نحو تحرير الثقافة العالمية من هيمنة المعيارية الغربية: الثقافة العربية المعاصرة نموذجا

الرابط المختصر

اختار الراحل حسين فوزى ( مع حفظ الألقاب) أن يصدر كتابه الذى نشره عام 1938 تحت عنوان "سندباد عصرى – جولات فى المحيط الهندى " بالكلمات التالية :
"درجت على حب الغرب ، والإعجاب بحضارة الغرب ، وقضيت أهم مراحل التكوين من عمرى فى أوربا ، فتمكنت أواصر حبى ، وتقوت دعائم إعجابى . فلما ذهبت إلى الشرق ، عدت إلى بلادى وقد استحال الحب والإعجاب إيمانا بكل ما هو غربى " .
من هنا فإنى أهدى كلماتى التالية لذكرى هذا المثقف الكبير الذى أثرى حياتنا بسندبادياته ، كما أهديها لصديقى الكوزموبوليتانى ( كما حرص هو نفسه أن يقدم نفسه فى إحدى أوراق سيرته الذاتية ) الأستاذ السيد يسن راجيا أن يبلو كعادته بلاء حسنا فى نقد أطروحاتى التى ستعقب هذه الكلمة الافتتاحية .
• * * * * * *
هنالك مدخلان لدرس الظواهر : أحدهما يصدر عن العام ، أو بالأحرى المعولم فى مرحلة معينة من تاريخ البشرية ، والآخر عن سياق اجتماعى ثقافى وطبيعى له خصوصيته النسبية فى مرحلة معينة من تاريخ مجتمع معين .
وتطبيقا على المرحلة الحالية من تاريخ البشرية فالمدخل الأول هو السائد فى مختلف التخصصات على الصعيد الدولى . ولا شك أنه يحقق تقدما ما فى مجال التخصصات الدقيقة التى يصدر عنها . فهو يتطلع إلى تلك التخصصات من داخلها ، وليس بالضرورة بوصفها نتاجا لتطور مجتمعى معين . وهو لا يتطرق لتلك العلاقة بين البحث عن حلول ، وما يبعث على ذلك البحث من دوافع تخص مجتمع معين فى مرحلة معينة من تاريخه . فهو يرى العلم الطبيعى مثلا من داخله ويرصد حركته على نحو وصفى وضعى كما لو كانت منبتة الصلة بحركة المجتمع الذى نشأت فى طياته ، والتى بدونه لما كانت على هذا النحو . وفى ذلك سألت صديقى الأستاذ السيد يسن ، فى غمار حواراتنا حول هذا الموضوع : هل كان أحمد زويل سيصل لاكتشاف الفمتو ثانية لو لم يترك مصر لأمريكا ؟ فكان رده على بالنفى. لكنه يصر مع ذلك على أن العلم عالمى بلا وطن . وله فى ذلك جملة أثيرة : هل هنالك علم طبيعى عربى ، أو هندى ، أم عالمى ؟ وما يترتب على هذا القول هو ما نخلص إليه سواء صرحنا به أو لم نصرح: إذا كان العلم عالميا ، وتحققه نافذ فى بلاد الغرب ( فى هذه المرحلة من تاريخ البشرية )، فهو إذن غربى ، وعلينا أن نمضى فى ركابه إن أردنا أن نكون "علميين" . ومن ثم يتعين علينا أن نلجأ لنتائجه الغربية كى نطبقها على مجتمعاتنا ، وأن نصدر عن نماذج وضعها غربيون لنقيس عليها خصوصياتنا المجتمعية الثقافية .
على أن هذا التوجه ذاته لا ينظر إلى العلم وتخصصاته بوصفها نتاج تطور مجتمعى معين فى الغرب الحديث كما كان فى سائر العصور. وأن الغرب ليس كتلة واحدة ، أو تيار واحد . فكما أن السائد فيه الآن هو التيار المتكيف مع نمط الإنتاج السائد فى مرحلته الحالية التى تمر بأزمة مستفحلة ، وما دام متكيفا معها فلابد أن يكون تبريريا على نحو أو آخر ، وذلك مثلا بأن يركز على العمليات الإنتاجية من داخلها ، وليس فى علاقتها بالمجتمعات التى يفترض فيها أن تشبع احتياجات الغالبية العظمى من السكان فيها . نذكر فى ذلك على سبيل المثال مدرسة وارسو لفلسفة العلوم ، فقد نشأت فى الأوساط الأكاديمية فى بولندا للرد على حلف وارسو ، وعلى الفلسفة الرسمية لذلك الحلف ( وهى المادية التاريخية ) بالتركيز على درس العلم فى علاقاته الداخلية بعيدا عن كونه ظاهرة مجتمعية نسبية ، منافسة فى ذلك ، بل سباقة على دراسات "توماس كون " المعروفة . وهى تتوازى فى ذلك مع النهج الأونطولوجى فى الدراسات الفقه لغوية التى اشتهرت بها الجامعة الياجولينية فى مدينة "كراكوف" البولندية ، والتى أسسها فيها "رومان إنجاردن" مستوحيا الفلسفة الظاهراتية ل"إدموند هوسرل" (1859 -1938 ).
إلا أنى أخشى أن الاقتصار على درس التشريح الداخلى للتخصصات الدقيقة يؤدى بنظرته اللاتاريخية إلى أسطرتها ، بمعنى تهميش علاقتها بمن يفترض فيهم أن تشبع احتياجاتهم ، وهم الغالبية العظمى من القائمين على العمليات الإنتاجية فى المجتمع ، بينما يفترض فى العلم أن يكون فى خدمة الغالبية العظمى من سكان البسيطة الأمر الذى تحول دونه آليات السوق العالمية وقانون القيمة الذى يحكمها بعيدا كل البعد عن منظومات القيم الإنسانية . وأن الاستقبال النهم للعلوم العربية المتقدمة فى عصرها عن طريق الأندلس من جانب الرأسمالية التجارية الصاعدة فى أوربا كان بسبب مشروعها الذى يحكمه أمر واحد هو تعظيم الربح النقدى الفردى . صحيح أن العلم الحديث قد تجاوز ذلك الدافع الأصلى بما صار يميزه من رشادة ، لكنه لم يبرح مع ذلك موقعه الاجتماعى بوصفه جزءا لا يتجزأ من نسيج المجتمع الذى نشأ فيه . وهنا يتمثل الجدل القائم بين الدافع وما يسفر عنه مسار الأداء البحثى . وفى ذلك يرى بعض الباحثين من أمثال "إريخ أورباخ " (1892-1975) خاصة فى كتابه الشهير الذى صار مرجعا لكافة دارسى الأدب فى الجامعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية : المحاكاة أن العمل الأدبى لا علاقة له بالنسيج المجتمعى الذى صدر عنه . وهو يقارب فى ذلك ما ذهب إليه " كارل مانهايم " ( 1893- 1947 ) فى علم الاجتماع المعرفى من فصل ناجز بين "الفئة الاجتماعية" و"الفئة الفكرية الإبداعية" . وقد سبق أن رددت على "أورباخ" فى دراسة سابقة لى عنوانها " خرافة الأدب الأوربى " احتفى بها أساتذة جامعة "لاسابينزا" فى روما ، وترجموها مرتين للإيطالية وأصدروا كتابين نصا فيهما على أنهما مستوحيين من نقدى هذا ، كما قرروا دراستى المذكورة على طلبتهم هناك لا سيما وأن الراحل "إدوارد سعيد" كان فى كتابيه "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" من أتباع نظرية "أورباخ" القائلة بوحدة تضم الآداب الأوربية على اختلاف لغاتها ومجتمعاتها ، وهو ما شكل تناقضا أساسيا فى خطاب سعيد ، إذ كان يرفض اختزال الشرق لنزعات الغرب الاستعمارية ، لكنه سلم فى الوقت ذاته بوحدة مزعومة للآداب الغربية "تميزها" عن سائر الثقافات والآداب غير الغربية فى مرحلة الهيمنة الغربية على العالم ، بينما الوقائع التاريخية ذاتها تثبت عكس ما ذهبت إليه نظرية الأدب والثقافة الأوربية بالمفرد ، من ذلك على سبيل المثال ظاهرة الموشحة الأندلسية التى كانت تحوى اللغتين العربية الكلاسيكية والإسبانية الوسيطة فى لحمة واحدة تتمثل فى الموشحة والخارجة حيث يرد على إيقاع قصيدة عربية كلاسيكية مقطع شعرى على الوزن نفسه بالإسبانية المعاصرة لها فى ذلك الوقت .
فإذا ما صدق ذلك على الظواهر الثقافية ، فكيف يتأتى فى الظواهر "الطبيعية" ؟ كاختلاف امتصاص الدواء باختلاف عادات إنتاج الغذاء واستهلاكه فى مختلف الثقافات الاجتماعية . وهو ما يقتضى منا أولا استيضاح المستويات المختلفة للعمليات الذهنية . فالمستوى الأول فسيولوجى ، يتعلق بحجم اللحاء المخى لدى البشر وتفوقه الكيفى عنه لدى أعلى الثدييات مما يتيح القدرة على التجريد والتخييل لدى بنى الإنسان ، ومن ثم إنشاء الحضارات بكل نظمها القيمية المركبة . وقد ثبت أن هذه القدرة مشتركة لدى كافة العناصر البشرية ، وإن كانت هنالك تصورات عنصرية بإزاء الملونين لدى البيض من شعوب الشمال ، لا يوجد ما يبررها علميا على الإطلاق . فهى لا تعدو أن تكون محصلة لتاريخ استعباد الشعوب الملونة من جانب أهل الشمال الذين يستهلكون معظم خيرات البشرية على الرغم من أنهم إحصائيا أقلية مطلقة بالنسبة لسائر سكان هذا العالم .
أما المستوى الثانى ، فهو الثقافى الاجتماعى . وهو على العكس من الأول له خصوصياته المختلفة عن بعضها البعض . والتى من خلالها يمكن الإضافة لحلول الآخر فضلا عما تنتجه كل منها من حلول لإشباع احتياجاتها على مدى القرون وآلاف الأعوام .
وهنا تتمثل العلاقة بين المجتمعات المختلفة . فاستقبال الآخر من خلال ثقافة اجتماعية معينة مهما كانت متقدمة فى مجالات أو تقنيات معينة ، هل يعنى ذلك التخلى عن المقومات الأساسية التى تميز المجتمع المحلى سعيا لمحاكاة ذلك الآخر تصورا منه أن هذه المحاكاة ستنقذه من "تخلفه " عنها ، أم تسعى لتوظيف ما قد يكون متقدما فى صنعه لدعم حاجاتى المجتمعية المحلية بأقل التكاليف ماديا ومعنويا ؟
فبدو سيناء ، على سبيل المثال، يصنعون عبر تاريخهم الطويل بيوتهم من خشب النخيل نظرا لأنها مادة حية رديئة التوصيل للحرارة والبرودة على حد سواء. وكذلك كانوا يعبرون عن قبائلهم بنسج بوارق تمثل هوية كل قبيلة . لكن ما أن احتلت دولة الصهاينة شبه جزيرة سيناء فى أعقاب حرب يوينو 1967 حتى جعلهم المحتل (ذو التوجه الغربى الحداثى) يتخلون عن المواد الطبيعية الحية التى كانوا يبنون بها دورهم ، وأجبروهم على أن يبنوا بيوتهم من الأسمنت جيد التوصيل للحرارة فى الصيف ، والبرودة فى الشتاء مما يجعلهم بحاجة لمكيفات هواء كأهل الحضر بحيث تثقل ميزانيتهم الهشة أصلا بما لا تطيق من أعباء ، وما يذهب بتاريخ تكيفهم مع الطبيعة الصحراوية. والشيئ نفسه أصاب ، كما بين لنا العالم الجليل الأستاذ الدكتور حامد الموصلى ، الأنوال التى كانوا ينسجون عليها بوارقهم وملابسهم الصحراوية . فقد أجبرهم المستعمر الصهيونى على ترك تلك الأنوال التى ورثوها عن الأجداد ، واللجوء بدلا منها للرسوم المصممة فى المجلات الغربية يستنسخون منها "باترونات" معدة سلفا على نحو ما تفعل الأسر الغربية مما جعلهم يفقدون هويتهم البدوية القائمة على إبداع حلول تناسب البيئة الصحراوية القارية ، ويصبحون مجرد محاكين ومستهلكين للنظام الغربى المعولم. ويشبه هذا الاغتراب عن خصوصية المجتمع الأم ثقافة الطفل العربى فى عصر هيمنة أفلام ديزنى حيث يتحول من طفل متفاعل مع جدته أو أمه فى استقباله لما ترويه عليه من قصص ، ليصبح مجرد مستهلك سلبى لما يعرض عليه من أنماط "ديزنى" أمريكية الصنع . الأمر الذى يعرض الكثير من الأطفال للأدواء النفسية نظرا لتناقض النظام القيمى الذى تقدمه هذه الأفلام الأمريكية مع ما يعايشه فى مجتمعه العربى مما يترتب عليه قلق وصراع نفسى قد يحدوه إما للرفض التام لكل ما هو غربى ، أو لرفض كل ما هو عربى ، والشعور بالدونية بإزاء ما هو غربى . وقد يؤدى هذا الاغتراب لردود فعل عكسية كتلك التى نراها فى بعض الأقطار الأفريقية تحت مسمى "الأصالة" التى تتمثل فى التمسك الشكلى بالطقوس المحلية ، وهو ما يدعى هناك تيار ال authentecité.
ولعله من اللافت أن دراسة نشرت لى باللغة الانجليزية حملت عنوان "ثقافة الطفل العربى فى عصر "ديزنى" قد ترجمت للإيطالية وكثرت الإحالات إليها بصورة ملفتة فى مختلف الدراسات بتلك اللغة ، وذلك فيما يبدو نظرا لمعاناة الطفل الإيطالى مما يعانى منه الطفل العربى بسبب تغلغل ثقافة الطفل الأمريكى فى حياته. ولعل ذلك ما حدا بتيار ما صار يدعى فى إيطاليا ، خاصة فى جامعة "لاسابينزا" : "التحرر من النزعة الاستعمارية للعالم " أن يشير إلى أنه استلهم نقدى للمركزية الغربية ، يليه (كذا) نقد الباحثين فى أمريكا الجنوبية لهيمنة المعايير الغربية. ولعلنا نجد التناقض بين الاستعمار القديم والجديد فيما عبر عنه الراحل "رينيه إتيامبل" مخاطبا أهل بلاده فى منتصف الستينات بكتابه الشهير الصادر عام 1964 : أتتحدث فرنسية متأمركة ؟ Parlez-vous franglais ?
فقد صار الاستعمار القديم يعانى من هيمنة الاستعمار الجديد ، ومن ثم صارت شرائحه الشعبية والمقاربة للرشادة العلمية تتعاطف مع المستعمر القديم (بفتح الميم ) فيما يعانى منه من تهميش . وإذا كان التعريف الاقتصادى للاستعمار هو تصدير رأس المال ، فإن الاستثمارات الأمريكية فى أوربا الغربية أثناء الحرب العالمية الثانية قد جعلت من تلك البلاد بمثابة "مستعمرات" تابعة لها .وكذلك صارت كندا بالنسبة للولايات المتحدة حيث يبلغ الاستثمار الأمريكى فى بعض حقول البترول فيها قرابه الثمانين بالمائة. أما عن بلاد أمريكا الجنوبية فحدث ولا حرج . ولعل رد الفعل الشعبى الفرنسى على سبيل المثال يتلخص فى الإقبال على موسيقى "الجاز" باعتبارها من إنتاج الزنوج المقهورين فى أمريكا ، بينما يسخرون من الأمريكى الأبيض صاحب حضارة الكاوبوى التى لا تاريخ يذكر لها فى مقابل حضارة القارة الأوربية التى تربوها بمئات السنين . فماذا يقول إذن أصحاب الحضارات التى سبقت الأوربيين بقرون طويلة ، كحضارتى وادى النيل ، وما بين نهرى دجلة والفرات التى أغار عليها الاستعمار الأمريكى فى القرن الواحد والعشرين كما يغير الجراد على خضار الأرض ليبيده ويبيد معه آثار تاريخه الضارب فى القدم ؟
• * * * * *
ما العمل ؟

بعد هذا العرض السريع للإشكالية المطروحة على بساط البحث فيما يتعلق بخياراتنا الحالية يتعين علينا أن نسأل أنفسنا : أى طريق نسلك ؟ التبعية المهينة للسوق العالمية وما يتعلق بها من تقنيات غربية المنبع ، لا سبيل لردها ، وإن كانت تجثم على أنفاسنا بما تحمله من أضرار أكثر مما تقدمه من منافع ؟ أم أن نسلك سبيلا مختلفا يقلل من اعتمادنا على السوق العالمية فى إشباع حاجاتنا الأساسية ، ويوظف قدراتنا الإنتاجية المهدرة فى إنتاج ما يشبع هذه الحاجات الرئيسية المحبطة لدى الغالبية العظمى من شعوبنا ، بل وشعوب سائر العالم بما فيه الغربى ذاته ؟ وبعبارة أخرى: من أين نبدأ ؟ من الآخر الذى تفصلنا عنه فوارق كثيرة ، أهمها حرصه على تكريس هيمنته بشتى الطرق ، خاصة وأنه قد زرع بيننا امتدادا له فى منطقتنا العربية ليمعن من إذلاله لنا بنموذجه ؟
نحن مهما حاولنا أن نمضى فى سبيل الغرب على نحو ما فعل آباؤنا منذ مطلع القرن العشرين ، وقد ذكرت حسين فوزى ممثلا لهم فى صدر هذه الدراسة ، لن نحقق شيئا مما نطمح إليه إلا فى أحسن الأحوال لفئة جد محدودة من مجتمعاتنا بينما سنعزل أنفسنا عن الأغلبية الساحقة من شعوبنا التى ندعى انتماءنا لها . ألم تكن هذه هى الدعوة الليبرالية التى مثلها كبار ملاك الأراضى الزراعية فى النصف الأول من القرن العشرين ، والتى نظر وروج لها مفكروها من أمثال محمد حسين هيكل ؟
أعتقد أن مهمتنا فى النصف الأول من القرن الحالى يجب أن تختلف إن أردنا أن نحقق إشباعا حقيقيا لشعوبنا بغالبيتها الساحقة . وذلك بالتركيز على الإنتاج أولا بدلا من البحث عما يستجيب لحاجاتنا الاستهلاكية باللجوء إلى السوق التى تردنا للسوق العالمية بكل تناقضها مع إمكاناتنا . فإنتاج ما نحتاج إليه من غذاء وكساء وسكن وموصلات كلها ملحة لا يمكن أن يحققها سوى توظيف ملايين القوى العاملة المعطلة فى صورة معسكر قومى عام . وبذلك نقى أنفسنا من تغول آليات السوق العالمية علينا . وفى هذ السياق يصبح البحث العلمى بدوره إنتاجيا بمعنى أنه يبدأ من رصد المشكلات التى يتعرض لها ابتداءا من خصوصيتها ، وليس عن طريق طرح النماذج الغربية عليها سلفا كما يحدث للأسف باسم التحديث و"العلم" أيضا فى أكاديميات البحث العلمى لدينا ! وفى ذلك نحن لا يمكن لنا أن نستغنى عن سائر تجارب البشرية من خلال آخر ما توصلت إليه من معارف واكتشافات ، ولكن بعد أن نعيد النظر فيها تجريبيا وتنظيريا ابتداءا من اختلافنا الموضوعى عنها . ورصد ذلك الاختلاف الموضوعى يكون بالتعرف على التواتر المتكرر لأداء معين خلال حقبة تاريخية من حقب أحد المجتمعات بإزاء التعرض لمختلف المشكلات بما يمكن وصفه بأنه "خصوصية" نسبية للمجتمع موضوع الدرس . ومن ذلك على سبيل المثال طرق طهيه واستهلاكه للطعام كما سجلها الأستاذ الدكتور محمد رؤوف حامد فى بحثه عن خصوصية امتصاص الدواء الغربى لدى المجتمع الليبى الذى اعتاد على استهلاك الهريسة مع كل وجبة . وهو ما أفضى به لنتيجة مختلفة عن تلك التى روجت لها "إدارة الغذاء والدواء " الأمريكية من أن مادة الكابسايسين ( الشطة ) الحريفة تؤدى فى كل الحالات للإصابة بقرحة المعدة والإمعاء . وهو ما أكده فى مناقشته له الأستاذ الدكتور " بيتر هولتسر" ، الباحث الكبير فى جامعة "جراتس" الطبية فى النمسا ، هذا فى الوقت الذى لم تسعد فيه "إدارة الغذاء والدواء " الأمريكية باكتشافه . أما فرنسا فرفضت أن تمنحه تأشيرة لمدة لا تزيد على الثلاثة أيام لإلقاء بحثه هذا فى اللقاء البحثى الذى عقدته فى مقر اليونسكو بباريس عام 2009 تحت عنوان: الإسهام العربى المعاصر فى الثقافة العالمية : حوار عربى – غربى . ومع ذلك كله ترحب دار نشر "علماء جامعة كمبردج"
Cambridge Scholars Publishing بنشر أعمال هذا اللقاء البحثى على الرغم من أنه يحيد هيمنة المعايير الغربية على عالم اليوم من خلال نموذج الإنتاج البحثى فى عالمنا العربى المعاصر. فنحن إذن أمام "غربيات" متعددة ، وليس غرب واحد . فهنالك غرب يحرص على تكريس مصالحه المهيمنة ، ك"إدارة الغذاء والدواء "الأمريكية ، وكالخارجية الفرنسية التى تمضى على "هدى" ما سبق أن قررته الجمعية التشريعية الفرنسية من " فضل الحضارة الفرنسية على مستعمراتها ". فأن يأتى ما يقوض هذا الزعم ،خاصة وأن دعوتى كمنظم للمؤتمر كانت الوحيدة الموجهة باللغة الفرنسية للأستاذ الدكتور رؤوف حامد من بين سائر الدعوات للمشاركين فى هذا اللقاء ، فماذا ننتظر أن تكون الاستجابة ؟ وجدير بالذكر أن الدكتور رؤوف منح تأشيرات لزيارة فرنسا قبل وبعد هذا اللقاء بلا أية موانع !
وليت المشكلة الحقة قاصرة على الإجراءات الغربية "الحمائية" بإزاء مصالحه المهيمنة وما يترتب عليها من امتيازات مادية ومعنوية بإزاء سائر شعوب هذا العالم . لكن ، ويا للأسف ، فقد صار لدينا نحن هنا فريق ليس بالهين يدافع عن الهيمنة الغربية وضرورة الانصياع لها باسم العلم والحداثة ، ويرفض بإصرار كل ما يهز من شأن هذه الهيمنة . وليس لدى هؤلاء سوى قولهم "الأثير" : وماذا لديك أنت حتى "تعدل" على تقدم الغرب المعاصر ؟ وإلى هؤلاء نقول : نحن لا ننكر أبدا تقدم الغرب فى مختلف المجالات ، ولكننا أيضا مختلفون عنه فى العديد من الخصوصيات الاجتماعية الثقافية ، ومن خلال الوقوف على هذه الخصوصيات أولا يمكننا أن نضيف لما يفد علينا من حلوله بما يحقق إشباعا أشمل وأفضل لنا ، وبما يضيف إليه بالمثل ما لم يقف هو عليه. وهو ما قدمه فى هذا اللقاء البحثى العربى الغربى الأستاذ الدكتور حامد الموصلي، أستاذ هندسة الإنتاج بجامعة عين شمس، فى بحث متميز عنوانه: الموارد المادية المتجددة أساسا للتنمية الذاتية المستدامة في المجتمعات المحلية. حيث استهل ورقته بالكلمات التالية:
تتوافر الموارد المادية المتجددة بتكلفة زهيدة في المناطق الريفية من بلدان العالم الثالث . وفي سياق الاقتصاد المعيشي، ترتبط هذه الموارد المادية المتجددة - وعلى وجه الخصوص البواقي الزراعية Agricultural residues - بإشباع الحاجات الأساسية لقاطني هذه المناطق الريفية. ويعكس الموروث الثقافي والتقني لهذه المجتمعات الريفية قدرة خلاقة على إبداع طرق جديدة لتوظيف واستخدام هذه الموارد المتجددة على النطاق المحلي. لقد أدى الاعتماد المتزايد على طرق الحياة الغربية بما يواكبها من أنماط إنتاجية واستهلاكية يتعذر إستدامتها، إلى إهمال متعمد للموارد المادية المتجددة المتاحة محلياً وما يرتبط بها من موروث تقني وابداعات ثقافية محلية. وهكذا تراجعت هذه الموارد المادية من مكانتها المتجددة ثقافياً وإنتاجياً لتصبح مصدراً للتلوث البيئي وعبئاً اقتصادياً على مجتمعاتها المحلية
ثم يثني صاحب هذا البحث على ذلك قائلا:
هناك حاجة ماسة لتمكين المجتمعات المحلية بحيث تصبح قادرة على إعادة اكتشاف مواردها المادية المتجددة كقاعدة مادية لإبداع وتشكيل أنماطها الإنتاجية والاستهلاكية المستدامة. فالمواد المتجددة تمثل فرصة للعديد من بلدان العالم الثالث لاختيار الطريق المناسبة لها للتحديث والمشاركة في صياغة مستقبل البشرية.
وبالفعل فقد أثبت الدكتور حامد الموصلي في ورقته ما وعد به من خلال أبحاثه وعمله الميداني المتواصل في مجتمعات الريف والبدو بخاصة، حيث قدم العديد من نماذج استخدام العلم والتكنولوجيا من أجل توظيف تلك الموارد المادية المتجددة، كجريد النخيل مثلا، في إشباع الحاجات الأساسية لغالبية سكان الريف فضلا عن نشر نماذج لصناعات صغيرة معتمدة على الموارد المتجددة والمتناغمة ثقافيا وتكنولوجيا مع السياقات الريفية المحلية.
وقد عقب عليه في المؤتمر الدكتور هانس فان فينن (بوضع ثلاث نقاط على الفاء )، أستاذ هندسة الإنتاج بجامعة أمستردام، بورقة من ثلاثة عشر صفحة، واثنتين وسبعين صورة ضوئية موثقة لها، ليؤكد على أهمية إسهام الدكتور الموصلي ليس فقط في حل مشكلات البقايا الزراعية في الريف المصري، وإنما بالمثل في تقديم نموذج ليته يحتذى على مستوى العالم، لا سيما عند الغربيين للحفاظ على التوازن الإيكولوجي، ومن ثم تصحيح وتجاوز نمط الاستهلاك السائد عندهم وما يترتب عليه من إنتاج للنفايات وبالتالي طرح مشكلة التخلص منها وما يمثله ذلك من عبء وتكلفة عالية يتحملها كافة أعضاء المجتمع بشكل عام.

ولنترك الآن محور العلوم الطبيعية لنتطرق إلى المحور الثاني: العلوم الاجتماعية والإسهام العربي فيها. كان البحث الأساسى في هذا المحور للأستاذ الدكتور محمد حامد دويدار، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة الاسكندرية، وموضوعه: الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية: هل هي أزمة مالية؟ وقد ذهب الدكتور محمد دويدار في محاضرته الشيقة التي ألقاها باللغة الانجليزية، ليتحدث بها إلى أغلبية جمهور المحاضرة، مع أنه كان قد دونها من قبل بالفرنسية، إلى أن الأزمة هنا هيكلية وليست مالية ، بمعنى أن الاقتصاد الغربي في مرحلته الحالية صار يعتمد بصورة متنامية على النشاط الاقتصادي الافتراضي أكثر من الانتاجي، وهو ما ترتب عليه هذا السقوط المدوي والمتلاحق، والذي قد يستدعي بعض الحلول الوقتية كلجوء بعض الدول لطبع أوراق نقدية لا يقابلها إنتاج فعلي مما يعمق من الأزمة بدلا من أن يخففها. والمخرج من هذه الأزمة يتمثل في رأي الدكتور دويدار في اللجوء للمشاريع العامة التي توظف فيها كل طاقات المجتمع بدلا من المشاريع الخاصة التي تستهدف تعظيم الأرباح بالنسبة لعدد من الناس يتزايد ضآلة على حساب عامة الشعب الذي يعم تدهوره الاقتصادي والحياتى.
وقد علق على محاضرته مؤكدا أهميتها في الكشف عن تلك الآلية الخطيرة الأستاذ الدكتور كريستيان زيجرست ، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مونستر بألمانيا. وكان قد شارك في المؤتمر بناء على دعوتي المتأخرة له كي يقوم مقام الراحل "جورج لابيكا "، أستاذ فلسفة التاريخ بجامعة باريس، والذي كان قد عبر لي عن شديد حماسته لمناقشة الدكتور دويدار في بحثه هذا، لكن المنية وافته قبل انعقاد المؤتمر بأسابيع قلائل مما حرمنا من مساهمته القيمة لاسيما وأنه كان من كبار الغربيين المعجبين بإضافات الدكتور محمد دويدار ومنهجيته البحثية المتقدمة والمثرية للنقاش .

وأخيرا نتطرق إلى المحور الأخير في اللقاء البحثى، وهو محور الفن حيث اخترت العمارة بوصفها معبرة عن مجمل الفنون التشكيلية ذات الطابع الجمالي والاستعمالي في آن. وفي هذا السياق قدم الدكتور "جيمس ستيل"، أستاذ العمارة المرموق بجامعة جنوب كاليفورنيا بحثاً موضوعه: عمارة الهوية عند حسن فتحي وراسم بدران. تطرق فيه الباحث إلى تطور المهندس حسن فتحي من تابع لنماذج العمارة الغربية في أوائل القرن الماضي إلى ناقد للتبعية لها منذ الثلاثينات والأربعينات. وأن عمارة الفقراء التي اشتهر بها لم تجد الصدى الذي كان يأمله لها صاحبها، بينما وجد ذلك أحد تلامذة حسن فتحي، وهو المعماري الأردنى ، فلسطينى الأصل راسم بدران الذي أصبحت له شهرة عالمية في تجديد العمارة الإسلامية على وجه الخصوص. وهنا انبرى الباحث الألماني "أندرياس فايلاند" يرد على"جيمس ستيل" في بحث مكون من تسع وثمانين صفحة، عاد واختصره بناء على طلبي إلى خمس عشرة صفحة يبين فيه أهمية الإسهام العالمي لحسن فتحي . وقد عنون بحثه بعبارة: القيمة الاستعمالية تجب القيم المحض جمالية. وقد اختلف فايلاند في بحثه المتعمق مع "ستيل" في رؤيته لعمارة حسن فتحي. فهي لم تنبع - فى رأيه - من مجرد نزعة وطنية في مقابل هيمنة العمارة الغربية وطرزها، وإنما من انحياز حسن فتحي لإشباع حاجة البسطاء من أهل الريف إلى مسكن مناسب يأوون إليه، وذلك مع الاسترشاد بآخر ما توصلت إليه المعرفة البشرية من اكتشافات لقوانين تيارات الهواء التي تؤكد نظرية الملاقف في العمارة العربية الموروثة وما اتصل بها من قباب. كما أن حسن فتحي قد وعى أن بيوت الفلاحين في مصر تقوم على نظمهم القيمية التي تحث على التضامن لبناء كل دار جديدة في القرية، ومعاقبة من يخرج على هذا الإجماع أدبيا، واجتماعيا بنبذه وعدم التعامل معه.

ثم ألقى المهندس المعماري د. راسم بدران (الأردن) بحثا موضوعه: روائية المكان، حيث استهله بقوله
ان الفراغ المعماري مرتبط بثقافة المكان بما له من تاريخ وتنوع بيئي ومناخي وعادات وتقاليد وطبائع موروثة ، ولغة ونسق عقائدى خاص. فعندما يفقد الفراغ المعماري شروطه الخاصة ويتطابق مع الفراغ الهندسي تتحول العمارة إلى منظومة وظيفية يسهل إستبدالها ونسخها في أي مكان في العالم لفقدانها مقومات العلاقة الحميمة مع من يجاورها فتغيب عنها صفة استمرار التراث الحي.
فالتوالد المتجدد للعمارة يحمل المعنى التراثي في داخله فهو معرفة متجددة لحالة غير منتهية من التكوين والتي تنتج عن علاقة مركبة من خلال جذب المكان للإنسان المشكل لهذا المكان فيتوالد عمل تراثي متجدد يلبس لبوسا متغيرا مندمغاً بالمكان وقوة جذبه للإنسان.
وبعد أن قدم تحليلا لعدة نماذج من ِأهمها مدينة صنعاء التاريخية، خلص راسم بدران إلى القول:
إن مقاربتنا هذه ما هي إلا طرح إبستمولوجي لصياغة المكان كي لا تتحول مدننا إلى مقابر خالية من الحياة، ينتظر الفرد فيها لحظة الخلاص الأبدية ، وكي لا ندع من يخلفنا في حيرة من المجهول، وكي لا نتمثل ما هو إنساني اجتماعي بوسائط الحضارة المادية المعاصرة المؤقتة (منظومة الاستهلاك)، علينا أن نسعى إذن لتهيئة حيز عمراني عضوي أليف متحرك يعمره الكبار بلهوهم، والصغار بلعبهم الاكتشافي على حد سواء لتصبح مدناً ذات معنى تحقق التوازن ما بين المادي والروحي.
وهكذا فقد أكدت كافة بحوث هذا اللقاء البحثى، وما دار فيه من نقاش وتعليقات من جانب كبار الباحثين العرب والغربيين، على أن أية معرفة تخصصية هي إنما معرفة تخص مجتمع محدد، وتنبع من الأسئلة التي يطرحها، وليست مجرد معرفة عامة تطبق على أي مجتمع من خارجه، بينما هي مستخلصة في الأصل من الإجابة على أسئلة مجتمع مختلف، تستجيب لاحتياجاته في المقام الأول، ومهما تجاوزتها، فهي في النهاية قائمة عليها، متخصصة في إشباعها. وهو ما لا يعني الانغلاق على أسئلة الذات الاجتماعية الثقافية في خصوصيتها النسبية، وإنما يكون الانطلاق منها والتأسيس عليها في اختبار مدى مصداقية ما تقدمه الخصوصيات الاجتماعية الأخرى من نتائج وحلول نابعة عنها، مهما كانت مبهرة أو متميزة. ومن ثم فالإضافة إليها تكون ابتداء من الاختلاف الموضوعي بين الذات والآخر المجتمعي، الذي يشكل الوعي به أول شروط التبادل الثقافي والازدهار الحضاري الحق القائم على ندية إنتاج المعارف والحلول، وبذلك تصبح الإضافة عملية إنتاجية موازية لها، ومبدعة لثقافة الذات وسائر الثقافات على مستوى العالم أجمع في آن. هو إذن نموذج بديل لعالمية جديدة تقوم على احترام الاختلاف الموضوعي بين الثقافات وتعميق القدرة على الانفتاح الإبداعي بينها تأسيسا على الوعي بذلك الاختلاف الموضوعي اجتماعيا، وبيئيا، وتراثيا، بما يحقق إثراء لثقافة الإنسان المعاصر بديلا لذلك التسطيح المتعارض مع أية تبادل ثقافي حق، والذي تلعب آليات السوق العالمية دورا سالبا في انتشاره على مستوى العالم.
ثم جاء دور كاتب هذه السطور ليس بوصفه منظما لهذا اللقاء البحثى ، وإنما كمشارك فيه ليلقى فى ختام اللقاء ورقة عنوانها "مدخل منهجي بديل لدرس العلاقة بين الأدب العربي الحديث والأدب العالمي"، قدم فيها نقدا للنظريات الغربية القائلة بالتثاقف والتثقف من الخارج بوصفها تؤكد على سياق إنتاج الأثر الثقافي، مهمشة لسياق استقباله، بينما عمد كاتب هذه السطور لتوضيح أهمية سياق الاستقبال في جدلية علاقته بسياق الإنتاج الأدبي والثقافي في إضفاء أبعاد جديدة على العمل الأدبى ربما لم تخطر أصلا على ذهن كاتبه حين كتبه في سياق مختلف. ومن هنا يتحول سياق الاستقبال إلى سياق منتج، بل مبدع لعمل ثقافي مواز للعمل الأصلي. كما أضاف هنا صاحب هذا البحث مقترحا للتمييز بين الاستقبال الواعي بالاختلاف الموضوعي بينه وبين سياق إنتاج النص الأصلي، حيث يصبح مبدعا ومضيفا إليه، والاستقبال الأقل وعيا بهذا الاختلاف الموضوعي، إذ يظل يراوح مكانه في إطار "صورة" الآخر كما تتمثل لدى الذات انبهارا بها أو رفضا لها من منظور يمكن أن يوصف بالمركزية العرقية المتريفة.

هكذا يأتي تنظير صاحب هذه البحث (وهذه السطور) بديلا للدور المهيمن الذي تلعبه آليات السوق العالمية في الترويج للأدبيات الغربية ومن ثم هيمنة معاييرها على سواها من الآداب غير الغربية ( أنظر معايير جائزة نوبل فى الأدب على سبيل المثال )، مقترحا ندية كاملة بين كافة الآداب سواء كانت غربية كانت أو شرقية على مستوى العالم أجمع.

مما سبق نخلص لما يلى:
إذا كان نمط الإنتاج السائد على الصعيد العالمى فى أزمة مستفحلة بسبب اعتماده على آليات السوق العالمية ، واستهدافه منذ نشأته الأولى تعظيم الربح النقدى للأفراد على حساب مجموع البشر ، وبلا أية احترام لمتطلبات البيئة الطبيعية والإكولوجية ، فضلا عن انتهاكه لحقوق معظم البشر فى عالم اليوم ، فإنه من الحماقة أن نمضى فى إثره بحثا عن إشباع حاجاتنا عن طريق السوق الدولية ، بينما نملك كل تلك الطاقات الإنتاجية التى يمكنها أن تحقق ، لو وظفت فى مشاريع إنتاجية قومية عامة على نطاق القطر المصرى بأكمله ، فيضا من انتاج الغذاء ، والكساء ، والدواء ، والمسكن الملائم ، والمواصلات ( إن بلدا كإندونيسيا ينتج وسيلة المواصلات الرئيسية فيه : الفسبا ) وهو ما يمكن أن يحدث نقلة نوعية تشابه فى إنجازاتها انتصارات الشعب المصرى على تحديات حرب أكتوبر . وبما أن ذلك كله لا يتحقق سوى من خلال مختلف التخصصات التى نتوفر على تعلمها فى مدارسنا ومعاهد العلم عندنا ، فيجب أن توجه هذه فى المقام الأول لخدمة هذا المشروع القومى المستقل . وفى هذه الحالة تصبح علاقتنا بالخارج ، لاسيما الغربى نابعة من وعينا باختلافنا الموضوعى عما توصل إليه من حلول مهما كانت مركبة أو متماسكة . فحلوله مهما كان شأنها إنما هى نابعة من سياقاته هو المختلفة موضوعيا عن سياقاتنا المجتمعية ، بل ومن تراكم الثروات المادية لديه على حساب شعوبنا ، وهو ما يجب أن يحفزنا على أن نوجد سبلا نروض بها هذا التحدى . فمن خلال الوعى بالاختلاف تكمن القدرة على الإضافة والتحدى . لكن ذلك لن يتأتى إلا بمشروع قومى عام يجيش له وعى كافة المواطنين: مشروع يجند فيه الجميع لخدمة الجميع فى هذا البلد . عندئذ لن نرى ظاهرة الهروب للخارج عبر البحار لأن الأمل العام سيظللنا جميعا .. ومن خلال هذا التوجه العام للمجتمع المصرى يمكن أن تنعدى منه سائر المجتمعات المهمشة فى عالم اليوم ، من الهند وباكستان إلى سواهما من أكثر الأقطار معاناة من الفقر والعوز لتصبح من أكثرها عطاءا لذاتها وللبشرية على حد سواء. بل سنجد العديد من الشعوب الغربية ذاتها تقف تحية لنا ورغبة فى التعلم من تجربتنا التحريرية هذه. ومن ثم يمكن أن تظهر فى الأفق معالم ثقافة عالمية بديلة تقوم على ندية التفاعل بين مختلف المجتمعات على أسس مقاربة للرشادة العلمية الحقة . هل أكون مفرطا فى التفاؤل إذن ؟ فلنجرب هذا السبيل ولن نخسر سوى ما نحن فيه الآن من أزمة مستفحلة بكل المقاييس .. ولا ننسى أن إطلاق هذا النداء من كلية الألسن هو الأنسب باعتبارها أنشئت فى الأساس لإشباع احتياجات مجتمعنا المصرى عن طريق درس آخر ما توصلت إليه المجتمعات المتقدمة فى مختلف التخصصات لا سيما العلمية الطبيعية والتطبيقية، وليس فى الأداب القومية وحدها كى تصبح لنا بصمتنا التاريخية التى بلغت حتى نهاية العقد الرابع من القرن الثامن عشر من منتصف آسيا لمنتصف أفريقيا..

 

 (الحوار المتمدن)

أضف تعليقك