نحن… بعد ثلاثين عاماً من غزّة الآن!

هل يمكن للكتابة أن تحتمل كلّ هذا الأسى؟ وما الذي يمكن أن يقوله طفل بعد ثلاثين عامًا لم تعصف بذاكرته شلالات الدم والدمار التي نعيشها اليوم؟ كيف يمكن أن يصدّق أمرًا كهذا إن تسلل خلسة إلى مسامعه؟ هل سينظر في عينَي أُمّه ليتأكد من صحة ما سمِع، وهو يرى بأمّ عينيه الماضي الذي تمّ تزويره صورة وصوتًا، في زمن سيكون الذكاء الصناعي فيه قادرًا على صناعة أي شيء بدقة أكبر وإقناع أكثر من أعيننا، الآن، بآلاف المرات؟
لقد التقيتُ أناسًا لا يستطيعون أن يصدّقوا بعض ما حدث في الزمان القريب، أو البعيد نسبيًّا، وأعني القرن الماضي، إنهم يُشرعون أفواههم فتخرج منها كلمة واحدة لا غير: معقول؟!
هل يمكن أن يصدّق أولئك الذين يولدون اليوم، ونتمنى أن تكون لهم كل الفرص لأن يعيشوا الغد، كيف أن أنظمتنا العربية بقاداتها وجنرالاتها وأموالها وجيوشها لم تكن أكثر من خيبة وظلال شاحبة لا تستطيع حتى إطلاق رصاصة من ظلّ، من بندقية من ظلّ، من خندق من ظلّ، من عواصم من ظلّ، من جيوش من ظلّ؟
كيف يمكن أن يصدّق أن الكلام، حتى الكلام، لم يكن أكثر من بخار سرطانيّ فاسد في أفواه الزعماء والقادة؟ كيف على طفل أن يظلّ طفلا في الجهل وهم يوهمونه بالنجاح في دروس التربية الوطنية وهو يُمتحن مجيبًا على أسئلة حول مآثر هؤلاء الزعماء وبطولاتهم وقدراتهم على البناء ومساهماتهم في تغيير مسار الإنسانية نحو التقدّم والازدهار كقادة كونيين؟
ما الذي سيفعله الأبُ غدًا، وتفعله الأمُّ، وتفعله الجدّة والجدّ، حين يجلسون على أطراف أسرّة أحفادهم؟ ما الذي سيقولونه لهم، عن الطفولة التي عاشها هؤلاء الآباء والأجداد، وعن مساهماتهم في أن تكون أيام الأحفاد هي الأروع، والأوطان هي الأبهى، والأمان سيد الطرقات، والأفق نقيًّا يبشر بمئة شمس مشرقة قادمة؟
ما الذي سيقوله المعلّم في غرفة الدّرس، وتقوله المعلّمة، ويقوله الأستاذ الجامعيّ لطلبة وصلوا إليه من المدارس بلا ذاكرة، ليضمن النظامُ التعليميّ حينها أنهم لن يتخرجوا من الجامعة قبل أن تكون ذاكرتهم قد انمحت أكثر؟
ما الذي سيقوله الطبيب الذي استطاع أن يمنع بصفاء ضميره ارتعاشَ يديه أمام أسئلة حفيده الأول وهو يسأله ببراءة: كم من طفل ولِد على يديك، وهو يستعيد كم من ذراع بُترتْ واضطرّ أن يخفيها تحت سرير صاحبها، أو يرسلها مع شاب ليدفنها، شاب قد لا يعود، أو يعود بلا ذراعين أو قدمين؟
ما الذي سيقوله أبٌ حين يسأله طفله: ما هي أمنيات الأطفال التي كانت تتحقّق، حين كنتَ طفلاً؟ هل سيجيبه أنه لا ينسى أبدًا أحد الأطفال الذي رآه يبكي ويقول: كلّ ما أريده أن ألمسَ يدي، وهو يشير إلى مكان يده المبتورة؟ وكيف يمكن أن يجيب عن سؤال طفله إذا سأل: وهل كانت أيدي الصغار متباعدة إلى هذا الحدّ؟! ما الذي سيقوله وبأيّ لغة، في زمن تكون العربية فيه قد فقدت معناها وجدواها، وتمّ إخصاؤها، ووأد كل الكلمات التي لها علاقة بالكرامة والحياة والحق، والرّفض، والاحتجاج، والصدق؟ ما الذي سيقوله له إذا سأله: هل صحيح أنه، في أيامكم، كان هناك وحش كبير يقتل الصغار إذا ذهبوا إلى البحر، أو رآهم عائدين أو ذاهبين إلى مدارسهم، أو علم أنهم خُدج في حضانات المستشفيات؟ وأنه لم يترك لواحدة من الأمهات شَعرة واحدة من شَعر ابنها؟ أو أنه قتل كل أبنائها ووضع فوقهم جبلًا من الحجارة، ولم يترك لها واحدًا منهم؟
هل صحيح أن أحدًا من البشر لم يعترض طريقه؟
ما الذي سيقوله هذا وذاك وهذه وتلك؟ ما الذي سيقوله هؤلاء في زمن غير هذا بعد ثلاثين عامًا، في عالم عربي منزوع اللغة ومنزوع التاريخ ومنزوع الكرامة؟ أم ليس هناك ضرورة لقول أيّ شيء لأن المحو قد تمّ وأراحهم من كل الأسئلة البريئة الصّعبة هذه؟
هل سيكفّون عن الإنجاب هربًا من أسئلة صغار لم يولدوا بعد؟
ما الذي سيقوله الفلسطيني الذي نجا من لعنة الذلّ، والعربي الذي نجا، والإنساني الذي نجا، وقد غدوا مُطاردين، يمرون في الليل تحت شبابيك الصغار ويرتّبون لهم أحلامهم ويهمسون لهم بكلام لم يعودوا يسمعونه لا في البيت ولا في المدرسة ولا في الجامعة، كلام لا يجرؤ الأبناء على البوح به حتى لحبيباتهم، ولا تجرؤ الحبيبات على البوح به لعشاقهنّ؟
هل يمكن أن تكون هناك مساحة للحبّ والحياة في عالم كل نوافذه مغلقة، وعقول أبنائه مغلقة، وقلوب أبنائه مرهونة للعمى؟
هل سيُدَرَّسُ الكذب ليكون أعلى التخصصات وأكثرها دَرًّا للأرباح والنجاح في شبه الحياة، تحت شبه البيوت وشبه الأشجار وشبه الأمومة وشبه الأبوة وشبه الرّجولة وشبه الأنوثة وشبه الأرض وشبه السماء وشبه الطريق وشبه المدى؟
هل سيبقى للعربي من معنى غير تلك المعاني البريئة لأطفاله في عالم ستختفي فيه الإجابات، إذا تُركت غزة وحيدة اليوم؟
وبعــــد:
أيها العربي
لا تطلب من وطنك اليوم أكثر مما يستطيع
لقد فعل الكثير ليكون السجنُ لك
والهواء الأقل والفرح المحنّط لك
الرقابة وأرغفة المرارة لك
البيوت التي بلا نوافذ والسماء التي بلا شمس
والقمر المكسور الساقين
والشجرة العرجاء التي تطاردها جيوشه المنكسرة في كل الحروب، لك
لا تطلب أكثر من أغنيات مثقلة ظهورها بانتصاراته الوهمية
وأيام استقلال تبحث عنها في التقويم منذ ثمانين عامًا ولا تجد لها أثرًا
والإهانة الأكبر في كلّ مطار تصل إليه
كلما أشهرتَ جواز سفرك وتأمّلوا صورتك الشاحبة فيه
لقد أعدَّ لك الشوارع التي تحفّ بأرصفتها القبور كما أعدَّ لأحلامك الخيبات
لا تطلب من وطنك اليوم أكثر مما يستطيع
فلتكن طيبًا ولتكتفِ بكل هذه النِّعم:
أبٌ بلا رأس لا يكفّ عن الكلام
وأُمّ بلا ذراعين لا تكفّ عن احتضانك
وأطفال طيّعون كيوم بلا غد
وابتسامة مثل أربعين دمعة تشبهها
وعدوّ يدعوك للاقتراب منه كلما لمحك من قريب أو بعيد
لأنك أقلّ كثيرًا من أن يسير إليك كلما خطر بباله أن يقتلك
أيها العربيّ، سِرْ إلى هاويتك إذن
وإلى سؤال حفيدك الذي ينتظرك هناك بعد ثلاثين عامًا:
جدّي، هل سمعتَ من قبل بمدينة اسمها «غزّة»؟

أضف تعليقك