موجات الحر تهدد العاملين في الميدان.. وضربة الشمس قد تكون إصابة عمل

مع كل ارتفاع في درجات الحرارة تتكرر المشاهد ذاتها في الشوارع، تجد أحد عاملين النظافة يرفع منشفة مبللة بالماء فوق رأسه، ويغطيها بقبعة تحاول أن تخفف من حرارة تجاوزت الأربعين درجة مئوية.

وعلى بعد أمتار، يواصل سائق دراجة نارية لتوصيل الطلبات رحلته بين الشوارع، متحملا لهيب الإسفلت وحرارة المحرك، فيما يقضي المزارعون وعمال الإنشاءات والخدمات يومهم في مواقع مكشوفة، بحثا عن لقمة العيش رغم قسوة الطقس.

وتزداد المخاطر التي يتعرض لها العاملون في الميدان، وفي مقدمتهم سائقو دراجات توصيل الطلبات، وعمال النظافة، والإنشاءات، والزراعة، والخدمات، ممن تفرض عليهم طبيعة أعمالهم البقاء لساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة، الأمر الذي يرفع احتمالية الإصابة بالإجهاد الحراري والجفاف وضربات الشمس، ويجعل توفير بيئة عمل آمنة ضرورة لحماية حياتهم وصحتهم.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، في وقت يؤكد فيه مختصون أن الوقاية من الإجهاد الحراري وضربات الشمس لم تعد مجرد إجراء احترازي، بل التزام قانوني وصحي يترتب على تجاهله مخاطر قد تصل إلى العجز الدائم أو الوفاة.

وفي هذا السياق، يؤكد خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي أن إصابات ضربات الشمس يمكن تكييفها قانونيا باعتبارها إصابات عمل، داعيا أصحاب العمل إلى إبلاغ المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي عن أي إصابة يتعرض لها العامل بسبب الحرارة أثناء العمل.

ويوضح الصبيحي، في منشور عبر صفحته على "فيسبوك"، أن ضربة الشمس  ما قد ينجم عنها من مضاعفات، مثل تلف الدماغ أو القلب أو الكلى، وقد تصل إلى العجز أو الوفاة، تعد من وجهة نظر قانون الضمان الاجتماعي إصابة ناتجة عن عامل خارجي يتمثل في التعرض المباشر لأشعة الشمس أثناء أداء العمل، إذا كانت طبيعة المهنة تستوجب ذلك، وهو ما يحقق العلاقة السببية بين العمل والإصابة.

ويضيف أن هذا التكييف يجعل الإصابة بضربة الشمس، وما يترتب عليها من مضاعفات، إصابة عمل وفقا لأحكام قانون الضمان الاجتماعي وقانون العمل، الأمر الذي يوجب على صاحب العمل إبلاغ مؤسسة الضمان الاجتماعي بالإصابة، أو أن يقوم العامل نفسه أو ذووِه بالإبلاغ إذا امتنع صاحب العمل عن ذلك.

ويشير إلى أنه إذا ترتب على الإصابة عجز أو وفاة للعامل المؤمن عليه، فإن ذلك يخول العامل أو ورثته الاستفادة من مزايا تأمين إصابات العمل، بما يشمل راتب اعتلال العجز الإصابي الكلي أو الجزئي، أو التعويض إذا كانت نسبة العجز أقل من 30%، أو راتب تقاعد الوفاة الناشئة عن إصابة العمل، الذي يحتسب بنسبة 75% من أجر المؤمن عليه بتاريخ وقوع الإصابة.

 

مخاطر صحية قد تهدد الحياة

ويؤكد مختصون أن التعرض المستمر لدرجات الحرارة المرتفعة لا يقتصر على الشعور بالإرهاق، بل قد يؤدي إلى الإجهاد الحراري وضربات الشمس والجفاف وفقدان الوعي، وهي حالات قد تشكل خطرا مباشرا على حياة العامل إذا لم يتم التعامل معها بسرعة.

ويقول نائب رئيس الجمعية العربية للسلامة والصحة المهنية عمر العتوم، في حديثه لـ"عمان نت"، إن العاملين في الميدان، خاصة سائقي دراجات توصيل الطلبات، يعدون من أكثر الفئات تعرضا للمخاطر الصحية والمهنية خلال موجات الحر، نتيجة بقائهم لساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة.

ويضيف أن حماية هؤلاء العاملين تبدأ بالتوعية، إذ توصي الجمعية بضرورة تعريفهم بمخاطر التعرض للحرارة، وتوفير مياه الشرب الباردة بصورة مستمرة، بحيث يحرص العامل على شرب كوب من الماء كل عشرين دقيقة حتى في حال عدم الشعور بالعطش.

كما يدعو إلى منح العاملين فترات استراحة متكررة في أماكن مظللة أو مكيفة، وإعادة تنظيم ساعات العمل لتجنب ساعات الذروة، ولا سيما بين الساعة الحادية عشرة صباحاً والثانية بعد الظهر، عندما تبلغ أشعة الشمس أعلى مستوياتها.

ويبين العتوم أن من الإجراءات الوقائية أيضا ارتداء الملابس الخفيفة والفضفاضة ذات الألوان الفاتحة، واستخدام أغطية الرأس المناسبة للحد من امتصاص الحرارة، مؤكدا أن رفع وعي العاملين بهذه التدابير يمثل خط الدفاع الأول للوقاية من الإصابات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.

ويشير إلى أن أعراض الإجهاد الحراري تشمل التعرق الغزير، وشحوب البشرة، وتسارع نبضات القلب، والدوخة، والصداع، وتشنجات العضلات، نتيجة فقدان الجسم كميات كبيرة من السوائل والأملاح، محذرا من أن تجاهل هذه الأعراض قد يؤدي إلى ضربة شمس، وهي حالة طبية طارئة قد تهدد الحياة إذا لم يتم التعامل معها فوران مشددا على أن تعويض السوائل باستمرار، حتى دون الشعور بالعطش، يعد من أهم وسائل الوقاية من تطور الحالة إلى مضاعفات خطيرة.

 

 

التزام قانوني لا يقتصر على التوعية

ولا تقتصر مسؤولية حماية العاملين من أخطار الحرارة على التوعية والإرشاد، إذ يلزم قانون العمل أصحاب العمل باتخاذ جميع الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العمال من أخطار العمل والأمراض المهنية، وتوفير بيئة عمل آمنة تستوفي متطلبات السلامة والصحة المهنية.

وتشمل هذه الالتزامات توفير وسائل الوقاية الشخصية، ومياه الشرب، وأماكن الاستراحة المناسبة، وتدريب العاملين على التعامل مع المخاطر المحتملة، فيما تخول التشريعات وزارة العمل إصدار التعليمات اللازمة للتعامل مع الظروف الجوية الاستثنائية، ومتابعة مدى التزام المنشآت بتطبيقها.

ويشير العتوم إلى أن وزارة العمل كانت تصدر في سنوات سابقة تعميما يمنع تشغيل العاملين في المواقع المكشوفة والمعرضة مباشرة لأشعة الشمس خلال فترة الذروة، الممتدة من الساعة الثانية عشرة ظهرا وحتى الثالثة عصرا، مع التشديد على الالتزام بإجراءات السلامة والصحة المهنية.

ويرى أن تطبيق هذا الإجراء قد يكون أكثر تعقيدا في بعض القطاعات، مثل خدمات توصيل الطلبات، إلا أن ذلك لا يعفي أصحاب العمل من مسؤوليتهم، بل يفرض عليهم اتخاذ بدائل وقائية، تشمل تنظيم فترات الراحة، وتوفير المياه الباردة، والملابس المناسبة، وإتاحة الفرصة للعاملين للجوء إلى أماكن مظللة أو مكيفة كلما أمكن.

كما يؤكد أن التشريعات الحالية بحاجة إلى مزيد من التطوير، من خلال وضع تعليمات أكثر وضوحا للتعامل مع موجات الحر، وإلزام المنشآت بإعداد خطط استجابة خاصة بالأجواء الحارة، تتضمن تقييم مخاطر الإجهاد الحراري، وآليات التدخل، وتنظيم ساعات العمل بما يحد من التعرض المباشر لأشعة الشمس.

من جانبه، يشدد الاتحاد العام لنقابات العمال على ضرورة التزام المنشآت الاقتصادية، في مختلف القطاعات، باشتراطات الصحة والسلامة المهنية خلال موجات الحر، وعدم تعريض العاملين لأشعة الشمس المباشرة أثناء ساعات الذروة.

ويؤكد الاتحاد أن آلاف العمال، خصوصا في قطاعات الزراعة والإنشاءات والخدمات، يواصلون أعمالهم في مواقع مفتوحة، مما يستوجب اعتماد نظام العمل بالتناوب، ومنح فترات راحة كافية، وتوفير مياه الشرب الباردة، وأغطية الرأس، والمظلات، وغيرها من وسائل الوقايةن معتبرا أن توفير متطلبات السلامة والصحة المهنية ليس امتيازا، بل حق أصيل للعامل كفله قانون العمل، ويقع ضمن المسؤولية المباشرة لأصحاب العمل.

بدوره، يؤكد مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة أن قانون العمل حمّل صاحب العمل مسؤولية توفير جميع الاحتياطات اللازمة لحماية العمال من أخطار العمل، بما فيها الأخطار الناتجة عن العمل في الأجواء شديدة الحرارة، وأن أي تقصير في توفير هذه الاحتياطات قد يرتب مسؤولية قانونية عن الأضرار التي تلحق بالعامل.

ويدعو أبو نجمة أصحاب العمل إلى إجراء تقييم لمخاطر الإجهاد الحراري في مواقع العمل، ووضع خطط للتعامل معها، سواء في المواقع المكشوفة أو المغلقة، تتضمن منح العمال فترات راحة، ونقلهم إلى أماكن مكيفة أو مظللة عند اشتداد الحرارة، وتوفير المياه الباردة، والملابس المناسبة، ومعدات الحماية الشخصية، إلى جانب تدريبهم على التعرف إلى أعراض الإجهاد الحراري وضربة الشمس وكيفية التعامل معها.

ويشير إلى أن نظام عمال الزراعة لسنة 2021 منح وزير العمل صلاحية تحديد ساعات يحظر خلالها تشغيل عمال الزراعة في الظروف الجوية الاستثنائية، كما ألزمت تعليمات السلامة والصحة المهنية في القطاع الزراعي أصحاب العمل باتخاذ تدابير خاصة للوقاية من مخاطر ارتفاع درجات الحرارة.

هذا وتنص المادة 78 من قانون العمل على التزام صاحب العمل باتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العمال من أخطار العمل والأمراض المهنية، وتوفير وسائل الوقاية والسلامة والصحة المهنية في مواقع العمل.

كما تعرف  المادة 2 من قانون الضمان الاجتماعي إصابة العمل بأنها الإصابة الناشئة عن حادث وقع للمؤمن عليه أثناء تأدية عمله أو بسببه، أو أثناء الذهاب إلى العمل أو العودة منه بالطريق المعتاد، إضافة إلى الأمراض المهنية الواردة في الجداول القانونية.

في المقابل، تؤكد المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، في حملاتها التوعوية، أن الوقاية تبقى الخيار الأقل كلفة والأكثر فاعلية، داعية أصحاب العمل إلى الالتزام باشتراطات السلامة والصحة المهنية، باعتبارها الوسيلة الأنجع للحد من إصابات العمل والأمراض المهنية، وحماية العنصر البشري الذي يمثل أهم أصول أي منشأة.