شباب وادي موسى يبحثون عن الاستقرار... دعوات لتحويل السياحة من عمل موسمي

رغم المكانة العالمية التي تتمتع بها مدينة البترا واستقبالها آلاف السياح من مختلف دول العالم، ما يزال كثير من شباب وادي موسى يواجهون تحدياً يتمثل في غياب الاستقرار الوظيفي، نتيجة ارتباط معظم فرص العمل في القطاع السياحي بالمواسم وحركة الزوار، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة تضمن لهم مستقبلاً أكثر استقراراً.

وتتزايد المطالب بتبني سياسات وبرامج تحول القطاع السياحي من مصدر دخل موسمي إلى رافعة للتنمية الاقتصادية المستدامة، من خلال تمكين الشباب، وتنويع المهارات، وخلق مشاريع ريادية تقلل من آثار تقلبات القطاع.

وقالت الشابة ماريا، وهي من أبناء لواء البترا، إن تجربتها الشخصية دفعتها إلى التفكير في حلول تتجاوز الاعتماد الكامل على المواسم السياحية، مؤكدة أن الشباب بحاجة إلى فرص عمل مستقرة تمكنهم من بناء مستقبلهم داخل منطقتهم.

وأضافت أن هذا الواقع دفعها إلى تأسيس فريق "سقف العطاء"، وهو مبادرة تطوعية تجمع الشباب وتوفر لهم مساحة للمشاركة في الأنشطة المجتمعية والبيئية والسياحية، إلى جانب إكسابهم خبرات ومهارات جديدة تساعدهم على تطوير قدراتهم.

وأوضحت أن أبناء المنطقة يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في تطوير القطاع السياحي، معتبرة أن إشراك المجتمع المحلي في صناعة السياحة هو الطريق نحو تحقيق تنمية مستدامة تنعكس آثارها على السكان، وليس فقط على القطاع الاقتصادي.

من جانبه، قال الشاب حسني معيوف إن السنوات الأخيرة شهدت تطوراً في وعي الشباب بأهمية القطاع السياحي ودورهم فيه، لافتاً إلى أن كثيراً منهم أصبحوا أكثر إدراكاً لتأثير الأحداث الإقليمية والظروف السياسية على حركة السياحة في الأردن، وخاصة في البترا.

وأشار إلى أن الحروب والتوترات التي شهدتها المنطقة انعكست بشكل مباشر على أعداد الزوار، وهو ما دفع العديد من الشباب إلى التفكير في أعمال ومهن أخرى تكون رديفة للعمل السياحي، بحيث لا يبقى دخلهم مرتبطاً بموسم السياحة وحده.

وأضاف أن هناك إقبالاً متزايداً من الشباب على تنويع مصادر دخلهم، إلا أن الواقع الاقتصادي الحالي في وادي موسى ما يزال صعباً، الأمر الذي يستدعي مزيداً من المبادرات والبرامج الداعمة.

بدورها، أوضحت الدكتورة فاطمة ليلات، مفوضة التنمية المستدامة في سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، أن تمكين الشباب يمثل أحد المحاور الرئيسة لعمل المفوضية، من خلال برامج تستهدف بناء القدرات، وتنمية المهارات، وتعزيز ريادة الأعمال بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة.

وقالت إن المفوضية تنفذ مجموعة واسعة من البرامج الهادفة إلى إعداد جيل قادر على الابتكار وتجاوز التحديات، والاعتماد على نفسه في إيجاد فرص العمل بدلاً من انتظار الوظائف التقليدية.

وأشارت إلى أن من أبرز هذه البرامج برنامج متقدم لتعليم اللغة الإنجليزية بالتعاون مع السفارة الأمريكية، يمتد لستة أشهر من التدريب النظري، يعقبها ثلاثة أشهر من التدريب العملي داخل الفنادق والمنشآت السياحية، بهدف تأهيل الشباب للعمل بكفاءة في القطاع السياحي ورفع مستوى مهاراتهم في التواصل مع الزوار.

وأضافت أن المفوضية عملت أيضاً على تنفيذ برامج تدريبية في التصوير الفوتوغرافي وصناعة المحتوى والمونتاج، وهي مجالات أتاحت لعدد من الشباب إطلاق مشاريعهم الخاصة والعمل بشكل مستقل، مستفيدين من النمو المتزايد للمحتوى الرقمي المرتبط بالسياحة.

وأكدت أن الدعم لا يتوقف عند مرحلة التدريب، بل يستمر عبر برامج متخصصة في ريادة الأعمال والإبداع، تساعد الشباب والنساء على تحويل أفكارهم إلى مشاريع إنتاجية قادرة على الاستمرار وتحقيق دخل مستدام.

ويرى مختصون أن مستقبل وادي موسى الاقتصادي يرتبط بقدرة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص على الاستثمار في رأس المال البشري، وتنويع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، بما يحد من تأثير تقلبات المواسم والأزمات الإقليمية على سوق العمل.

كما يؤكدون أن تمكين الشباب بالمهارات اللغوية، والرقمية، والريادية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة والسياحة المجتمعية، يمكن أن يحول القطاع السياحي من مصدر دخل موسمي إلى قطاع أكثر استدامة، يخلق فرص عمل مستقرة ويعزز بقاء الشباب في مناطقهم.

ومع استمرار الجهود الحكومية والمبادرات الشبابية، يبقى التحدي الأبرز هو ترجمة الإمكانات السياحية الكبيرة التي تمتلكها البترا ووادي موسى إلى فرص اقتصادية طويلة الأمد، تضمن للشباب الاستقرار المهني، وتسهم في تنمية المجتمع المحلي، ليصبح القطاع السياحي ليس مجرد موسم للعمل، بل قاعدة مستدامة للتنمية والإبداع وبناء المستقبل.