- الملك عبدالله الثاني، يعلن الخميس، توقيع اتفاقية تعاون دفاعي مع فرنسا
- البنك المركزي الأردني يحذر المواطنين من التعامل مع جهات وشركات تدّعي تقديم خدمات التمويل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا ضرورة التحقق من ترخيص الجهة قبل التعامل معها أو تحويل أي مبالغ مالية
- ارتفاع عدد المسجلين للتبرع بالأعضاء عبر تطبيق "سند" إلى 28821 شخصا، وفق ما أفادت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة
- وزارة الصحة في قطاع غزة تفيد بأن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 5 شهداء و28 مصابا
- مقتل ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة أخرين، الخميس، خلال مهمة أمنية لإلقاء القبض على أحد المطلوبين في مدينة الصنمين بريف درعا
- يكون الطقس معتدل الحرارة في أغلب المناطق، وحارا في البادية والأغوار والبحر الميت والعقبة
كيف يضع فيلم «نازا» شهادات عسكريين إسرائيليين أمام أسئلة الإبادة؟
لم يكن فيلم «نازا» مجرد وثيقة سينمائية عن الحرب في غزة. ما يفعله الفيلم أكثر تعقيداً: يأخذ شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، ويضعها أمام سلسلة من الوقائع والتصريحات والتحقيقات التي ظهرت منذ بداية الحرب، ثم يترك للمشاهد أن يرى كيف يمكن أن تتحول حياة المدنيين إلى أرقام تدخل في حسابات الاستهداف.
الفيلم، الذي أخرجه الاسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل سور، استغرق العمل عليه ثلاث سنوات، وصُورت مقابلاته سراً خلال الليل فوق أسطح في "تل أبيب"، فيما أخفيت هويات المشاركين عبر تغيير أصواتهم وصورهم. ويشارك في الفيلم 24 عسكرياً وضابط استخبارات ومطلعاً على عمل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بحسب مصادر الفيلم والجهات التي غطت عرضه في مهرجان البندقية.
وحصل «نازا» في سبتمبر/أيلول 2026 على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، بعد عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية.
لكن أهمية الفيلم لا تتوقف عند الجائزة أو الجدل الذي أثاره. السؤال الأصعب يتعلق بما تقوله الشهادات عن الطريقة التي تُتخذ بها قرارات القصف، وكيف يتم التعامل مع المدنيين الموجودين في محيط الهدف.
«نازا».. عندما يصبح عدد المدنيين جزءاً من معادلة الضربة
اسم الفيلم مأخوذ من مصطلح يستخدم داخل السياق العسكري الإسرائيلي للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في هجوم معين، بحسب ما يقدمه الفيلم وشهادات المشاركين فيه. وتصف تقارير عن الفيلم المصطلح بأنه يشير إلى «الضرر الجانبي» المتوقع، بما في ذلك الخسائر البشرية بين المدنيين.
هذه النقطة هي مفتاح الفيلم كله.
فالشهادات لا تقدم القصف باعتباره عملية تبدأ لحظة إطلاق الصاروخ، وإنما كعملية طويلة تسبقها طبقات من جمع المعلومات وتحليلها. يتم تحديد الهدف، جمع البيانات عنه، تحديد موقعه، مراقبة الأشخاص المرتبطين به، ثم تقدير عدد المدنيين الموجودين في المكان أو حوله، قبل أن تصل العملية إلى مرحلة اتخاذ القرار.
أحد المشاركين يصف نظاماً معلوماتياً يعرض خريطة مفصلة لأحياء غزة، مع بيانات عن المباني والسكان. وبمجرد تحديد مبنى، يمكن الوصول إلى معلومات عن الأشخاص الموجودين داخله، بما في ذلك أفراد العائلة والأطفال، إضافة إلى تقديرات مرتبطة بالضرر المتوقع من الهجوم.
هنا تتغير طبيعة القصة.
المدنيون لا يظهرون في نهاية العملية باعتبارهم ضحايا غير متوقعين، وفق الرواية التي يقدمها الفيلم، وإنما يمكن أن يدخل وجودهم في مرحلة مبكرة من عملية اتخاذ القرار نفسها.
وهذه هي النقطة التي تجعل «نازا» مختلفاً عن مجرد تسريب جديد أو شهادة فردية عن تجاوزات في الحرب.
شهادة الـ500 مدني
من أكثر المقاطع إثارة للجدل في الفيلم شهادة مصدر يروي أن موافقة صدرت في إحدى الحالات على ضربة كان متوقعاً أن تؤدي إلى مقتل 500 مدني.
وعندما سُئل المصدر عن أكبر عدد يتذكره من الضحايا المتوقعين في ضربة واحدة، قال إنه لا يعرف العدد الفعلي للقتلى لأن نتائج الضربة لم تكن تخضع، بحسب روايته، للتقييم بالطريقة التي يتوقعها المرء بعد عملية بهذا الحجم.
أما رقم الـ500، فيقول المصدر إنه يتذكر موافقة صدرت على ضربة بهذا العدد المتوقع من القتلى المدنيين.
الجيش الإسرائيلي رفض هذه الرواية، وقال إنه لم يخطط أو ينفذ ضربة خلال الحرب مع توقع مقتل 500 مدني فيها، كما رفض ما عرضه الفيلم بشأن آليات الاستهداف.
وهنا يجب التعامل مع الشهادة كما هي: رواية مصدر مجهول الهوية، قدمها الفيلم ضمن مجموعة أوسع من الشهادات، لكنها ليست بحد ذاتها حكماً قضائياً على واقعة محددة.
مع ذلك، فإن قيمة الفيلم بالنسبة إلى صانعيه لا تقوم على شهادة واحدة. المخرجون يقولون إن أجزاء كبيرة من المعلومات الواردة فيه سبق أن ظهرت في تحقيقات صحفية، بينها تحقيقات نشرتها «الغارديان» بالتعاون مع «+972» و«لوكال كول»، وإن العمل السينمائي أتاح لهم جمع الشهادات والوقائع في رواية واحدة عن طريقة عمل المنظومة.
من شاشة الحاسوب إلى المنزل المستهدف
تتكرر في الفيلم فكرة المسافة الكبيرة بين من يضغط على زر القصف ومن يعيش داخل المبنى المستهدف.
العسكري أو ضابط الاستخبارات يجلس أمام شاشة، يرى خريطة وبيانات وأسماء ومواقع، ويشارك في عملية تحديد الهدف وتقدير الخسائر المحتملة. في الطرف الآخر من العملية، هناك منزل أو شقة أو مبنى يعيش فيه أشخاص قد لا يعرفون أصلاً أنهم دخلوا في منظومة الاستهداف.
بعض الشهادات تتحدث عن قصف منازل ليلاً مع معرفة بوجود عائلات فيها، وعن عمليات تدمير في مناطق كان معروفاً أن مدنيين ما زالوا موجودين فيها، إضافة إلى روايات عن إحراق منازل وقتل فلسطينيين بالقرب من مواقع لتوزيع المساعدات.
الفيلم لا يقدم هذه الوقائع بوصفها أخطاء منفصلة. ما يحاول بناءه هو صورة لنمط عمل، تبدأ فيه العملية بالمعلومة وتنتهي بالضربة، بينما يصبح عدد المدنيين المتوقع قتلهم أحد عناصر القرار.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التحقق من كل شهادة على حدة، لأن إثبات وجود سياسة ممنهجة يختلف قانونياً عن إثبات وقوع انتهاك أو جريمة في حادثة منفردة.
ماذا يقول الجيش الإسرائيلي؟
الجيش الإسرائيلي رفض الاتهامات الواردة في الفيلم، وشكك في إمكانية التحقق من هويات الأشخاص الذين ظهروا فيه ومدى اطلاعهم الفعلي على القرارات التي تحدثوا عنها، بسبب إخفاء هوياتهم.
كما رفض تصوير عمليات الاستهداف باعتبارها قرارات آلية، وقال إن البشر هم من يختارون الأهداف ويصادقون على تنفيذ الضربات. وأكد أن عملياته تخضع للقانون، وأنها تتضمن إجراءات تهدف إلى تقليل إصابة المدنيين.
هذه الرواية تضع الخلاف في مكان واضح: الفيلم يتحدث عن منظومة ترى فيها شهادات مصادر من داخل المؤسسة أن الخسائر المدنية تدخل في حسابات الاستهداف، بينما يقول الجيش إن قرارات الضربات يتخذها بشر وفق إجراءات قانونية وبهدف تقليل الضرر على المدنيين.
وبالتالي، فإن الفيلم لا يغلق النقاش، لكنه ينقله إلى مستوى أصعب: كيف يمكن اختبار روايات المصادر المجهولة مقابل السجلات العسكرية، وبيانات الضربات، وصور الأقمار الصناعية، وسجلات الاتصالات، وشهادات الناجين، والتحقيقات المستقلة؟
عندما تدخل الشهادات إلى ملف الإبادة
هنا تصبح قصة «نازا» أكبر من السينما.
محكمة العدل الدولية تنظر منذ ديسمبر/كانون الأول 2023 في دعوى رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. القضية لم تصل بعد إلى حكم نهائي في أصل الاتهامات، وما تزال في مرحلة المرافعات المكتوبة. وفي مايو/أيار 2026 حددت المحكمة موعد 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2027 لتقديم جنوب أفريقيا ردها، على أن تقدم إسرائيل مرافعتها اللاحقة في 22 مايو/أيار 2029.
وهذا التفصيل مهم، لأن الحديث عن «الإبادة» في هذه القضية ليس مجرد وصف سياسي. قانونياً، تحتاج المحكمة إلى بحث عناصر محددة، بينها الأفعال التي تدخل ضمن تعريف الإبادة، والأهم إثبات القصد الخاص، أي نية تدمير جماعة محمية كلياً أو جزئياً.
جنوب أفريقيا قدمت للمحكمة، ضمن ملفها، تصريحات لمسؤولين إسرائيليين وأفعالاً وسياسات قالت إنها تساعد في إثبات وجود هذا القصد. ومن بين المواد التي أثارتها تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما أعلن ما وصفه بـ«الحصار الكامل» على غزة قائلاً: «لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا وقود».
كما استندت جنوب أفريقيا إلى تصريحات أخرى لمسؤولين إسرائيليين، بينها إشارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى قصة العماليق في خطاب ألقاه خلال الحرب.
لكن المحكمة لم تصدر حتى الآن حكماً نهائياً يقول إن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية. ما صدر حتى الآن يتعلق بتدابير مؤقتة في القضية، فيما يستمر النظر في أصل الدعوى.
لماذا تهم شهادات العسكريين في هذه القضية؟
لأن أحد أصعب الأسئلة في قضايا الإبادة هو الانتقال من إثبات حجم الضرر إلى إثبات النية.
عدد القتلى وحده لا يكفي قانونياً لإثبات الإبادة. وكذلك لا تكفي شهادة عن ضربة واحدة. المطلوب هو النظر في مجموعة من الأدلة لمعرفة ما إذا كانت الأفعال والسياسات والخطاب الرسمي تكشف عن قصد محدد.
وهنا تكتسب شهادات «نازا» أهمية محتملة، لا باعتبارها دليلاً حاسماً بحد ذاتها، وإنما لأنها تأتي من أشخاص يقولون إنهم كانوا داخل أجهزة شاركت في جمع المعلومات أو تحليل الأهداف أو تنفيذ العمليات.
الفيلم يضع هذه الشهادات إلى جانب التحقيقات الصحفية السابقة، والتصريحات الرسمية، وأنماط القصف والتدمير، ثم يطرح رواية متكاملة عن آلية اتخاذ القرار.
هذا النوع من المواد يمكن أن يكون مهماً في أي تحقيق قانوني، لكن قيمته النهائية تعتمد على إمكانية التحقق من الشهادات، وتحديد مواقع أصحابها داخل التسلسل القيادي، ومطابقة رواياتهم مع وثائق وأدلة مستقلة.
من التحقيق الصحفي إلى قاعة المحكمة
واحدة من النقاط اللافتة في «نازا» أن جزءاً من قصته سبق أن ظهر في الصحافة الاستقصائية.
المخرجون أنفسهم يقولون إن العديد من الاكتشافات الواردة في الفيلم نُشرت في تحقيقات للغارديان وشركائها خلال السنوات التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. والفيلم، بحسب وصفهم، يحاول الانتقال من نشر المعلومة إلى إظهار ما وراءها، بما في ذلك الصمت الذي يحيط بعمل المنظومة.
وهذا يفتح مساراً مهماً أمام الصحافة أيضاً.
فالتحقيق الذي يكشف شهادة، والفيلم الذي يجمع عشرات الشهادات، والباحث الذي يطابقها مع صور الأقمار الصناعية، والمحامي الذي يضعها أمام محكمة، لا يقومون بالعمل نفسه. كل مرحلة تحتاج إلى مستوى مختلف من الإثبات.
إذا كانت الشهادة تقول إن المدنيين كانوا معروفين لدى الجهة التي نفذت الضربة، يمكن اختبار ذلك عبر سجلات الإخلاء، وصور ما قبل القصف وبعده، وشهادات السكان، وبيانات الاستهداف إن توفرت، وربما سجلات الاتصالات أو الوثائق التي يمكن الوصول إليها لاحقاً.
عند هذه النقطة، يتحول الفيلم من مادة إعلامية إلى خيط يمكن أن يقود إلى أسئلة قانونية أكثر تحديداً.
معركة أخرى داخل إسرائيل
لم يتوقف الجدل عند مضمون الفيلم.
بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في البندقية، تصاعدت الهجمات السياسية على المخرجين. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعلن في سبتمبر/أيلول 2026 أنه يعتزم طرح تشريعات تستهدف ما وصفه بتشويه سمعة الجنود الإسرائيليين، بما في ذلك إجراءات تتعلق بالجنسية والعقوبات على التشهير. وجاء ذلك في خضم حملة سياسية وإعلامية واسعة ضد الفيلم ومخرجيه.
وكان وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر قد هاجم الفيلم والمخرجين، مطالباً بالنظر في إجراءات بحقهم، ومتهماً إياهما بالخيانة والتعاون مع أعداء إسرائيل.
بهذا انتقل النقاش من سؤال: «ماذا حدث في غزة؟» إلى سؤال آخر داخل إسرائيل: «هل يجوز كشف ما يحدث من داخل المؤسسة العسكرية؟».
وهذه النقلة تكشف جانباً آخر من أهمية «نازا». فالفيلم لا يواجه فقط رواية رسمية عن الحرب، وإنما يواجه أيضاً صراعاً على حق العاملين السابقين أو الحاليين داخل مؤسسات الدولة في الحديث عما شاهدوه أو شاركوا فيه.
الفيلم ليس حكماً قضائياً
من السهل أن يتحول فيلم ناجح في مهرجان دولي إلى ما يشبه وثيقة إدانة في الخطاب السياسي. لكن هذا ليس دور الفيلم ولا دور الصحافة.
«نازا» يقدم شهادات ووقائع وتحقيقات، ويضعها في إطار يحمّل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مسؤولية نمط من القتل واسع النطاق. الجيش الإسرائيلي ينفي أجزاء أساسية من هذه الرواية، ويقول إن الفيلم لا يقدم أساساً يمكن التحقق منه بشأن هوية مصادره أو مدى اطلاعهم على القرارات التي يتحدثون عنها.
أما المحكمة، فلها معيار مختلف تماماً.
قضية جنوب أفريقيا وإسرائيل ما تزال مفتوحة، ولم يصدر حكم نهائي بشأن وقوع الإبادة. وفي الوقت نفسه، أودعت جنوب أفريقيا في أغسطس/آب 2026 ملفاً جديداً لدى المحكمة يتعلق بما تعتبره عدم امتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة، في خطوة تعكس استمرار استخدام المسار القضائي الدولي في التعامل مع الحرب.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لفيلم «نازا» لا تكمن في القول إنه حسم قضية الإبادة، فهذا ليس ما يستطيع فيلم أن يفعله.
القيمة تكمن في أنه نقل جزءاً من النقاش إلى داخل المؤسسة نفسها، ووضع أمام الجمهور شهادات من أشخاص يقولون إنهم كانوا جزءاً من منظومة الحرب. ومن هنا يبدأ الاختبار الأصعب: هل يمكن تحويل هذه الشهادات إلى أدلة مستقلة قابلة للتحقق، ثم إلى وقائع تستطيع المحاكم أن تبني عليها أحكاماً؟
في النهاية، قد لا يكون أهم ما فعله «نازا» هو ما كشفه فقط، بل الطريقة التي أعاد بها ترتيب الأدلة الموجودة أصلاً. خطاب سياسي، قرارات عسكرية، شهادات من الداخل، تحقيقات صحفية، وصور ووقائع ميدانية. كل واحدة منها تروي جزءاً من القصة، لكن اجتماعها هو الذي يجعل الملف أكثر تعقيداً، وأكثر أهمية بالنسبة إلى أي جهة تحاول تحديد ما جرى في غزة، ومن اتخذ القرارات، وعلى أي أساس.












































