في جسده المشتعل احتجاجاً

الرابط المختصر

قصة مأساوية تقشعر لها الأبدان هولا، جرت في شرق العاصمة الأردنية عمّان، حين أقدم رجل أربعيني على إضرام النار في جسده، والقفز من فوق الجسور العشرة، وهو جسر روماني قديم بالغ الارتفاع، حيث استقرت جثّته محطّمة محترقة على إسفلت شارع مزدحم بالسيارات المسرعة. ولم تفلح محاولات إطفاء النيران في جسده المشتعل احتجاجا، والذي أجهز عليه السقوط من ذلك العلو الشاهق. أوردت الأنباء أن الرجل صاحب سوابق، تائب عن ماضيه، يحاول تلقيط رزقه من خلال بيع خضروات وفواكه على "بسطة"، في مخالفة لقوانين أمانة عمّان التي صادرت أجهزتها محتويات هذه البسطة، ما دفع المواطن المُعدم الذي سُدّت في وجهه كل الأبواب إلى اتخاذ قرار الخلاص من حياته المريرة. وذكر مصدر أمني أنه تمت إحالة الوفاة إلى الطب الشرعي وفتح تحقيق في الحادثة، وباشرت الشرطة وجهات الاختصاص التحقيق لمعرفة الملابسات، والوقوف على دوافع عملية الانتحار.
تداول الأردنيون على نطاق واسع فيديوهات التقطها أكثر من شاهد عيان للحادثة المروّعة التي راح ضحيتها رجل في منتصف العمر، وصل إلى مرحلة مطلقة من اليأس والعجز وقلة الحيلة، ما جعل غريزة البقاء لديه تتضاءل في إسقاط  جبري لأبسط قوانين الطبيعة التي جُبلنا عليها، فتساوى الموت عنده مع الحياة، بل اتضح له أن الموت خيار أفضل وأكثر رأفة، في ظل كل الظلم والجور الذي تعرّض له ذلك الرجل الذي قرّر الموت مرّتين، وبطريقتين مختلفتين، تأكيدا على رغبته بالتحرّر، مرة وإلى الأبد، من ضغوط  شديدة، خضع لها طوال حياته، بحسب أقارب له أفادوا بأنه اختار طريق التوبة وإطعام أولاده رزقا حلالا. ولا يبدو أن مصادرة "البسطة" كانت السبب الحقيقي والوحيد لانتحاره، بل لعلها تراكمات من الغيظ والقهر والضغط النفسي، وصلت إلى ذروتها عند لحظة المصادرة. ومصادرة "البسطات" المخالفة إجراء يومي تتخذه الأجهزة الرقابية في أمانة عمّان، في تطبيق حرفي للقانون من دون مراعاة لأحوال الناس المعيشية الصعبة. وغالبا ما تشوبها المزاجية والمحسوبية والإفراط غير المبرّر (إنسانيا على الأقل) في تنفيذ القانون. 
أما الذين أشهروا كاميرات هواتفهم النقالة، كي تلتقط  تفاصيل اللحظة المثيرة وبثّها عبر مواقع التواصل، وكأنهم حقّقوا إنجازا تاريخيا يُحسدون عليه سعداء، بأنهم ضربوا ضربتهم بسبق صحافي، يحصدون جرّاءه "لايكاتٍ" كثيرة في "فيسبوك"، فإنهم لا يقلون وحشية وظلما، وتنصّلا من حسّ التضامن الإنساني الذي ينبغي أن يميّزنا، عن الحيوانات الضارية، حين تتحلّق حول الفريسة، متأهبة لنهش حصتها، غير آبهة إلا بسد جوع بطونها. من هنا بات من الضروري أن تتضمّن المناهج التعليمية مساقاتٍ خاصةً بمنظومة أخلاقية، لا بد من تفعيلها لتعليم أبنائنا مفاهيم جديدة بشأن التعاطي مع وسائل التواصل، وكيفية التعبير عن أنفسهم من دون المساس بكرامات الآخرين، وعن أهمية احترام الخصوصية والابتعاد عن الابتذال والفجاجة في نقل المعلومة أو التعبير عن الرأي في مسألةٍ ما. وعلى الجهات الرسمية إخضاع موظفيها إلى دورات مكثفة في الشفقة والعطف والرحمة والتماس الأعذار وتحرّي العدالة قبل تحفيظهم النصوص القانونية الجامدة المحايدة الباردة. لعلنا نوقف هذا الهدر المجاني لأرواح الناس. 
لو أن ذلك الرجل المشتعل احتجاجا وجد يدا حانية تنشله من بؤس معيشته، لو وجد أذنا صاغية لأحزان روحه وتعب قلبه، لما هانت عليه حياته إلى ذلك الحد الفاجع، ولما طاوعه قلبه بترك صغاره يتامى بلا أبٍ ينتظرونه مساء، لو تحقّقت العدالة لهذا المسكين عاثر الحظ، لاكتفى بالتذمّر، بين أولاده، من الحر الشديد، يهجو الحياة قليلا، يشكو لامرأته ضيق الحال، يحثّها على الصبر، ويطمئنها أن الفرج قادم، غير أن ذلك كله لم يحدث، لأن الرجل ظل وحيدا وعاجزا ومكسورا، فيما نحن نتداول لقطات احتراقه، غافلين عن سقوطنا الأخلاقي المدوي، فيما الكاميرات تتأهب لاقتناص اللقطة المثيرة التالية.

*العربي الجديد

أضف تعليقك