"دون كيشوت كما نراه": المأساة ذاتها لكن بأدوات أخرى

الرابط المختصر

بعد سنوات طويلة من أعمال تشييد منشآتها، أصبحت "مدينة الثقافة" في وسط تونس العاصمة منذ افتتاحها في منتصف سنة 2018 أحد أبرز الفضاءات الثقافة للمدينة.

 

وإضافة إلى تقديم العروض الموسيقية والمسرحية والسينمائية وتنظيم الندوات الأدبية، فقد احتضنت عددا من المؤسسات الثقافية، ومنها "بيت الرواية" و"قطب المسرح"، ويبدو أن لهذا التجاور بين المؤسسات الثقافية أثره في إحداث تفاعل بينها، ومن ذلك مسرحية "دون كيشوت كما نراه" للمخرج التونسي الشاذلي العرفاوي، وهي من إنتاج "قطب المسرح" في مدينة الثقافة.

من العنوان نفهم أن المسرحية -التي تتواصل عروضها في تونس- تستلهم إحدى أشهر الروايات في تاريخ الأدب.

 

لكن التفاعل بين "الرواية" و"المسرح" لا يقف عند هذه النقطة، حيث سبق لمخرج "دون كيشوت كما نراه" أن أشار في حديث صحفي إلى أن فكرة العمل قد انطلقت بطلب من مؤسسة "بيت الرواية"، وهو ما يعني هنا أن الجيرة بين المؤسسات باتت تفضي إلى مشاريع مشتركة، تعبّر عن تجاوز لتلك التقسيمات بين الأشكال الفنية، بما يتيحه ذلك من منفعة مشتركة بينها جميعا.

 

اقرأ أيضا: قراءة في نص مسرحية (الأبواب المقفلة Huis Clos) لسارتر

اختار العرفاوي أن يكون النص بالعربية الفصحى وليس بالعامية التونسية، وهو خيار يجعله أقرب إلى روح النص في التمثّل الجمعي، خصوصا أن مقاطع كثيرة من رواية الكاتب الإسباني ميغيل دي سرفانتس أصبحت شهيرة للمتلقي العربي، ولعل استعمال العامية كان سوف يكسر تدفق هذا الاستقبال.

من جانب آخر، اقتصر العمل التونسي على شخصيتين من الرواية، هما دون كيشوت ورفيق أسفاره سانسو بانزا، وقد أدّاهما كل من عبد القادر بن سعيد والمنصف العجنغي، وكلاهما يحقّق في السنوات الأخيرة سلسلة من النجاحات في تأدية أدوار للمسرح والسينما والتلفزيون، إضافة إلى توافق البنية الجسدية لكليهما مع الصورة المعروفة لهاتين الشخصيّتين الأدبيّتين.

يمكن الإشارة هنا إلى أن الممثل عبد القادر بن سعيد والمخرج الشاذلي العرفاوي يتعاملان في ثالث مسرحية للأخير على التوالي بعد نجاح عمليهما المسرحيين السابقين: "برج لوصيف" و"فريدوم هاوس"، وهو ما يخلق ثقة بين الممثل والمخرج جرى استثمارها على أكمل وجه في "دون كيشوت كما نراه".

 

دون أن ننسى أن العرفاوي نفسه ممثل، وهو ما يخلق فهما للأداء المسرحي من المؤكد أنه ينعكس على الأدوار التي يقترحها على الممثلين الذين يؤدّون مسرحياته.

لعلّنا طوال المسرحية سنحاول الإجابة عن سؤال: ما هي الرؤية الخاصة بهذا العمل لدون كيشوت بما يبرّر عنوانه؟

 

وفي الحقيقة، لن نجد إجابة صريحة ومباشرة، بل سنعثر على لمحات مبعثرة طوال العمل، حيث إن الذي يقدّمه العمل يبقى قريباً جدا من دون كيشوت سرفانتس، سواء على مستوى المنطوق أو الزي، أو خصوصاً على صعيد التركيبة النفسية بحيث يبدو دور دون كشيوت الذي يؤدّيه عبد القادر بن سعيد وكأن سرفانتس قد كتبه مباشرة.

 

في المقابل، تظهر يتلاعب العمل بالمشهدية حين يقترح سينوغرافيا مختلفة، يمكن القول بأنها مربكة إلى حد كبير، فالفضاء لا يوحي بإعادة بناء الإطار المكاني ذاته للرواية (جغرافيا منطقة لا مانشا في وسط إسبانيا)، بل هو أقرب إلى منطق "الفضاء الفارغ" كما نظّر له المسرحي البريطاني بيتر بروك مع بعثرة بعض الأغراض تبدو مثل إشارات أولى للمتفرج، قبل أن تتحوّل إلى عناصر مسرحية حين يستعملها الممثلان.

من أبرز هذه العناصر، الدراجة النارية التي يتخذها العرفاوي بديلا لحصان دون كيشوت، التي يتجوّل بها البطل في الفضاء المسرحي ضمن مسار يبدو محددا سلفا من خلال إشارات مرور وخيوط تشكّل المكان، وبذلك نفهم أن الأمر لا يتعلّق فقط بصعوبة الاعتماد على حيوان فوق خشبة المسرح بل هو متعلق بالرؤية الإخراجية نفسها.

 

فدون كيشوت في هذا العمل قد اتخذ وسائل حياة جديدة لكنه يظل محكوما بالمخطط ذاته الذي تدور ضمنه حكاياته، ومحكوماً بالخصوص بنفس المنطق الذي يدير به حياته، وجوهرها تلك القطيعة العميقة بينه وبين الواقع.

 

وهنا ينبغي الانتباه إلى عنصر آخر من السينوغرافيا، وهو الاعتماد على الصورة السينمائية ضمن عدد من مشاهد المسرحية، فمثلاً حين نبلغ أشهر حكاية من حكايات دون كيشوت وقت أن يدخل حربا وهمية مع طواحين الهواء، نرى في خلفية المشهد عرضا سينمائيا لطواحين الهواء وأوهام دون كشيوت بكونها عمالقة قبل أن يرتطم بقوة على الجدار ذاته المزدان بالصور.

هكذا يصبح اعتماد السينما رمزيا، يحيلنا على التدبّر في ما يفعله بنا في هذا الفن من صناعة لأحاسيسنا وأفكارنا وطرائق عيشنا، ومن وراء السينما يمكن تعميم القراءة ذاتها على فنون بصرية أخرى ومنها المسرح، وفي زمن تعيش فيه الصورة عزّ هيمنتها على العقل البشري.

 

أصبح ذلك الإسقاط الذي يقوم به دون كيشوت على الواقع، أصبح يجد من الوسائل الكثير التي تسهّل الأمر، فإذا كان دون كيشوت سيرفانتس مضحكا في مأساته لأننا نتخذ موقع العاقل ونحن نشاهد ما نؤول به توهّماته، فإن دون كيشوت في المسرحية التونسية لا يبدو مضحكا إطلاقا، فمأساته متوقعة، بل أكثر من ذلك، هي مبررة بكثير من الأدوات التي تجعل من سقوطه ضحية توهّماته قدرا لا مفرّ منه.

 

لعله من الجدير أن نذكر هنا بأن استدعاء دون كيشوت في هذه المسرحية قد تزامن مع عرض آخر من إنتاجات 2019 في تونس، وقد حمل عنوان "دون كيشوت تونس أو حب تحت المراقبة" لـ معز العاشوري.

 

فهل هي مجرّد صدفة أم إن شبح دون كيشوت يعبر الواقع التونسي، ولم يقم المسرحيون سوى بالمسك به وتجسيده مسرحيا؟

أضف تعليقك