الدكتاتورية في المسرح

الرابط المختصر

عبر الفضائيات، وفي معرض حديثه عن أهمية الالتزام في الفن، والمسرح على وجه الخصوص، يذكر رئيس فرقة المسرح الفني الحديث الفنان الكبير يوسف العاني حكاية مفادها، ان فرقة المسرح الفني الحديث، ذات الاصول والالتزام، والاهتمام بالجانب التربوي، اضطرت يوما ما، الى معاقبة أحد أعضاءها ـ الذي هو أنا ـ بالفصل من الفرقة بسبب تأخره عن حضور العرض الذي كان يؤدي فيه واحدا من أهم أدوار الرئيسية. وبعد كل هذه السنين وجدتني كمن يستفيق من الحلم, ليراجع نفسه وفق هذه الحكاية التي تجاوز زمنها الـ (ثلاثة عقود). والحكاية بسبب انني فعلا كنت ارغب في مراجعة النفس من بعض اخطاء ارتكبتها بارادة او بحسن نية. لكني حين راجعت الموضوع باسترخاء وحكمة اليوم بعد هذا العمر الذي أتمتع فيه. وجدت في ما قيل ويقال اجحافا لابد من توضيحه بعد طول سنين. صحيح أنني لم أحضر العرض، بل لم يكن في نيتي الذهاب الى العرض على الاطلاق، لسبب غاية في البساطة هو، أنني لست معنيا بالعرض عل الاطلاق، فلم يسبق لي ان قمت بالتمرينات عليه، الا في ايام القراءة الاولى ولمدة لا تزيد عن اليومين. سامي عبد الحميد وبسبب قناعات ادارة الفرقة المسرحية، أنه أكثر ملائمة للدور مني. لذلك لم أكن قد قمت يالتمرين اللازم الذي يؤهلني لحفظ حوار نص المسرحية، وعليه صار من المستحيل أداءه. وتشاء الصدف أن يأتي سامي عبد الحميد في أحد أيام العرض، وهو فاقد لصوته بسبب سوء الاستخدام من اليوم السابق للعرض الأول لليوم الأول، وهذا غالبا ما يحصل عند أهم الممثلين ـ لاسيما والدور يحتاج الى شدة وقوة ودفع في الصوت يصل حد الصراخ ـ، فقدم اعتذاره للقائمين على العرض طالبا منهم تأجيل العرض لذلك اليوم. ففكر أحدهم ـ ولسبب في صدر يعقوب ـ بأن يستدعي الممثل البديل ـ أنا ـ لكن سامي عبد الحميد ـ طيب القلب والموضوعي ـ استغرب من هذا الامر واعتذر نيابة عني في أن لم أتمرن على المسرحية ومن المستحيل أداء مثل هذا الدور الكبير والمعقد. لكن أحدهم صار يحكي بالمثل المسرحية من أن البديل عليه أن يحفظ في الاقل، وعليه توجب الاتصال به، أو أنه كان من المفروض أن يكون موجودا تماما كـ (حارس المرمى الاحتياط في كرة القدم). كل هذا وأنا الذي لم يكن في حسباني أنني سأمثل الدور يوما وأنا لم أجر تمرينا واحدا عليه، ولم أحفظ حواره، حتى نسيت أنني البديل، وقد تجاوزت ادارة المسرح فكرة البديل، فلا داعي لذلك لطالما ان سامي عبد الحميد ـ الأكبر من الدور ـ والقادر على أداءه بقدرات أعلى وبدون بديل.
ورن الهاتف في الفندق الذي كنت أسكنه، يقضي بذهابي وفورا الى مسرح بغداد، للقيام بدوري في المسرحية، فالجمهور ينتظر قدومي، وهذا ليس سلوكا مسرحيا سويا. لم أفكر في حينها بالمواعظ والحكم التي انساقت في اذني كالطوفان، بقدر ما فكرت في ماذا سأحكي وماذا سأقول وأنا لا أعرف من الدور الذي لم أتمرن عليه ولم أحفظه شيئا. وانا الذي لم اكن املك ما أؤمن به عشاءي لتلك الليلة، استلفت مبلغا من صاحب الفندق لألحق الأمر بـ (تاكسي) يوصلني الى المحنة التي أنزلوها علي كذبا وزلفى. استأجرت (التاكسي) الى مسرح بغداد، ولم اتعود على ركوبه على الاطلاق لأنه مكلف لشخص مثلي ميزانيته الشهرية لا تتعدى الـ (5) دنانير آنذاك، أما كيف وصلت الى قاعة المسرح فهي معجزة، وكل الذي أعرفه هو أنني وقبل أن أغادر الفندق تناولت نص المسرحية من غرفتي لأقرأ به طوال الطريق الى المسرح التي كنت أتمنى أن تطول أو أن حادثا كبيرا لن يوصلني الى جهنم، كان هذا العرض بالنسبة لي ـ بسبب عدم التحضير ـ أقسى من الموت.

فانبرى سامي عبد الحميد يقول لي الحوار ملقنا لي من خلف الكواليس، لأقوله من بعده كالببغاء، على طريقة التلقين في المسرح المصري، وانقضى الوقت على مسرحية كان بالنسبة لي أطول من دهر واقرب الى العقوبة. اضطرتني بل اضطرني هذا التصرف غير المسؤول من قبل المتنفذين في المسرح الحديث الى ترك الفرقة لسنوات.

تم تسفير ذلك الى مجموعة من الاسباب، ابسطها انشغالي بما هو اهم، والى الان لا ادري ما هو هذا الأهم؟
وفي استرجاع من مراجعة ماضي اخطاءي القلية، يتضمن الكثير من المحاسبة للنفس، لا تخلو من نقد الذات وتعذيبها والعتاب عليها، بعد هذا النضوج المعذب الذي صنعته سنين تجربتي المسرحية، التي تجاوزت الاربعين عاما، والتي اعتز بها للاسباب: أولا/ لأنني من القلة التي تتباها بالتزاماتها وصدق مواعيدها في الحياة وفي المسرح. وثانيا/ لأنني ما اردت ان اتناول هذا الموضوع طوال هذه السنين بسبب انني ربما قد أكون مذنبا, فالتجريم جاءني من أهم الناس في حياتي، وعلى طريقة [ باشلار ] الذي يقول من اننا أطفالا نتلقى المواعظ والحكم والعقوبات بقبول تام، لا يحتمل النقاش غير المتوازي بين صغير وكبير, ولكن بعد نضوج الصغير يصبح ممكنا مراجعة ما تلقاه من الكبار لابقاء الجيد ورفض ما هو غيرجيد. وان حديثي بعد هذا الزمن الطويل المتأخر ينطلق من هذه القاعدة، فليس فيه أي خروج على أدب المهنة وما هو غير مألوف، لاسيما وقد ناهز عمري العقد السادس مما يعطيني الحق، ويجيز لي مراجعة النفس في الأقل بشكل فيه الكثير من الاسترخاء. وعليه يا سادة ياكرام، ساروي لكم حكايتي.
*المكان: بغداد، شارع السعدون، البتاوين ـ مسرح بغداد/ خلف سينما النصر.
*الفرقة: المسرح الفني الحديث. برئاسة: يوسف العاني.
*المسرحية: في انتظار كودو. وهي من أدب اللامعقول، لكاتبها صموئيل بيكيت.
*مصمم الديكور: فاضل سوداني.
*المخرج: سامي عبد الحميد.
*الممثلون: سامي عبد الحميد، فاضل خليل (بدور: [ بوزو ] مناصفة)، سامي السراح (بدور: [فلادمير])، صادق علي شاهين (بدور: [استراجون]), هاشم السامرائي (بدور: [ لاكي ])، اسماعيل خليل (بدور: [الصبي]).
فحكاية المسرحية (في انتظار كودو) معروفة، أو كما اشيع عنها أن اثنين من ناس هذا العالم، هما عينتان لكل الناس المعذبين والطامحين بمجئ المنقذ الذي يخلصهم من تلك العذابات الكبيرة أطلق عليه (كودو)، والمسرحية من فصلين، وفي نهاية كل فصل يتخلله حديث من الكلام الزائد غير المجدي، هدفه قتل الوقت لتحين الساعة التي يأتيهم فيها المنقذ (كودو)، لكن يأتي بدلا عنه (الصبي) ليخبرهم بأن (كودو) لن يأتي اليوم وسيأتي غدا. وحين سأل نقاد المسرح (صموئيل بيكيت ـ المؤلف): لو كان هناك فصلا ثالثا هل سيأتي (كودو) ؟ فأجابهم: لو أني كتبت الفصل الألف سوف لن يأتي (كودو) وسيبقى الأمل قائما في أنه سيأتي، وهذه هي اللعبة في بناء النص في المسرحيةالمهمة (في انتظار كودو). أما حكايتي فتتلخص بالتالي: ركزت التمارين المسرحية وطيلة اشهرها التي تجاوزت الاربعة أشهر، على أن يكون دور (بوزو) بشكل رئيسي لسامي عبد الحميد، لأسباب غاية في الاهمية، أولها/ أن سامي عبد الحميد، أقوى صوتا، وأكثر حرفة واقناعا مني، فهو استاذ التمثيل والالقاء، في اكاديمية الفنون الجميلة، وأنا الطالب في الصف الثالث ـ أنذاك ـ الأقل تجربة أكون

*الحوار المتمدن

أضف تعليقك