الخزاعي: الأردن يفقد توازنه الاجتماعي.. 8 جرائم أسرية شنيعة راح ضحيتها 6 أطفال

"الأحداث" يقتحمون عالم القتل والسلاح

حذر الدكتور حسين الخزاعي، أستاذ علم الاجتماع وخبير أنماط الجريمة، من الخطر الداهم الذي يهدد النسيج الاجتماعي في المملكة، مؤكداً أن المجتمع الأردني يمر بحالة من "فقدان التوازن الاجتماعي" غير المسبوقة. جاء ذلك خلال مشاركته الواسعة في برنامج "صوتك مسموع" على إذاعة "راديو البلد"، حيث كشف الخزاعي عن أرقام صادمة تتعلق بتغير أنماط الجريمة، وتفاقم الوحشية في الجرائم الأسرية، وتأثير الانهيار الاقتصادي ووسائل التواصل الاجتماعي في تفشي الإجرام.

 لافتاً إلى أن ما يحدث منذ بداية شهر آذار وحتى السادس من حزيران من العام الحالي ليس أمراً طبيعياً بأي حال من الأحوال، بل هو مؤشر على تفنن غير مسبوق في ارتكاب الجرائم.

واستهل الخبير مداخلته بأرقام وصفها بالمقلقة جداً، حيث رصدت إحصاءات رسمية وقوع ثماني جرائم أسرية شنيعة خلال الفترة المذكورة، نجم عنها سقوط ثلاثة عشر ضحية، كان من بينهم ستة أطفال أبرياء في "عمر الورد"، قام بذبحهم أو خنقهم آباؤهم أو أمهاتهم. وشدد الخزاعي على أن هذه الجرائم تمثل انتهاكاً فظيعاً لكرامة الإنسان، مؤكداً أن الجاني في جرائم قتل الأم أو الأخت أو الأولاد يكون بنسبة مئة في المئة تحت تأثير المخدرات، مشيراً إلى أن هذه الجرائم هي نتاج كبت طويل، وخلافات مستعصية، وحوار بيزنطي لا ينتهي، تفضي في النهاية إلى "شرارة عنف" مدمرة تزهق أرواح من كان من المفترض أن يوفروا لهم الأمان.

وعلى صعيد الإحصاءات العامة، أوضح الخزاعي استناداً إلى التقرير الإحصائي الجنائي لإدارة المعلومات الجنائية أن إجمالي الجرائم في الأردن شهد انخفاضاً طفيفاً في عام 2025 ليصل إلى 23,220 جريمة، مقارنة بـ 23,982 جريمة في عام 2024، أي بانخفاض نسبته 5%. 

إلا أنه حذر بشدة من أن هذا الانخفاض "غير مريح إطلاقاً"، والسبب يعود إلى تغير طبيعة الجرائم؛ فالجرائم الواقعة ضد المال مثل السرقات والرشوة والاحتيال شهدت ارتفاعاً ملحوظاً. والأخطر من ذلك هو القفزة في الجرائم الواقعة على الإدارة العامة، حيث ارتفعت جرائم المقاومة والاعتداء على الموظفين من 2,569 جريمة في 2024 لتصل إلى ما يقارب 2,847 جريمة في 2025، في مؤشر خطير على فقدان الهيبة وتآكل احترام مؤسسات الدولة، بينما استقر عدد جرائم القتل بشكل عام عند 142 جريمة، وهو ما وصفه الخزاعي بـ "الحبل على الجرار".

وانتقل الخزاعي للحديث عن الدور السام لوسائل التواصل الاجتماعي في تفشي الجريمة وتطبيعها، مستعرضاً أرقاماً مرعبة لمتابعي المنصات في الأردن، حيث يبلغ عدد متابعي اليوتيوب 6.7 مليون، والفيسبوك 5.7 مليون، والانستغرام 5 ملايين، ناهيك عن التيك توك الذي يتم تجاوز حجبه بطرق غير قانونية. 

وأشار إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المنصات فحسب، بل في مجموعات الواتساب التي تنقل تفاصيل الجرائم قبل انتهاء التحقيقات الرسمية، مما يخلق حالة من "استسهال الجريمة"، حيث تنشط الغرائز العدوانية المكبوتة لدى البعض ليقولوا لأنفسهم: "ذاك قتل بالأمس، فلماذا لا أفعلها أنا؟". 

كما كشف عن ظاهرة "الذباب الإلكتروني" والمقيمين في الخارج، والذين يتربصون بأي سلوك سلبي في الأردن ليقوموا بالبث المباشر وتحليل الجرائم، ليس بدافع الإصلاح، بل لأنهم يحملون مواقف مسبقة ويريدون تشويه صورة البلد، مما يدمر فرص الاستثمار ويؤثر سلباً على سمعة الأردن وإنجازاته.

وتطرق الحوار إلى قضية العقوبات والردع، حيث أكد الخزاعي تأييده المطلق لتطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم الشنيعة، مشيراً إلى أن آخر تنفيذ للإعدام كان في عام 2016. وأوضح أن العقوبة تنقسم إلى ردع عام للمجرمين المحتملين، وردع خاص للمجرم نفسه.

 مشدداً على أن وضع القاتل في السجن مئة سنة وهو يعيش لا يعدل ثمن المجني عليه والأسرة المدمرة بسببه. كما هاجم الخزاعي بشدة ظاهرة "إسقاط الحق الشخصي" في الجرائم الأسرية، معتبراً أنها السبب الرئيسي لتكرار هذه الجرائم، ومطالباً بعدم ترك الحبل على الجرار وقتل الأهل ثم الصلح والإفراج عن الجاني. ولتأكيد خطورة الوضع، استشهد برقم حكومي رسمي يشير إلى أن 39% من نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل هم من "المكررين"، ومعظمهم متورطون في قضايا بلطجة وزعرنة، مما يستدعي تشديد العقوبات عليهم ومنع شمولهم بالعقوبات البديلة أو العفو العام.

ورأى الخزاعي أن الوضع الاقتصادي هو المحرك الصامت والبيئة الحاضنة للجريمة، مستشهداً بتقرير دائرة الإحصاءات العامة الذي كشف أن 42% من الشباب الأردنيين لم يسبق لهم العمل أبداً.

 والأخطر من ذلك، أن نسبة البطالة بين الإناث من حملة البكالوريوس بلغت 77%، وبشكل عام تبلغ نسبة العاطلين عن العمل من حملة البكالوريوس 43%. ولفت إلى تقرير الضمان الاجتماعي الذي أظهر أن 34% من القوة العاملة رواتبهم أقل من 350 ديناراً، وأن 28% تتراوح رواتبهم بين 300 و350 ديناراً، مشدداً على أن الحد الأدنى للأجور البالغ 290 ديناراً لا يكفي حتى لتغطية مواصلات العامل من محافظات الشمال إلى عمان، مما يدفع الشباب للهروب من تحمل مسؤوليات الحياة.

وربط الخبير بين هذا الانهيار الاقتصادي والظواهر الاجتماعية، مشيراً إلى أن متوسط سن الزواج في الأردن ارتفع ليصل إلى 32 عاماً للذكور و27 عاماً للإناث. وكشف أن الشباب الأردنيين تزوجوا في السنة الماضية من 34 فتاة من جنسيات عربية وأجنبية، ليس هروباً من التقاليد، بل لأنهن أقل تكلفة ولا يطالبن بالمهور الباهظة وحفلات الزفاف المكلفة، في حين يعجز الشاب الأردني عن توفير عشرين ألف دينار لتأسيس بيت الزوجية، خاصة أن راتباً مقداره 400 دينار يذهب نصفه للإيجار وحده. هذا الواقع أدى أيضاً إلى ارتفاع حالات الطلاق لتصل إلى 23,000 حالة مقابل 74,000 عقد زواج، في مؤشر واضح على تفكك الأسرة.

وخصص الخزاعي حيزاً كبيراً للتحذير من "جرائم الأحداث" التي وصفها بالقنبلة الموقوتة، مستعرضاً أرقاماً مرعبة من التقرير الجنائي تشير إلى أن الأحداث تحت سن الثامنة عشرة ارتكبوا 2,451 جريمة في العام الماضي، بما يشكل 12% من إجمالي الجرائم. 

والمفاجأة الصادمة، وفقاً للخزاعي، هي أن الجرائم الجنائية الخطيرة لدى الأحداث شكلت 35% من مجموع جرائمهم، مقارنة بـ 23% فقط لدى الكبار، مما يعني أن الأحداث يتفوقون على البالغين في ارتكاب الجرائم الخطيرة. وسجلت البيانات وقوع 33 حالة شروع بالقتل، و8 حالات قتل قصد، و3 حالات قتل غير قصد على يد أحداث، بالإضافة إلى 455 حالة سرقة جنائية و1,216 حالة سرقة جنحية، وأرجع ذلك إلى نشأة هؤلاء في أسر إجرامية أو بسبب الحياة الوهمية التي يرونها على السوشيال ميديا ويحاولون تقليدها للحصول على المال السريع.

وخلال البرنامج، تفاعل المستمعون مع هذه المعطيات بمداخلات عكست واقعاً مريراً، حيث روى مواطن مأساة فقدان والدته وابن أخيه على يد قريب لهما من أجل المال، معرباً عن إحباطه من تعثر تطبيق عقوبة الإعدام رغم صدور كتاب بذلك. 

كما كشف سائق تاكسي عن انتشار المخدرات والخمور بشكل علني في جميع المحافظات، مشيراً إلى أن السائقين يخشون التبليغ خوفاً من الانتقام، مما يطالب بآليات تبليغ سرية وفعالة. وفي ختام المداخلة، دعا الخزاعي إلى وقفة جادة وشاملة من قبل الحكومة والمجتمع لإعادة التوازن، مشدداً على ضرورة مكافحة المخدرات بقبضة من حديد، وضبط الأسواق الفوضوية، وتغليظ العقوبات، قبل أن تتحول هذه الجرائم الشنيعة إلى أمر مألوف ويومي في وعي المواطن الأردني.