات متتابعة، وجثثاً أخرجت من أجداثها بكلّ حقد، وتماثيل ضخمة انتزعت من قواعدها وتمّ تحطيمها بمطرقات، وكتباً عقائدية وسياسية أساسية ألقيت في النار، وحرق العظام، وشوارع وميادين تنزع عنها أسماءها، وأجساداً مكبلة تتحول لرماد، ومنازل متهدمة باسم سجل العار المشين، وشخوصاً هامدة، ذابلة، تالفة، فوضى، وفرقة من الممثلين الجائلين المحتالين، وقطعاناً ترعاها الذئاب بدلاً من الرعاة، لا مكان لذرة من الحقيقة، لا يوجد سوى كومات من التراب، أو جبال هشّة".

غويتيسلو وشعيرة الأربعينية
تقول المترجمة عبير عبد الحافظ، في مقدمتها لرواية "الأربعينية": "يتخذ غويتيسلو من شعيرة الأربعينية، أو ما يطلق عليه في مصر حداد الأربعين يوماً التي تعقب رحيل المتوفّى، رحلة روحية صوفية، ينطلق منها؛ ليرصد في قالب يغلب عليه هوس المعرفة، وتقصّي أسرار العالم الآخر في حياة ما بعد الموت والبعث، ليبدأ سفره صاعداً إلى السموات السبع في رحلة تشبه الإسراء والمعراج".

وهذا ما يلحظه قارئ الرواية، من "هوس المعرفة" عند غويتيسلو؛ إذ إنّه لا يهدف للوصول إلى يقين ما، بقدر ما تسائل الرواية كلّ المورثات الدينية، والمتخيل الصوفي، إلى جانب البحوث العلمية، المهتمة في عوالم ما بعد الموت، كأن يقول في هذا المقطع: "هل تذكر العبارة التي وردت في "The Crack-Up "، التي ذكرها في المحاضرة (يقصد ميجيل أسين بالاثيوس) خلال أحد الفصول الدراسية التي ألقاها في نيويورك: ومفادها أنّ "الدليل على الذكاء الحاد يكمن في قدرته على التركيز في فكرتين متناقضتين، من دون فقد القدرة على أداء العمليات الذهنية؟ ألم يكن كذلك؟ أثارت الفقرة دهشتها، فسجلتها لتحفر في ذاكرتها، ذلك أنّ "ابن عربي" هو الدليل المقنع لهذا العلامة، أو قل هذا الطابع، فجملة أعماله، أي الفضاء النصّي لأعماله، ما هي إلا مقدمة أو ميدان تتقارب فيه الأضداد، وتذوب فيه العداءات، يتصالح فيه المعتم والمضيء والفاني، كلّ في انسجام، يقودنا حيث يريد، من خلال ومضات مشرقة أو تجليات، العالم بأسره، المؤمن والكافر منه، يعظّم الربّ".

وكأنّ خوان غويتيسلو يدعو القارئ في هذا العمل إلى تأمّل هذه "الحياة الوسيطة"، أو حياة البرزخ، ورؤيتها بأكثر من زاوية؛ هل هي بمثابة غربال لماضي الإنسان في الحياة؟ هل هي مرحلة تجري فيها عملية عقلنة أو فهم لما لم نستطع فهمه عندما كنا أحياء؟

نقلا عن موقع حفريات

 

أضف تعليقك