عمَّــان في المخيلة

الرابط المختصر

عمـّان تلك المدينة القابعة فوق جبال سبعة، وفي مخيلة وقلوب ساكنيها ومُرتاديها عبر العصور، المدينة الفتيّة الحكيمة، المشبعة بالحضارة والثقافة، والمُتتّبع لمسار عمّان التاريخي يفقه ذلك.

منذ أكثر من سبعة ألاف سنة قبل الميلاد، بدأت عمّان الحالية باستقبال البشر وحضاراتهم، جاء”الهكسوس“وهم رعاة قدموا من أرض الفراعنة وأقاموا فيها مدة من الزمن، وتتابع بعدهم إليها الجماعات مُدركين أهميتها الجغرافية، فنزل بها العمّونيون، 1250 ق.م، واطلقوا عليها اسم”ربة عمون“والتي تعني دار الملك، وهذا يثبت أن عمّان كانت مستقرا للملوك على مدار التاريخ، ودبّت الحياة فيها، فأقاموا فيها القلاع والقصور بهندسة عمونية لا زالت توثّق وجودهم حتى الآن، أما مركز العمونيين فيها كان”جبل القلعة“حاليًا، وهو أحد جبال عمـّان السبعة، إضافة إلى العديد من الشواهد العمّونية، مثل تل جاوه وصافوط الأثري شمالًا، وباتت مطمعًا لمن حولها من الدول والممالك، حيث امتدت مملكة عمون من نهر يبوق”الزرقاء“فهو الحد الشمالي للمملكة العمّونية، و يعتبر الحد الفاصل بينها وبين امتداد الممالك الآرامية، أما جنوبًا فكان وداي الموجب، وعُرف حينها وادي أرنون، يفصلها عن المملكة المؤابية.

 

وبقيت عمـان هي العاصمة، ففي العهد الهيليني، أطلق عليها الملك بطليموس الثاني عام 285 ق.م اسم فيلادلفيا بدلا من ربة عمون نسبة إلى القائد فيلادلفيوس، وأشهر ما بقي من شواهد هذا العهد قصر”عراق الأمير“، ثم جاءها الرومان البيزنطيون فأحيوها بطريقتهم، وتركوا خلفهم المدرج الروماني وكنيسة ومعصرة زيتون وبئر ماء، وغيرها من الطرق المصفوفة والأعمدة، وأصبحت من مدن الديكابولس؛ وهو تحالف ضمّ عشر مدن رومانية، تقع الآن في الأردن وسوريا وفلسطين. ثم وقعت تحت حكم العرب الأنباط، وعادت لسيطرة الرومان 30ق.م. وبحدود عام 614م دخلها الفرس، وأقاموا على أنقاض الرومان، ولكن ما لبثوا حتى دخلتها جيوش المسلمين فاتحة، بقيادة يزيد بن أبي سفيان 634م، وأنهى وجود الغساسنة فيها حلفاء الروم، وأصبحت مركزًا لولاية البلقاء من جند الأردن، ودخلت تاريخا جديدا منذ ذلك الوقتفأعيد لها اسمها الأصلي عمّـان.

  • تمثال من البرونز لبطليموس الثاني

ودخلت مرحلة الاهتمام لدى المسلمين، وازدهرت مرحلة بعد مرحلة، ففي العصر الأموي أصبحت مركزًا إدرايًا لولاية البلقاء ، يقيم فيها الأمير، وتضرب فيها النقود، فأخذت أهمية تجارية ومكانية، وبنى الأمويّون قصرًا على جبل القلعة، وكانوا يعملون على مراقبة وحراسة الحج والقوافل التجارية،وتراجعت عمّـان في العصر العباسي حالها حال حواضر الشام، بسبب انتقال الخلافة العباسية إلى العراق، أيضا نتيجة الدمار الذي حصل بعد المعارك الطاحنة بين الأمويين والعباسيين.

 

  • 1

القصر الأموي في عمان

 

  •  

ودخلت بعدها عمّـان حالة من عدم الاستقرار لتناوب الدول والخلافات عليها، ففي العهد الفاطمي كانت مركزًا لتجمع القوات، وتم ضمّها للدولة الأيوبيّة بعد مرور صلاح الدين الأيوبي بها عام 1184م، منها إلى الكرك، ثمّ نالت الاستقرار قرابة ثلاثمئة سنة –عهد المماليك– ونمت فيها الحركة التجارية والأسواق. وبقيت عمّـان طي النسيان عدة قرون، حتى أواخر القرن التاسع عشر ميلادي، فانتبه لها العثمانيون، وأدركوا أهميتها، وكادوا يستحدثونها كـولاية من ولايات الدولة العثمانية”معمورة الحميدية“، فجاء قرارهم بأن تمر سكة الحجاز الحديدي منها مما أدى إلى إنعاش المدينة تجاريًا من جديد، وبعدها بدأت عمّـان تستقبل الجماعات والأقليّات، فتذكر المصادر أن أولى هذه الجماعات هم الشركس ونزلوا بها 1878م، ثم تبعهم بعدة سنوات الشيشان والأرمن ، وما زالت أماكنهم تحمل أسماءهم حتى اليوم مثل حي المهاجرين وحي الشابسوغ وحي القبرطاي ، وبهذا تحولت عمّـان إلى منطقة مأهولة بالسكان وتشهد حركة تجارية واجتماعية من 1878 -1906م.

 

 

 

عمان في العهد العثماني أخذت عمّان أهمية كبيرة في ذهن الهاشميين إبان حكمهم لبلاد الشام ولم تغب أهميتها الجغرافية والسياسية عن خططهم، فكانت العاصمة لإمارة شرق الأردن أثناء حكم الأمير عبد الله بن الحسين سنة 1921م، وانطلقت مرحلة التأسيس التي دعا لها الأمير عبدالله الأول بن الحسين، وبدأت التخوفات البريطانية من تواجد الهاشميين وتحركاتهم، وبزغت شمس عمّـان على الساحة العربية والغربية، بعد نجاح مفاوضات الأمير عبدالله مع وزير المستعمرات البريطاني تشرشل، وذلك بالضغط على عصبة الأمم التي كانت تمثل الشرعية الدولية حينها، للاعتراف بشرق الأردن كوحدة جغرافية وسياسية مستقلة حيث صدر القرار فيما بعد في الثالث والعشرين من ايلول 1922 .

 

بعدها بدأت ملامح عمّـان السياسية بالظهور بشطل واضح، فـشُكلت أول حكومة أردنية برئاسة رشيد طليع، تحت اسم الكاتب الإداري ومجلسه مجلس المشاورين، ثم بدأ العمل لمرحلة الاستقلال بمفاوضات الأمير وإبرام المعاهدات مع الجانب البريطاني والتي تحققت في مرحلته الثانية وهي اعتراف بريطانيا بهذا الاستقلال بصفتها الدولة المنتدبـة. وما أن حصل الاعتراف، حتى دأب الأمير عبدالله على تنظيم شؤون الدولة سياسيا وعسكريا على المستوى المحلي للإمارة، وجرت أول انتخابات تشريعية وافتتح الأمير عبدالله دورته الأولى بخطاب العرش السّامي، ثم بدأ العمل لمرحلة الاستقلال وإنهاء الانتداب البريطاني، ومع إنشاء هيئة الأمم 1945م، بدأت جولة الأمير عبدالله الثانية للمفاوضات وتم دعوته لبريطانيا وجرت المباحثات والمفاوضات التي أفضت إلى إعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، على اساس النظام الملكي النيابي، مع البيعة بالملك لسيد البلاد ومؤسس كيانها”عبدالله بن الحسين المعظم“، كما بحث أمر تعديل القانون الأساسي الأردني على هذا الأساس بمقتضى اختصاصه الدستوري ، وبعد حكم لمدة 30 عاما أرسى خلالها قواعد المؤسسية للأردن الحالي، ولم تغب القدس وفلسطين عنه فبقي مدافعًا عنها إلا أن توفاه الله شهيدًا في المسجد الأقصى عام 1951م. ومن عمان وضع الملك طلال بن عبدالله الدستور الأردني، وأكمل المسيرة الحسين الباني، إلا أن تقلد ابنه الملك عبدالله الثاني مقاليد الحكم، فجعل من عمان منارة للاستقرار والتنمية.

بالتعاون مع موقع عربي 360

أضف تعليقك