الرجل الوحيد القادر على منح ترامب السلام في الشرق الأوسط

القدس - ينبغي على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يميل إلى الاستعراضات المثيرة ويتوق إلى تحقيق نصر في الشرق الأوسط، أن يعيد توجيه اهتمامه إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، القضية التي لطالما شكلت ملامح السياسة الإقليمية.

 ولتحقيق تقدم حيث فشل جميع أسلافه، عليه أن يتواصل مع الزعيم الفلسطيني الوحيد الذي يملك الشرعية اللازمة لمساعدته: مروان البرغوثي، الذي يقضي الآن عامه الرابع والعشرين في السجن الإسرائيلي.

لطالما عانت الحركة الوطنية الفلسطينية من أزمة مصداقية. فالكثير من قادتها يُنظر إليهم من قِبل شعبهم على أنهم ضعفاء، أو متواطئون، أو أنانيون، أو منفصلون عن واقع الاحتلال اليومي. قد تبدو مبادرات السلام التي يضعها هؤلاء القادة منظمة على الورق، لكنها نادراً ما تحظى بثقة الشعب.

يختلف البرغوثي عن غيره. ينظر إليه الفلسطينيون على نطاق واسع باعتباره الشخص الأقدر على توحيد حركة وطنية ممزقة ومنح الدبلوماسية الثقل السياسي الذي تحتاجه. حتى من داخل السجن، لم تتضاءل مكانته. فقد انتُخب مؤخرًا لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، المكونة من 18 عضوًا، وحصل على أكبر عدد من الأصوات؛ كما انتُخبت زوجته، المحامية فدوى البرغوثي، لعضوية المجلس الثوري لحركة فتح، وحصلت على ثاني أعلى عدد من الأصوات. هذه ليست نتائج رمزية، بل تؤكد أن البرغوثي لا يزال الشخصية الأبرز والأكثر تأثيرًا في السياسة الفلسطينية.

لا يجوز للقادة السياسيين في واشنطن وتل أبيب تجاهل هذه الحقيقة. سُجن البرغوثي عام ٢٠٠٢، خلال الانتفاضة الثانية، لرفضه الدفاع عن نفسه أمام محكمة إسرائيلية لم يعترف بشرعية حكمها. ولا يزال يُنظر إليه من قِبل العديد من الإسرائيليين على أنه رمز لتلك الفترة. أما بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فهو ابن فلسطين المحتلة الذي دفع ثمنًا باهظًا لمقاومته الحكم العسكري الأجنبي. وسجنه يُمثل رمزًا للوضع الفلسطيني برمته.

لا يمكن تحقيق السلام مع شخصيات سياسية لا تحظى بتأييد شعوبها. نحتاج إلى قادة قادرين على إقناع ناخبيهم بأن التسوية أفضل من الوضع الراهن، وأنها لا تعني الاستسلام. كان البرغوثي قادراً على ذلك. يكمن وعده ليس فقط في شعبيته، بل في كيفية استغلالها. فخلال سنوات سجنه الأربع والعشرين، ظلّ داعماً لحل الدولتين: تسوية سياسية تفاوضية تتعايش فيها دولة فلسطين ودولة إسرائيل بسلام جنباً إلى جنب.

لعب البرغوثي الدور المحوري في إقناع قادة حماس والجهاد الإسلامي المسجونين بالموافقة على وثيقة الأسرى الصادرة في مايو/أيار 2006، والتي أقرت قيام دولة فلسطينية ضمن حدود يونيو/حزيران 1967. وحتى من داخل السجن، استطاع أن يدفع بالسياسة الفلسطينية نحو توافق وطني واقعي دبلوماسياً.

لقد سار العالم في الاتجاه نفسه. فمع اعتراف أغلبية كبيرة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة - 160 دولة من أصل 193 - بفلسطين على حدود عام 1967، باتت هناك خطة دولية واضحة لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة.

لكن ما كان ينقص هو قيادة فلسطينية تتمتع بالمصداقية الكافية لتسويق خطة السلام للفلسطينيين، والمكانة السياسية اللازمة لإقناع الإسرائيليين بأن الاتفاق سيصمد. البرغوثي، الذي أتقن العبرية أثناء وجوده في السجن، هو أحد الشخصيات القليلة القادرة على الجمع بين هذين الأمرين.

بطبيعة الحال، تكشف قضية البرغوثي عن التناقض العميق الكامن في صميم الصراع. فبالنسبة لكثير من الإسرائيليين، يبدو إطلاق سراحه بمثابة مكافأة للعنف السابق. أما بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، فإن إبقاء زعيم شعبي وعملي كهذا رهن الاعتقال يؤكد أن إسرائيل غير مهتمة بالسلام عبر المفاوضات.

لا يُعدّ أيٌّ من الخوفين غير منطقي، ولكن لا بدّ من التغلّب عليهما لتحقيق أيّ تقدّم. لطالما شارك قادةٌ مسجونون ومقاتلون سابقون في مفاوضاتٍ أنهت حروبًا ونزاعات، وتُعدّ حالة نيلسون مانديلا أبرز مثالٍ على ذلك. هذه هي طبيعة صنع السلام، الذي غالبًا ما يبدأ عندما تُدرك الدول أن السجن والقمع لا يُمكنهما قمع التطلعات الوطنية.

بإمكان ترامب أن يُحدث فرقاً كبيراً هنا، نظراً لاستعداده لتجاهل المحظورات السياسية. ولا يُشترط أن تُبرر مبادرة السلام الجديدة التي تتمحور حول البرغوثي كل ما حدث في ماضيه. كل ما هو مطلوب هو الاعتراف بالواقع السياسي، أي أنه لا يمكن التوصل إلى تسوية مستدامة دون وجود زعيم فلسطيني يحظى باحترام شعبي واسع.

قد يختبر جهد أمريكي مدروس بعناية إمكانية تحويل شرعية البرغوثي إلى رصيد دبلوماسي. بإمكان إدارة ترامب أن تبدأ بالاعتراف علنًا بأن البرغوثي فاعل سياسي محوري، وليس مجرد سجين عالق في الزمن. ثم يمكنها الدعوة إلى عملية سياسية يرتبط فيها إطلاق سراحه، أو على الأقل مشاركته المباشرة، بالتزامات واضحة: تأييد حل الدولتين، والمشاركة السياسية السلمية، واستئناف المفاوضات في ظل ضمانات دولية تحمي الأمن الإسرائيلي والسيادة الفلسطينية على حد سواء.

لا شك أن مثل هذه الخطوة ستثير مقاومة. لكن البديل هو الوضع الراهن: احتلال دائم، وحروب دورية، ويأس متزايد، ودفن حل الدولتين نهائياً. إذا أراد ترامب إرثاً يتجاوز إدارة الأزمات، فعليه التركيز على الصراع الذي يُسمم كل قضية إقليمية أخرى. إن معالجة قضية تشريد الفلسطينيين ستساهم في تهدئة الشرق الأوسط أكثر من جولة أخرى من التصعيد العسكري في أماكن أخرى.

لا تكمن أهمية البرغوثي في كونه يحظى بإعجاب الفلسطينيين ونزاهته فحسب، بل في تأثيره السياسي الكبير. فالسجن لم يمحُ من أهميته أو نفوذه. إذا أراد ترامب إحياء صراعٍ خامد، فعليه أن يكفّ عن تجاهل السياسة الفلسطينية وأن يبدأ بالزعيم الوحيد القادر على قيادة شعبه نحو حلٍّ تاريخي.