دروس روايات الطاعون بزمن الكورونا

الرابط المختصر

إن تدابير احتواء الجائحة من الصعب تطبقيها في جميع أنحاء العالم، ومن الصعب الوصول إلى الموارد والرعاية، وإلى السكان المهملين بشكل متكافئ، فالصعوبات التي تواجه عملية تنسيق الاستجابة الأوروبية للأزمة الصحية والاقتصادية: حيث تبدو حماية البيئة من فيروس كورونا، كل يوم أقرب إلى الكارثة التي لا تقتصر على الصحة، بل إنها تشكل كارثة اجتماعية وأخلاقية أيضا. بيد أن هذه الأزمة غير مسبوقة في التاريخ، إذ أن أوبئة الطاعون التي عصفت بالعالم منذ العصور القديمة، يمكن أن توفر لنا مفاتيح للفهم والاستفادة. وقد مدنا بعض المؤلفين برؤاهم لهذه الأحداث المأساوية، فما هي الدروس التي ينبغي لنا أن نتعلمها؟
كثير منا حاليا يعيد اكتشاف طاعون رواية البير كامو، الذي يصف على نحو ملائم حالة الخوف وسوء الفهم، وتأثير القيود على حرياتنا الفردية، التي نعيشها معا. هذه القصة الأدبية هي جزء من تقليد أوروبي طويل من الشهادات والقصص حول الطاعون. ما تبرزه هذه الروايات هو الاضطرابات الأخلاقية والاجتماعية، التي تكون أحيانًا أكثر خطورة من المرض نفسه، الذي يمكن أن يكون سببه تهديدا أو حالات متطرفة أسيء فهمها. في وصفه للوباء الكبير الذي ضرب إنكلترا عام 1665، كتب دانيال ديفو في مذكراته لسنة الطاعون عام 1722 أنه على الرغم من الرعب والضيق الذي يواجه الموت، فالموقف «أزال كل التعاطف»، كان ذلك وقتًا كان فيه الجميع قلقا للغاية بشأن سلامتهم الخاصة، لدرجة أن الشفقة على محنة الآخرين لم تجد مكانًا على الإطلاق. ومع تراكم الجثث، لم تكن الخسائر تقاس بعدد القتلى وحسب، بل أيضا في تجريد الأحياء من إنسانيتهم.

تجاوزات الخوف

مذكرات دانيال ديفو هي أكثر بكثير من مجرد وثيقة تاريخية. كتب في وقت كان يخشى فيه أن ينتشر الطاعون الذي اندلع في مرسيليا عام 1720 إلى إنكلترا، وكانت أيضًا رسالة لمعاصريه ولأجيال قادمة. رسالة عن أهمية قيمنا الأخلاقية، وشفافيتنا، وقلقنا واهتمامنا لصالح الآخرين، التي يسهل نسيانها عندما تكون حياتنا أو رفاهيتنا مهددة. لأنه كما يشير دانيال ديفو، فإن ضحايا الوباء الكبير لعام 1665 لم يكونوا فقط من ماتوا بسبب المرض. فقد تسبب الخوف من العدوى في وقوع العديد من الضحايا الآخرين، بمن في ذلك غيرهم من المرضى، يعانون من عدم تقديم المساعدة لهم، أو الأطفال أو الفقراء الذين ماتوا بسبب الجوع، لأنهم حرموا من الموارد، وكذلك التضحية بالحيوانات بأعداد كبيرة خوفا من العدوى. تشير القصص والشهادات عن الطاعون إلى هذا التحول إلى الفردية الناجم عن انتشار المرض. يروى صموئيل بيبيس، في مذكراته أحداث عام 1665، وهو يستحضر إجراءات الحبس الصارمة المفروضة، مشددًا على أن «الطاعون يجعلنا بعد ذلك قاسين، مثل الكلاب، تجاه بعضنا بعضا». ويروي بوكاتشي في ديكاميرون (Decamerone هي مجموعة من مئة قصة قصيرة كتبها بوكاتشي في إيطاليا (فلورانسا) بين 1349 و1353)، الذي يصف بدايات جائحة عام 1348 التي اندلعت في مدينة فلورنسا، حياة من الخوف والانسحاب، حيث «فر المواطنون من بعضهم بعضا، ولم يكن أحد يهتم بجاره. ويذكرنا أيضًا بأن «القسوة» لم تكن فقط من السماء، بل أيضا من البشر، هي التي أدت الى خسارة أكثر من مئة ألف إنسان في هذه المدينة وحدها، أكثرهم غيرمرضى، مما شكل إنقاذهم بشكل سيء للغاية، بسبب أوهام الخوف.

درس في الحياة والإنسانية

في مواجهة هذه التهديدات، ما الذي يمكن أن نتعلمه من تاريخ الطاعون؟ أولاً، يعلمنا وقبل كل شيء عن الدمار الذي يسببه الخوف وعدم اليقين، وهشاشة قيمنا الأخلاقية عندما نوجهها. من سوفوكليس «الملك أوديب» إلى بوكاتشي وصموئيل بييس وديفو أو كامو، تبرز الروايات الأدبية عن الطاعون مخاطر التشويه الاجتماعي وفقدان البشرية التي تنشأ عندما نفكر في أنفسنا كضحايا، ونبدأ في البحث عن نجاة. عندما تهتم بنفسك، وهم يؤكدون على ضرورة الكفاح من أجل الحفاظ على قيمنا الأخلاقية، والتعاطف والاهتمام بالآخرين. ويذكرنا تاريخ الطاعون أيضًا بأن شدة الأوبئة لا ترجع فقط إلى المرض نفسه، فالذي يبدأ بتهديد منتشر يمكن أن يتحول بسرعة إلى حالة من الضائقة الجماعية. إذا كانت إجراءات الاحتواء الحجز وإغلاق الأماكن العامة ستكون لها بالتأكيد عواقب اقتصادية خطيرة، فإن تاريخ الطاعون يذكرنا بأن الأمر الأكثر خطورة هو تجاهل واجباتنا تجاه الآخرين. ومع ذلك، ينبغي أن لا ننسى أنه إذا كان المستضعفون الذين تسعى هذه التدابير الاستثنائية إلى حمايتهم، فإن هذه التدابير نفسها تخلق نقاط ضعف أخرى. من المهم أن نتذكر اليوم أن أوروبا لا تشمل فقط المواطنين الذين يعيشون بهدوء في المنزل، ولكن أيضًا الأشخاص الذين لا مأوى لهم، والأسر التي تعيش في أماكن ضيقة، والمهاجرين والسجناء. كثير من الناس في المواقف غير المستقرة يعاقبون الآن بشكل مضاعف بإغلاق المتاجر، مثل أولئك الذين يتغذون على الأطعمة غير المباعة من أعمال المطاعم المغلقة الآن. ومن واجبنا أيضًا التأكد من أن تدابير الحماية الصحية لا تتسبب في أضرار جانبية لهؤلاء السكان. ويذكرنا أيضًا تاريخ أوبئة الطاعون بالظلم الذي ينشأ بعد إغلاق الحدود، عندما تعتني المجتمعات برفاهيتهم عن طريق نسيان الآخرين، خارج حدودهم، الذين يعانون في بعض الأحيان نوبات أكثر صعوبة. في الوقت الذي تهتم فيه الدول بشكل أساسي بمواطنيها وأقاليمها، يجب ألا ننسى أنه في أماكن أخرى من العالم، هناك سكان يتضورون جوعا ولا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية، أو حتى شرب الماء، أو الذين يخضعون لأنظمة قمعية ديكتاتورية.

رسالة أمل

ومع ذلك، هناك درس آخر يمكن تعلمه من تاريخ الطاعون. الوباء هو نوع معين من الظواهر، فردية للغاية وجماعية على الإطلاق. يمكننا أن نأمل أن هذه التجربة الجماعية، التي نشاركها مع 4 مليارات شخص محصور في جميع أنحاء العالم، ستكون فرصة لنا لإعادة معرفة قيمة الإنسانية وعلاقاتنا مع الآخرين، وفرصة للتعرف على مدى أهمية حرياتنا. تحمل رواية «طاعون» لألبير كامو هذا الأمل، فإذا كانت الرواية تعبر عن حالة محددة، من رعب لا يوصف (النازية مثل الوباء)، أو التعرض للواقع العبثي للعالم، يذكرنا كامو «هناك أشياء مثيرة للإعجاب لدى الرجال أكثر من الأشياء التي يمكن ان نستخف بها». ورسالته هي أنه يجب أن نسعى لفهم التحديات وحفظ التجارب التي نمرّ بها، وأننا يجب أن نواصل القتال لجعل عالمنا مكانا أفضل. سواء كانت أعمالًا خيالية أو شهادات تاريخية، مثل تلك التي وجدت عند كل من بوكاتشي وديفو وبيبيس، فإن القصص حول الطاعون بمثابة مرآة لوضع الموقف الذي نعيش في منظوره الصحيح. عندما نجد أنفسنا عالقين في إلحاحية الحاضر وإلحاحه، غالبا ما يكون من الصعب أن يكون لدينا المنظور الضروري وشبكات القراءة لفهم ما نمر به. ومن ثم، فإن التاريخ والأدب أساسيان لإرشادنا نحو فهم أفضل لوضعنا، وتطوير تعاطفنا وتعاطفنا، وأن يبرهن لنا على طريق إعادة التواصل مع المستقبل.

ترجمة من موقع the conversation.
ميليسا فوكس- موراتون: دكتوراه في الاداب وأستاذة الفلسفة في مجموعة كليرمونت.

أضف تعليقك