حماية الأطفال المستغلين في التسول: آن الأوان لمنظومة تتجاوز الإيواء

قبل عدة أيام، صادفت حملة لمكافحة التسول. توقفت حافلة تابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، ونزل منها موظفان توجها نحو طفل وشخص بالغ كان يرافقه. لم يكن في المشهد شيء درامي أو غير معتاد. طفل يبدو في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره، يحاول إقناع أحد الموظفين بشيء ما. لم أسمع ما قاله، لكنني تابعت المشهد حتى نهايته. عندما صعد الطفل ومرافقه إلى الحافلة.
في الحقيقة، كانت من المرات النادرة التي أمتن فيها للأزمة المرورية؛ فقد أتاحت لي متابعة المشهد كاملًا، وأعادتني إلى برنامج عملت عليه خلال عملي السابق في مؤسسة إنقاذ الطفل الأردن حول الأطفال في أوضاع التسول. كان من أبرز مخرجاته تحليل للفجوات القانونية في التعامل مع الأطفال المستغلين في التسول، تبعته دراسة ركزت على الاستماع إلى أصواتهم وسؤالهم عن احتياجاتهم وما يريدونه.
ومن بين 94 طفلًا تمت مقابلتهم ضمن دراسة "بين الطرقات: أصوات الأطفال في أوضاع التسول" المنشورة عام 2024، كان 86% منهم قد سبق إيداعهم في مراكز الرعاية والتأهيل. وسبق ضبط 32% منهم مرتين إلى ثلاث مرات، و19% أربع إلى ست مرات، بينما قال 15% إنهم ضبطوا أكثر من 15 مرة.
وتؤكد بيانات أحدث الاتجاه نفسه. فبحسب ورقة السياسات الصادرة عام 2026 عن شركة أناليسيز، "جيل في خطر: هشاشة الأطفال والتعرض للمخدرات في الأردن"، تم خلال عام 2025 ضبط 4,769 حالة لأطفال في أوضاع تسول، وكان نحو 85% منهم من الحالات المكررة.
صحيح مراكز رعاية الأطفال في أوضاع التسول توفر الغذاء والمأوى ومساحة آمنة، تتيح للأطفال الابتعاد عن الاستغلال الذي قد يتعرضون له في الشارع. لكنها تقول شيئًا آخر: الإيواء وحده لا يمنع التكرار.
عندما يعود الطفل إلى البيئة نفسها التي خرج منها، من دون تدخل مستمر معه ومع أسرته، فمن الطبيعي أن تبقى بعض عوامل الخطر قائمة. لذلك يصعب التعامل مع تكرار الحالات باعتباره مجرد سلوك فردي للطفل؛ فهناك ظروف محيطة به لم تتغير. وهذا ليس مجرد نقاش حول النموذج الأفضل. فالقانون الأردني نفسه يتيح مقاربة أوسع.
المادة 36 من قانون الأحداث تبدأ بفهم الطفل وظروفه، فتطلب إعداد تقرير عن أوضاعه وأسرته وبيئته الاجتماعية وظروفه الصحية، والاستماع إليه وإلى والديه أو وليه أو الشخص الموكل برعايته. كما تتيح المادة 24 تدابير غير سالبة للحرية، من بينها إلحاق الحدث ببرامج تأهيلية تنظمها الوزارة أو مؤسسات المجتمع المدني، والإشراف القضائي الذي يبقي الحدث في بيئته الطبيعية مع التوجيه والمتابعة. وتمنح المادة 37 المحكمة خيارات أخرى، منها تسليم الطفل إلى والديه أو من يتولى رعايته مع إلزامهم بتقديم العناية المناسبة، أو إحالته إلى مؤسسة رعاية معتمدة، أو وضعه تحت إشراف مراقب السلوك.
بمعنى آخر، الإيواء ليس الخيار القانوني الوحيد، وهناك أساس تشريعي للتدخل مع الطفل وأسرته وفي مجتمعه. وهنا يأتي دور المراكز المجتمعية.
الفكرة ليست إنشاء مركز آخر يستقبل الأطفال، وإنما تطوير نموذج تدخل قائم على إدارة الحالة، يكون قريبًا من الطفل وأسرته، ويعمل على مدى متوسط إلى طويل بحسب احتياجات كل حالة. يبدأ بتقييم وضع الطفل وعوامل الخطورة المحيطة به، ثم يربط الأسرة والطفل بالخدمات التي يحتاجان إليها: الدعم التعليمي، الدعم النفسي والاجتماعي، الحماية، التوعية الوالدية، والمتابعة، وصولًا إلى برامج التمكين الاقتصادي لمقدمي الرعاية عندما تكون الهشاشة الاقتصادية أحد أسباب اعتماد الأسرة على دخل الطفل.
فإذا كان الطفل يساهم في دخل الأسرة، لن يتغير الوضع بمجرد مطالبته بالتوقف عن التسول. يحتاج التدخل إلى العمل مع الأسرة نفسها، من خلال الزيارات المنزلية، ودعم مهارات الرعاية، وتقييم المخاطر، وربط مقدمي الرعاية بفرص التدريب أو كسب الدخل المناسبة.
ولا يعني هذا النموذج أن الإيواء لم يعد ضروريًا. فإذا كان الطفل يتعرض للعنف أو الإكراه أو الاستغلال أو الاتجار، أو كان المنزل غير آمن، فإن الإبعاد إلى بيئة آمنة قد يكون الخيار الصحيح. لكن عندما يكون من الممكن حماية الطفل داخل أسرته ومجتمعه، فإن التدخل المجتمعي يتيح معالجة عوامل الخطر بدل الاكتفاء بإبعاد الطفل عنها مؤقتًا.
وبالطبع، تبقى حملات مكافحة التسول ضرورية، خصوصًا عندما يكون الأطفال عرضة للاستغلال أو الإكراه. كما يجب أن تكون مساءلة من يستغل الأطفال جزءًا أساسيًا من الاستجابة، وفي حالات التسول المنظم أو القسري قد يصل الأمر إلى جريمة اتجار بالبشر وفق التشريعات الوطنية. لكن علينا أن نفرق بين من يستغل الطفل والطفل الذي يتم استغلاله. الطفل يحتاج إلى الحماية، لا أن يتحول هو نفسه إلى محور الردع.
ما بقي معي من العمل على دراسة أصوات الأطفال هو أن احتياجات هؤلاء الأطفال ومطالبهم واضحة وقابلة للتطبيق: الأمان، والتعليم، والدعم، وعلاقات أسرية أكثر أمانًا، وفرصة للخروج من الظروف التي تدفعهم إلى الشارع. وأسرهم تحتاج بدورها إلى تدخلات تعالج هشاشتها، بدل التعامل مع الطفل وكأنه يعيش منفصلًا عنها.
لذلك، ربما آن الأوان لتوسيع استجابتنا من نموذج يعتمد أساسًا على الضبط والإيداع إلى منظومة حماية متعددة المستويات: حماية فورية عند الحاجة، وإيواء عندما لا يكون المنزل آمنًا، ومراكز مجتمعية تعمل مع الطفل وأسرته.
والأهم أنها ليست استجابة نبدأ بها من الصفر. لقد استمعنا إلى الأطفال وأسرهم من قبل، ولدينا بيانات عن التكرار، ولدينا خبرة تراكمية في التعامل مع هذه الحالات. ربما ما نحتاجه الآن هو أن نستخدم كل ذلك في تصميم تدخلات تستجيب لما قاله الأطفال وأسرهم.