بعد عدم تجديد اتفاقية المياه الإضافية .. هل تكفي البدائل لحماية الأمن المائي الأردني؟

عاد ملف المياه إلى الواجهة، بعد عدم تجديد اتفاقية تزويد المملكة بكميات إضافية من المياه من الجانب الإسرائيلي، في وقت يواجه فيه الأردن ضغوطا متزايدة على مصادره المائية، بفعل النمو السكاني والتغير المناخي وتراجع كفاءة بعض المصادر التقليدية واستمرار استنزاف المياه الجوفية.

وكان الأردن قد أبرم في عام 2021 اتفاقية منفصلة مع الجانب الإسرائيلي لتزويده بكميات إضافية من المياه خلال فصل الصيف، في إطار تفاهمات تجارية لا ترتبط مباشرة بالكميات المائية المنصوص عليها في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994.

وتتيح الاتفاقية للأردن الحصول على كميات إضافية تصل في حدها الأعلى إلى نحو 50 مليون متر مكعب سنويا، وفق الحاجة الفعلية للمملكة وحجم العجز في الموازنة المائية، مما يعني أن هذه الكمية لا تمثل رقما ثابتا يحصل عليه الأردن سنويا، بل سقفا أعلى يمكن اللجوء إليه عند الحاجة، بحسب خبراء في الشأن المائي.

وفي بيان لها، تؤكد وزارة المياه والري أن تأمين احتياجات المواطنين من مياه الشرب وكافة الاستخدامات يمثل أولوية وطنية، مشيرة إلى أنها وضعت خططا وسيناريوهات بديلة لتعزيز مصادر المياه وضمان استمرار التزويد، دون أن تصدر تصريحات مباشرة توضح حجم الكميات التي كانت المملكة تحصل عليها فعليا ضمن الاتفاقية، أو الآليات التي ستعتمد لتعويضها خلال الصيف.

ويؤكد الأمين العام السابق لوزارة المياه والري والباحث الأكاديمي المتخصص في إدارة الموارد المائية الدكتور عدنان الزعبي أن الحديث عن خسارة الأردن 50 مليون متر مكعب سنويا بسبب عدم تجديد الاتفاقية ليس دقيقا، لأن هذا الرقم يمثل الحد الأعلى المتاح ضمن الاتفاقية، وليس كمية ثابتة أو مضمونة كل عام.

ويقول الزعبي في حديثه لعمان نت إن الكميات الإضافية كانت ترتبط بالحاجة الفعلية، وقد تكون في بعض الأعوام بحدود سبعة أو ثمانية ملايين متر مكعب أو أكثر، بحسب حجم العجز المائي خلال فصل الصيف، مؤكدا أن الوصول إلى السقف الأعلى البالغ 50 مليون متر مكعب يبقى احتمالا غير مرجح في معظم الظروف.

ويرى أن عدم تجديد الاتفاقية لا يمس الحقوق المائية للأردن المنصوص عليها في معاهدة السلام، لكنه يكشف في الوقت ذاته حساسية الاعتماد على مصادر خارجية يمكن أن تتأثر بالتحولات السياسية، مضيفا أن إسرائيل تمتلك فائضا مائيا بعد توسعها في مشاريع تحلية مياه البحر، وأنها استخدمت ملف المياه في مراحل سابقة كورقة ضغط سياسي، الأمر الذي يجعل من الضروري أن يسرّع الأردن خطواته لتقليل الاعتماد على أي كميات تأتي من الخارج.

 

 

واقع مائي ضاغط

يعد الأردن من أكثر دول العالم شحا بالمياه، إذ تقل حصة الفرد السنوية من المياه عن خط الفقر المائي العالمي، في وقت يتزايد فيه الطلب على المياه نتيجة ارتفاع عدد السكان، وتوسع المدن، وارتفاع الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية.

ويعتمد الأردن بصورة كبيرة على المياه الجوفية لتغطية احتياجاته، إذ يقدر الزعبي أن المملكة تحصل على نحو 520 مليون متر مكعب سنويا من المصادر الجوفية، بما يشكل ما يزيد على 55 إلى 60 % من احتياجاتها المائية.

لكن هذا الاعتماد يثير مخاوف متزايدة، في ظل تعرض عدد من الأحواض الجوفية للاستنزاف نتيجة الضخ المستمر، سواء للاستخدامات المنزلية أو الزراعية أو من خلال الآبار المخالفة، بحسب الزعبي، والذي يحذر من أن التوسع في حفر الآبار لا يمثل حلا مستداما، داعيا إلى تشديد الرقابة على الآبار غير المرخصة، ووقف منح تراخيص جديدة في الأحواض التي تعاني تراجعاً في منسوب المياه، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات استخدام المياه بما يضمن إعطاء مياه الشرب أولوية قصوى.

ويشير الزعبي إلى أن وزارة المياه مطالبة بمراجعة موازنتها المائية قبل كل صيف، وتحديد حجم المياه المتاحة من السدود والآبار والمصادر المحلية، إلى جانب تقييم أثر الموسم المطري ومخزون السدود، وقدرة الشبكات على إيصال المياه إلى المناطق التي تعاني ضعفاً في التزويد.

ويرى خبراء أن البدائل المتاحة أمام الأردن خلال الفترة الحالية لا تقتصر على مصدر واحد، بل تشمل مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تخفف الضغط عن برنامج التزويد المائي.

ومن بين هذه البدائل، الاستفادة من المياه المتاحة في السدود، بما فيها أي كميات إضافية يمكن الاستفادة منها في سد الوحدة عبر قناة الملك عبدالله، وفق الموازنة المائية المتاحة، إلى جانب تشغيل الآبار القائمة ضمن حدود آمنة، وتقليل الفاقد في شبكات المياه، وتحويل جزء من المياه المعالجة إلى الاستخدامات الزراعية لتوفير المياه العذبة للاستخدام المنزلي.

كما يمكن للوزارة، عند الضرورة، شراء المياه من بعض الآبار الخاصة أو إعادة توزيع المصادر بين المحافظات والمناطق الأكثر ضغطا، إلا أن هذه الإجراءات تبقى حلولا مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة المائية.

ويشدد الزعبي على أن الأولوية يجب أن تكون لتوفير مياه الشرب للمواطنين، حتى في حال وجود اعتبارات سياسية مرتبطة بمصادر المياه، مؤكداً أن تقليل الاعتماد على إسرائيل يجب أن يتم عبر تطوير مصادر وطنية مستدامة، لا عبر ترك المواطنين يواجهون نقصاً في المياه أو تقليص ساعات الضخ.

 

الناقل الوطني.. الحل الاستراتيجي

في المقابل، عاد مشروع الناقل الوطني للمياه إلى الواجهة باعتباره المشروع الأبرز الذي يعول عليه الأردن لتعزيز أمنه المائي على المدى المتوسط والطويل، من خلال تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى مناطق الاستهلاك الرئيسية في المملكة.

وتتجه الحكومة إلى بدء أعمال الإنشاء في الربع الأخير من العام الحالي، في مشروع يهدف إلى توفير مصدر مائي مستدام تحت السيادة الأردنية، وتقليل الضغط على الأحواض الجوفية، وتحسين انتظام التزويد المائي للمواطنين.

ويؤكد أستاذ علوم المياه في الجامعة الأردنية الدكتور إلياس سلامة في حديثه لـ عمان نت أن الأردن وصل إلى مرحلة مائية حرجة، في ظل محدودية المصادر الداخلية وعدم قدرة المياه السطحية والجوفية على مواكبة الزيادة المستمرة في الطلب.

 

 

ويقول إن الأردن لم يعد يمتلك مصادر مائية تقليدية يمكن تطويرها بصورة كافية لتغطية الاحتياجات المستقبلية، ما يجعل تحلية مياه البحر خياراً استراتيجياً لا يمكن تأجيله، معتبرا  أن هذه الكميات ستخفف الضغط عن المياه الجوفية، وتحسن قدرة الحكومة على توفير المياه للمواطنين، وتدعم القطاع الزراعي من خلال زيادة الاعتماد على المياه المعالجة في الري، مشيرا  إلى أن عدد سكان الأردن ارتفع من نحو 240 ألف نسمة في أربعينيات القرن الماضي إلى ما يقارب 12 مليون نسمة اليوم، في وقت بقيت فيه الموارد المائية محدودة ضمن مناخ جاف وشبه جاف، ما جعل البحث عن مصدر جديد ومستدام للمياه ضرورة وطنية.

هذا وبحسب تقديرات مرتبطة بالمشروع، من المتوقع أن يوفر الناقل الوطني نحو 300 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنويا، إضافة إلى ما يقارب 240 مليون متر مكعب من المياه المعالجة التي يمكن استخدامها في القطاع الزراعي بعد خلطها مع مصادر أخرى.