القانون يحسم الجدل.. الرصيف للمشاة وإزالة الأشجار لا تعني التخلي عن زيادة الرقعة الخضراء

أثارت أشجار الأرصفة في عمان نقاشا واسعا بين المواطنين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مع بدء أمانة عمان الكبرى إزالة أشجار تقول إنها تعيق حركة المشاة أو تؤثر في سلامة الأرصفة والرؤية المرورية.

وعبر مواطنون عن قلقهم من أن تتحول معالجة مشكلة الأرصفة إلى تراجع في الغطاء الأخضر، بينما يرى آخرون أن بعض الأشجار أصبحت بالفعل عائقا أمام استخدام الرصيف، خاصة من قبل الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن والأمهات اللواتي يستخدمن عربات الأطفال.

كما دعا مواطنون أمانة عمان الكبرى إلى التراجع عن إزالة الأشجار، مؤكدين أن العاصمة بحاجة إلى مزيد من التشجير، لا إلى اقتلاع الأشجار القائمة.

ويقول عمر دجاني، عبر صفحته على فيسبوك، إن عمان بحاجة لزراعة ملايين الأشجار، معتبرا أن معالجة مشكلة الأشجار المعيقة يجب ألا تكون بإزالتها، وإنما بإيجاد حلول تحافظ عليها، وتتيح في الوقت نفسه للمشاة استخدام الأرصفة.

واستعاد مواطنون تجارب سابقة مع إزالة أشجار الزينة من الأرصفة، محذرين من تكرار سيناريو نقل الأشجار أو إزالتها من دون ضمان إعادة زراعتها والعناية بها.

ويقول أحمد الخليلي إن تجربة سابقة، بحسب ما شاهده، انتهت إلى تضرر الأرصفة وموت عدد من الأشجار، داعيا إلى عدم تحويل عمليات الإزالة إلى بديل عن التخطيط السليم للتشجير.

في المقابل، لم يرفض مواطنون مبدأ إزالة الأشجار التي تعيق حركة المشاة، وإنما ركز اعتراضهم على طريقة التنفيذ، ويقول رامي زلوم، وهو من ذوي الإعاقة الحركية، إنه يؤيد إزالة الأشجار وأي عائق يحول دون استخدام الرصيف، لكنه يعترض على آلية الإزالة.

ويرى أن القضية تمس حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول والتنقل، إلى جانب الأمهات اللواتي يستخدمن عربات الأطفال وكبار السن الذين قد يضطرون إلى السير في الشارع عندما يصبح الرصيف غير قابل للاستخدام، مختصرا موقفه في أن القضية أكبر من فكرة مساحة خضراء أو الحفاظ على البيئة، لأن الرصيف في الأساس مخصص للمشاة.

 

 

 

وتتفق ميسون الحباشنة مع زلوم، بقولها إنها مع إزالة العوائق من الأرصفة، لكنها ترى أن الحل لا ينبغي أن يكون بالاقتلاع المباشر، مشيرة إلى تجربة شاهدتها في طوكيو، حيث يتم تهذيب الأشجار الموجودة على الأرصفة وتنظيم المساحات المحيطة بها بطريقة تتيح للمشاة، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، استخدام الرصيف، مع الحفاظ على الأشجار في الوقت ذاته.

من جانبه يرى نقيب المهندسين الزراعيين الأردنيين المهندس علي أبو نقطة، أن اختلاف وجهات النظر حول إزالة بعض الأشجار أو نقلها من الأرصفة والجزر الوسطية أمر طبيعي، مشددا على ضرورة التمييز بين رفض التشجير وبين رفض زراعة الأشجار في مواقع غير مناسبة.

ويؤكد أبو نقطة في حديثه لـ "عمان نت" أن مسؤولية أمانة عمان لا تقتصر على التعامل مع الأشجار القائمة، وإنما تشمل أيضا زيادة المساحات الخضراء وإنشاء الحدائق وزراعة الأشجار في المواقع التي لا تعيق حركة المشاة ولا تؤثر في السلامة المرورية، مشيرا إلى أن الغطاء الحرجي في الأردن محدود، إذ تؤكد وزارة الزراعة أن مساحة الغابات لا تتجاوز نحو 1% من مساحة المملكة، ما يجعل الحفاظ على الأشجار والتوسع في التشجير أولوية بيئية.

وفي الوقت نفسه يؤكد أن زراعة الأشجار في بعض الأرصفة والجزر الوسطية تمت في حالات بصورة عشوائية، ومن دون مراعاة كافية لنوع الشجرة أو المساحة المتاحة أو طبيعة الموقع.

 

 

 

متى تصبح الشجرة عائقا؟

يضع أبو نقطة معيارا أساسيا للتعامل مع الأشجار الموجودة على الأرصفة والجزر الوسطية، يتمثل في عدم إعاقة حركة المشاة أو حجب الرؤية أمام السائقين، موضحا أنه إذا كان الرصيف واسعا ويوفر مساحة كافية لحركة المشاة، ولا تتسبب الشجرة في حجب الرؤية، فإن الأصل هو المحافظة عليها، أما عندما تغطي أغصانها مساحة الرصيف أو تضطر المشاة إلى النزول إلى الشارع، فإن وجودها يتحول من عنصر بيئي وجمالي إلى عامل خطر على السلامة.

ويضيف أن أهمية هذا المعيار تزداد بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى مستخدمي عربات الأطفال، إذ إن أي عائق يحول دون استمرار مسار المشاة قد يدفعهم إلى استخدام الطريق، كما أن بعض الأشجار المرتفعة قد تتداخل أغصانها مع أسلاك الكهرباء، ما يجعل تقليمها بصورة دورية جزءًا من متطلبات السلامة العامة.

ويشير أبو نقطة إلى أن معظم الأشجار يمكن نقلها وإعادة زراعتها إذا تمت العملية بطريقة فنية تحافظ على الجذور، من خلال اقتلاعها مع كمية مناسبة من التربة وإعادة زراعتها مباشرة في موقع مجهز.

ويرى أن اختيار الأنواع الملائمة للمدينة يمثل جزءا أساسيا من الحل، إلى جانب التقليم المستمر والتخطيط المسبق لمواقع زراعة الأشجار.

وكانت أمانة عمان قد بدأت خلال الفترة الأخيرة حملات لتقليم أشجار الأرصفة، بهدف تعزيز المشهد الجمالي والسلامة المرورية وتمكين المشاة من استخدام الأرصفة بصورة آمنة، إلى جانب إزالة الأغصان التي قد تشكل خطرًا على أسلاك الكهرباء.

وفي تموز الماضي قامت الأمانة بنقل أشجار "واشنطونيا" من الجزيرة الوسطية في شارع الملكة رانيا العبدالله، وإعادة زراعتها في مواقع أخرى، موضحة أن عملية النقل تمت بأسلوب علمي للمحافظة على جذور الأشجار، وأنها نقلت إلى مناطق القويسمة والنصر وماركا.

 

الأمانة: لا إزالة عشوائية

وفي مواجهة الانتقادات، تؤكد أمانة عمان الكبرى في تصريحات لها أن التعامل مع الأشجار الموجودة على الأرصفة والجزر الوسطية يتم وفق طبيعة كل موقع، وبما يحقق التوازن بين زيادة الرقعة الخضراء وضمان سلامة المشاة وانسيابية الحركة.

وبحسب الأمانة، تستهدف أعمال الإزالة الأشجار التي تشكل عائقا أمام حركة المشاة، أو تؤثر في بنية الأرصفة، أو تحجب الرؤية عن الشواخص واللوحات الإرشادية.

وتعمل كوادر الأمانة كذلك على تأهيل الأرصفة وإزالة العوائق التي تعترض حركة المشاة، مع مراعاة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، خصوصا في المناطق المرتبطة بمسارات النقل العام ومواقف الحافلات والتقاطعات.

كما تواصل الأمانة أعمال تأهيل الجزر الوسطية وأشجار الأرصفة واللوبات والتقاطعات الرئيسية، وتشمل الأعمال تقليم الأشجار وتنظيف المواقع وتركيب شبكات ري وزراعة الأرصفة والجزر بأشجار الزينون مؤكدة أن إزالة بعض الأشجار أو نقلها من مواقع محددة لا تعني التخلي عن سياسة زيادة الرقعة الخضراء، وإنما إعادة تنظيم التشجير بما يتلاءم مع طبيعة المدينة واحتياجات سكانها.

ويحسم الإطار التشريعي جزءا من الجدل حول وظيفة الرصيف، إذ يعرف نظام الأرصفة في أمانة عمان الكبرى رقم 19 لسنة 2014 الرصيف بأنه الجزء المخصص من الطريق لمرور المشاة، كما ينظم استخدامه ويضع ضوابط مرتبطة بإنشائه وصيانته.

تقديرات بيانات الأمانة تشير إلى ارتفاع عدد الحدائق التابعة لها من 134 إلى 145 حديقة، فيما ارتفع عدد المتنزهات من 11 إلى 15 متنزها، إلى جانب تأهيل حدائق قائمة وتطوير ملاعب الأطفال والمرافق التابعة لها.

ويقول المدير التنفيذي للزراعة في أمانة عمان، المهندس معين زريقات، إن استراتيجية الأمانة للأعوام 2022-2026 تركز على زيادة المساحات الخضراء وتأهيل الحدائق والمتنزهات وإنشاء حدائق جديدة، مع استهداف إنشاء حديقتين سنويا وتأهيل ما بين ثلاث وأربع حدائق سنويا.

وبحسب أرقام الأمانة، ارتفعت المساحة الخضراء في العاصمة من نحو 13 ألف دونم إلى قرابة 19.8 ألف دونم، فيما ارتفع نصيب الفرد من المساحات الخضراء من نحو 3.4 متر مربع عام 2022 إلى نحو 4.25 متر مربع مع نهاية عام 2026.

كما ارتفعت نسبة المساحة الخضراء العامة من مساحة مدينة عمّان، وفق بيانات الأمانة، من 1.7% عام 2022 إلى نحو 2.44%.