180 ألف طالب وطالبة (طار) منهم الفصل الأول والثاني

لم يتمكنوا من دخول "المنصة".. وانتظروا الأجهزة اللوحية
الرابط المختصر

"أنا كثير زعلان. بسبب الكورونا انقطعنا عن المدرسة. في البيت ما عندنا انترنت ولا حتى جهاز موبايل مناسب.  أصحابي في الشارع  الي نسكن فيه كلهم يتابعو دراستهم  لأنهم ببساطة عندهم انترنت ويمكنهم الدخول إلى منصة درسك". هذا ما أجابني به محمد  بحسرة عندما سألته كيف يتابع دروسه في ظل الظروف التي فرضتها الجائحة. محمد  طالب في الصف السابع في مدرسة "أم قصير الأساسية" في المقابلين التابعة للواء القويسمة، جلس بجانبي بينما كنت أتحدث إلى والدته وأسألها عن سبب انقطاعه وإخوته عن التعليم .

إنهم خمسة أيتام  يفترض أن يكونوا على مقاعد الدراسة، لأم في الثلاثين من عمرها، توقف تعليمها عند الشهادة الثانوية.  أم محمد التي رحبت بي واستقبلتني في بيتها المستأجر، في حي فقير من أحياء منطقة المقابلين، بدت خجلة من أثاث بيتها المتواضع جدا، والذي لا يزيد عن فراش أرضي يغطي ربع مساحة الغرفة. قالت وفي صوتها حزن " أنا عندي خمسة أطفال في المدرسة، لو تفتحي قلبي من جوا تلاقيه بيعيط عليهم، لأنه ولا إشي استفدنا من الفصل الدراسي الأول. ولا حرف من أول الفصل". ابنتها الصغرى هبة في الصف الأول، وابنتها الأكبر ندى في الصف الرابع وهما كأشقائهما الثلاثة انقطعتا عن الدراسة منذ بداية دوام الفصل الأول. تقول ندى:" ماعنا في البيت إلا موبايل أمي وهو مفصول. بشوف بنات صفي بيدرسوا وبيبعثوا واجبات على المنصة، وأنا نفسي أدرس زيهم". وجهت كلامها لي وكأنها تنتظر مني حلا  سحريا لمشكلتها.

 

بدأت معاناتهم مع تعطل الدراسة الوجاهية في المدارس وما أسفر من حلول، فعندما صدر قانون الدفاع في  آذار ٢٠٢٠ ، بموجب القانون الذي يمنح رئيس الوزراء صلاحية مطلقة بتعطيل وإنفاذ أي قرار لمصلحة الدولة في الظروف الطارئة، أعلنت وزارة التربية والتعليم بعد فترة وجيزة  عن تحول التعليم للتعليم عن بعد" التعليم الإلكتروني" وفق أمر  الدفاع رقم "7" فيما  استحدثت لاحقا منصة "درسك" للتعلم عن بعد، التي أُطلقت  في الثاني والعشرين من الشهر نفسه،  والتي يستلزم الدخول إليها، بطبيعة الحال، الوصول إلى الإنترنت، وتوفر أجهزة حاسوب أو موبايلات حديثة، أو أجهزة لوحية(تابلت)، الأمر الذي كانت تدرك وزارة التربية أنه غير متاح لعدد كبير من الطلبة. فبحسب خبر منشور على الموقع الإلكتروني لوزارة الاقتصاد الرقمي والريادة  بتاريخ 23 -8- 2020 فإن ما نسبته"  12% إلى 16% من طلاب المدارس الحكومية الأردنية لا يملكون أجهزة موصولة بالإنترنت وفقاً لدراسات متعددة.(لذلك) قررت الحكومة تغطية تكاليف شراء أجهزة حواسيب وتوزيعها بمعايير عادلة على الطلبة الفقراء". ومع العلم بأن عدد الطلاب في المدارس الحكومية يبلغ نحو مليون وخمسمائة فإن هذه النسبة مترجمة إلى الأرقام تشير إلى ما يزيد عن مائة وثمانين ألف طالب وطالبة حرموا، على الأرجح، من متابعة دراستهم على "منصة درسك".  

كما هو واضح فإن حال محمد  وإخوته هو حال عشرات الآلاف من الطلبة في المملكة. وفي هذا التقرير نعرض لأوضاع بعض الطلبة، في منطقة المقابلين،ممن فاتتهم متابعة دروسهم على "منصة درسك" كمثال على حجم هذه المشكلة، وتداعياتها على المستوى الدراسي للطلبة.

 

3800 جهاز لوحي حتى الآن

القرار الحكومي ، الذي سبقت الإشارة إليه، بيّن أن "عملية الشراء( للأجهزة) ستجري بالتقسيط" وأنه تم "تكليف لجنة العطاءات الخاصة بالتحول الرقمي في وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة بالسير في إجراءات الشراء والمفاوضة والتلزيم". لتوفير مائة وستين ألف جهاز  لوحي"تابلت" ستوزع على الطلبة منتصف كانون الثاني لعام ٢٠٢١م، أي بعد انتهاء الفصل الدراسي الأول لسنة 2020/2021.

 العطاء طرح رسميا في شهر آب من العام 2020، بحسب الناطق الاعلامي لوزارة الإقتصاد الرقمي شروق هلال، التي أكدت أن "الأجهزة اللوحية ستسلم لوزارة التربية في موعدها المحدد". وقالت هلال، في حديثها معنا، بأن حالات ملحة بحاجة لأجهزة وصلت لوزارتي التربية و الاقتصاد الرقمي، فوزعت وزارة التربية أكثر من 3800 جهازًا على الطلبة الأشد فقرًا في مختلف مديريات التربية، وكانت تلك الأجهزة من مؤسسات وأفراد قاموا بالتبرع بها.  مبينة أنه يفترض أن يكون هناك عطاء آخر مستقل لعدد أقل من الأجهزة لفئات معينة من الطلبة".

 

 

وزارة التربية كانت قد تلقت 1591 جهازا من "مؤسسة ولي العهد"، بتاريخ 31 مايو 2020 . كما تلقت  في كانون الأول 2020 تبرعا من دائرة الإحصاءات العامة  ب 7500 جهاز.  وفي خبر نشر على الموقع الإلكتروني لقناة "المملكة" في 5 كانون الأول 2020 أوضح الناطق باسم الوزارة عبد الغفور القرعان إنه "لغاية الآن تم توزيع 3176 جهاز في مختلف مديريات التربية والتعليم". توجهنا لوزارة التربية بمجموعة من الأسئلة بهدف الحصول على معلومات دقيقة حول عدد الطلبة المستحقين لهذه الأجهزة، وعدد الأجهزة التي تسلمتها الوزارة من المتبرعين، وماهية المعايير التي وضعتها الوزارة لتحديد الطلبة المستحقين، بالإضافة إلى عددهم في لواء القويسمة، وعدد الأجهزة التي وزعت في هذا اللواء حتى الآن. لكن إجابات الوزارة جاءت عامة دون تحديد أية أرقام، ما ألجأنا للاستعانة بما نشر من معلومات بهذا الخصوص في وسائل إعلامية مختلفة.

وجاء في الرد الرسمي أن وزارة التربية "عملت على حصر الأماكن التي لا تتوفر فيها خدمة الانترنت، والعائلات التي لا تتيح لهم ظروفهم المادية شراء أجهزة تابلت لأبنائهم الطلبة، وبدأت في خط مواز بطرح المبادرات لتوفير هذه الأجهزة بالتعاون مع المؤسسات الحكومية و بدعم من القطاع الخاص". وأن الوزارة "حرصت وما زالت على أن يكون إيصال الأجهزة التي يتم توفيرها للطلبة ذوي الحاجة، وغالبا ما يكونوا في المناطق النائية من المملكة" حيث "تقوم مديريات التربية والتعليم من خلال مدارسها بحصر هؤلاء الطلبة كونها الأقرب للواقع".

 

 

شروط مديرية التربية

 في 28 أيار 2020 أصدرت مديرية تربية لواء القويسمة تعميما رسميا لمدارسها بضرورة حصر أسماء الطلبة المحتاجين لأجهزة لوحية،  كما أصدرت تعميما آخر بالمضمون ذاته في 22 تشرين ثاني 2020، بحسب  مديرة مدرسة الحسنية الأساسية للبنين أمل السويطي. يطلب التعميم من مدراء المدارس  تزويد مديرية التربية بأسماء الطلبة الفقراء الذين ليس لديهم مصدر دخل، والذين ليس لديهم أدوات التعلم عن بعد ، والطلبة الذين يتقاضى أهلهم دعما من صندوق المعونة  الوطنية، والأسر التي لديها ثلاثة إخوة على مقاعد الدراسة، والطلبة الأيتام الذين ليس لديهم معيل.

 

بحسب ما أخبرنا به الناطق الإعلامي لوزارة التنمية الإجتماعية ناجح صوالحة فقد قام صندوق المعونة الوطنية بتزويد وزارة التربية والتعليم بأسماء  الأسر المنتفعة من الصندوق لتزويدها بأجهزة لوحية. وقد بلغ عددها في  لواء القويسمة تسعمائة وثمان وخمسين أسرة. منها ثلاثمائة وعشر أسر في المقابلين.

وفي أثناء إعداد هذا التقرير كان الناطق الإعلامي لوزارة التربية عبدالغفور القرعان قد صرح لنا بأنه تم  تسليم  خمس وثمانين جهازا لوحيا-فقط- لمدارس مديرية تربية لواء القويسمة.

رئيس قسم التعليم العام وشؤون الطلبة في مديرية تربية لواء القويسمة عصام خليفات أوضح لنا أن المديرية رفعت للوزارة قائمة بأسماء أربعمائة وخمسة عشر طالب وطالبة مستحقين، وتسلمت بالفعل، بتاريخ 28 أيار 2020، ثلاث وثمانين جهازا لوحيا من ثلاث جهات متبرعة: مؤسسة ولي العهد، ومركز الملكة رانيا لتكنولوجيا المعلومات، ومتصرفية لواء القويسمة. لكن وحدها الأجهزة المتبرع بها من قبل مؤسسة ولي العهد كانت تتضمن شرائح إنترنت. بحسب خليفات.

 تتقاضى أم  محمد راتبا شهريا من صندوق المعونة بمقدار 200 دينار، تدفع منه 150 دينار أجرة البيت الذي تسكنه، وما يتبقى منه تنفقه على الطعام. تقول:" الطعام أولى من شراء بطاقات الإنترنت".  لكنها مع ذلك عندما علمت أن وزارة التربية ستقوم بتوزيع أجهزة لوحية على الطلبة المحتاجين ذهبت في  تشرين الثاني 2020 إلى مدرسة ابنتيها هبة وندى لتتأكد من إمكانية حصولهما على جهاز لوحي، فوعدتها مربية صفها هبة خيرا.  غير أن أسابيع وأشهر مرت دون جديد. تضيف أم محمد:"راح عليهم الفصل واحنا بنستنى جهاز تابلت. بتمنى من الجهات المسؤولة عن توزيع الأجهزة تزورنا وتشوف الوضع بعينها، أو يرجعوا التعليم الوجاهي"

أبناء أم محمد كانوا يتابعون دروسهم على التلفزيون، لكن اجتياز الفصل الدراسي وتقديم الامتحانات يلزم الطلاب بالتسجيل والحضور إلكترونيا في "المنصة"، وهو أمر زاد من إرباكهم وصعّب مهمتهم فانقطعوا عن الدراسة.

تعلق المعلمة أسماء خليل ،على وضع هبة، بالقول: " هبة منقطعة عن المنصة منذ بداية الدوام، وبالإضافة إلى كوني مربية صفها أسكن بجوارها، لذلك فأنا مطلعة على وضع أسرتها المادي الصعب. أضفت اسمها إلى قائمة أسماء الطلبة الذين تنطبق عليهم معايير "التربية" للحصول على جهاز لوحي،  لكنها حتى الآن لم تستلم هذا الجهاز، كما لم تصل أية أجهزة لباقي الطالبات المستحقات في المدرسة".

أمل(في الصف السادس) طالبة أخرى  انقطعت عن الدراسة. تسكن أمل في المنطقة نفسها، وهي أيضا لم تتمكن من متابعة دروسها على "منصة درسك". تتحدث إلينا عمتها عن ظروفها الأسرية فتقول:"بيت مستأجر، وأب يعيش مع زوجته الثانية في دولة أخرى، وأم تخدم في البيوت. حاولت مساعدتها بقدر ما أستطيع، لكنني لم أتمكن من مواصلة توفير حزم الانترنت لها. لدي أيضا أبناء في المدرسة وإمكانياتي لا تسمح بتغطية تكاليف الإنترنت لهم جميعا. فاكتفيت بتدريسها من الكتب فقط".

 

مسألة متوقعة

المعاناة هذه يتفهمها تماما المعلمون والمعلمات الذين هم حلقة تواصل أساسية في العملية التعليمية، ويدركون أيضا حجم الأثر السلبي الذي تتركه على الطلاب، لذلك تتحدث إلينا معلمة اللغة العربية  في مدرسة "الحسنية الأساسية للبنات" عزيزة مبارك، بكثير من التأثر،  وتقول: "حزينة على كل من انقطع عن التعليم الوجاهي. المؤكد أن ذلك سيتسبب بفجوة كبيرة في مشوارهم التعليمي. مع انتهاء الفصل الدراسي الأول هناك فئة كبيرة  من الأهالي لم تساعدهم ظروفهم الاقتصادية على توفير أجهزة لأبنائهم لمواصلة التعلم عن بعد، ما سلب هؤلاء الأبناء حقا أساسيا من حقوقهم في العيش بكرامة".

 وتشرح المعلمة، مها حمدان(مدرسة لغة العربية في مدرسة ثانوية في المقابلين) جانبا آخر من هذه المشكلة فتقول: وضعت أسماء طالباتي، اللواتي أعرف ظروف معيشتهن الصعبة، في القائمة المطلوبة رغم أن معايير مديرية التربية لم تنطبق بالكامل على العديد منهن، لكن للأسف لم يصل إلى المدرسة أي جهاز لوحي".

أما مديرة مدرسة الحسنية الأساسية للبنين أمل السويطي فبادرت وعدد من المعلمات في مدرستها لمساعدة طلابها دون انتظار حل من الخارج. تقول: " لم تنطبق معايير مديرية التربية على معظم الطلاب المحتاجين في مدرستنا. لذلك وثقنا في سجل خاص أسماء الطلاب الذين لم يدخلوا إلى "المنصة" وقامت بعض المعلمات بالتبرع ببطاقات شحن للإنترنت لعدد منهم، لأننا نعرف وضعهم تماما" وتتابع: من انطبقت عليهم الشروط لم يتجاوز عددهم الثلاثة، وعلى كل حال لم تستلم المدرسة بعد أي جهاز لوحي".

يرى تيسير الهور، معلم التربية الاسلامية في مدرستي "أم قصير" و"المقابلين الأساسية الثانية للبنين" أن انقطاع عدد من الطلبة عن التعلم ومتابعة "المنصة" مسألة متوقعة ومفهومة، ويشرح ذلك قائلا : نحن في مجتمع يعد فيه امتلاك هذه الوسائل؛ الأجهزة اللوحية، وأجهزة الحاسوب، والانترنت، أمرا مكلفا للكثير من الأسر.  وحتى إن توفر جهاز من هذه الأجهزة لمن لديه ستة أبناء فكيف يمكنهم كلهم متابعة دروسهم على "المنصة"؟!، متابعا أن المدرسة التي يعمل فيها لم تستلم حتى الآن أي جهاز لوحي، كما أن طلابها لم يتلقوا أي مساعدة مادية يمكن أن تعينهم على تجاوز هذه الأزمة.

وأضاف الهور حول حجم التفاعل الذي يحققه كمدرس على "المنصة" مع طلابه: من خلال ما رصدته فإن تفاعل الطلاب مع الواجبات المنزلية لم يتجاوز 33% . عدا عن أن كثرة المشاكل التقنية في الدخول إلى المنصة قد تكون سببا إضافيا في ضعف هذا التفاعل. وهنا لا بد من التأكيد على أن التعلم عن بعد وسيلة لا يمكن أن تكون مستقلة بذاتها، فهو يفتقر إلى ركائز أساسية متمثلة باستراتيجيات التدريس المختلفة، خصوصا في المراحل الأساسية التي تتطلب تفاعلا بين الطالب والمدرس".

 

العدالة في التعليم

في كلمة  وزير التربية والتعليم لمجلس النواب بتاريخ ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٠  لم ينكر أن ثمة طلبة لم يستطيعوا متابعة دروسهم، وقال إن ما نسبته ٨٨،٥% من الطلبة على مستوى المملكة قد دخلوا بالفعل إلى المنصة، وأن ٦٢% من الطلبة سجلوا دخولا يوميا مع المواظبة على دروسهم، معتبرا هذه النسب مرضية.

الأمين العام للشؤون الإدارية والمالية لوزارة التربية والتعليم نجوى القبيلات توضح سبب تأخر الوزارة بتسليم جميع الطلبة المستحقين الأجهزة اللوحية فتقول :"تخضع بعض التبرعات لشروط الجهة المتبرعة، فهناك من يطلب منا توزيع الأجهزة على قرى جنوب المملكة مثلا، فيما بعض المتبرعين ارتأوا توزيع ما تبرعوا به من أجهزة على أبناء الأسر التي تتقاضى مساعدات من صندوق المعونة الوطنية".

نسب دخول الطلبة لمنصة "درسك" التي صرح بها وزير التربية،  يقرأها  الدكتور فاخر دعاس، الناشط الحقوقي  في حملة ذبحتونا - التي انطلقت بتاريخ ٢٠٠٧ والمعنية بالدفاع عن حقوق الطلبة - على أنها  دليل "على إخفاق حكومي في تحقيق العدالة في التعليم" وخلل في تطبيق المادة السادسة من الدستور، تسبب فيه التعلم عن بعد، والتي تنص على أن "تكفل الدولة العمل والتعليم لكل الأردنيين ضمن حدود إمكانياتها، وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين"، والمادة عشرون من الدستور والتي تنص على أن "التعليم الأساسي إلزامي وهو مجاني في المدارس الحكومية".  لذلك  أطلق دعاس، في العشرين من شهر ديسمبر 2020، "عاصفة" إلكترونية تدعو لعودة التعليم الوجاهي بوسمي" الفصل الثاني وجاهي"و " نحو عودة آمنة لمدارسنا" تصدرا (ترند) الأردن على منصة تويتر خلال أقل من ساعتين من إطلاقهما.

يقول دعاس:" بحسب تصريح وزير التربية فإن ١١،٥% لم يدخلوا المنصة ما يعني حرمان أكثر من ١٨٠ ألف طالب من حقهم في التعليم الذي كفله الدستور لهم".

وتلفت أخصائية الطفولة المبكرة ناريمان عريقات إلى الأثر السلبي الذي ستتركه تجربة الانقطاع عن التعليم  على نفسية هؤلاء الطلاب، وتقول:" هذا الانقطاع سيؤثر بدون شك على مستواهم الدراسي، وسيضعف بالتالي دافعيتهم نحو التعلم ناهيك عن إحساسهم بفراغ كبير. أكثر المتضررين هم الطلاب في المرحلة الأساسية، وأتوقع أن تكون مخرجاتهم التعليمية ضعيفة جدا لا تؤهلهم لمتابعة المرحلة التالية".

 

خارج الأطر التقليدية

أمام هذا الوضع المعقد والمفاجئ الذي فرضته الجائحة ظهرت مبادرات مؤسسية وفردية حاولت المساهمة في تقديم حلول، وإن كانت جزئية، تساعد بعض الأسر والطلاب على تجاوز هذه الأزمة. ومن ذلك  مبادرة مؤسسة "أنا أتعلم" (منظمة غير حكومية) في إطلاق حملة وطنية بعنوان "درسي بايدك" التي تركز على إعادة جمع وإعادة صيانة الأجهزة الإلكترونية وتوزيعها على الأسر المستحقة.

يقول مطلق الحملة صدام سيالة:"بدأنا العمل على الحملة في شهر نيسان 2020، من خلال استبيان كشف لنا أن الكثير من الأهالي لا يمتلكون القدرة المالية لتوفير الأجهزة المناسبة لأبنائهم لمتابعة "المنصة"، أو توفير خدمة الانترنت. فطلبنا من الشركات والأفراد التبرع بأجهزة حواسيب وتابلت وتلفونات، وقمنا بعمل الصيانة اللازمة لبعضها، و زودناها أيضا بمفاتيح لمنصة "أبواب" التعليمية لمدة سنة، وسلمنا هذه الأجهزة لأكثر من 1200 أسرة من سبع مناطق في المملكة."

وترى رئيسة قسم العلوم التربوية بجامعة البترا أسيل الشوارب أن "المشكلة عالمية والأردن ليس استثناء" في هذا المجال.  المهم، كما تقول، هو التفكير بتعويض ما فقده الطلاب خلال هذه الفترة، فمن  الضروري "إعادة تكييف البرامج وتقييم حالة كل طالب قبل المضي بالمنهاج". داعية للخروج من أطر التفكير التقليدية، وضرورة تنظيم مبادرات مجتمعية تقترح حلول مختلفة، بعيدا عن الجلوس بانتظار الأجهزة اللوحية من الحكومة.

لكن من جهة أخرى فإن مدير اللجنة القانونية في المرصد الوطني لحقوق الإنسان المحامي ناصر حتاملة، يحمل الحكومة المسؤولية الكاملة عن توفير التعليم لكل أبناء الوطن ، ويقول:" لأن التعليم مجاني كان الأولى بوزارة التربية إيجاد الآليات والحلول المناسبة للمواطنين غير المقتدرين قبل إعلانها عن التعليم عن بعد. القرار يمس حقوق الطلبة الدستورية" وتابع: " لكن بحكم أنه صدر في إطار أحكام قانون الدفاع  رقم (13) لسنة 1992، لا يستطيع أحد مقاضاة وزارة التربية".

ورغم إعلان وزير التربية والتعليم في الثالث عشر من كانون الثاني 2021 عن عودة متدرجة للتعليم الوجاهي في الفصل الدراسي الثاني، فإن ظهور سلالة جديدة من فيروس كورونا يزيد مخاوف الأهالي من أن تكون هذه العودة مؤقتة، بينما تشغل عقولهم هواجس مؤلمة حول تدهور المستوى التعليمي لأبنائهم من جهة، ومن جهة أخرى إحساس أبناءهم بالتمييز والفوارق بينهم وبين الطلبة الذين أسعفتهم ظروفهم الاقتصادية الجيدة لمتابعة دروسهم عبر منصة "درسك".

في بيان الثقة لرئيس الوزراء  بشر الخصاونة أمام مجلس الأمة التاسع عشر الذي ألقاه يوم الأحد ٣ كانون الثاني ٢٠٢١،  أكد الخصاونة على أن"المكان الطبيعي لتدريس الطلبة هو مدارسهم"، غير أنه حذر من التسرع في فتح القطاعات، وأكد بأن قرار العودة مرهون باستقرار الوضع الوبائي، مشيرا إلى أن "الحكومة تعمل على تأمين الطلبة المحتاجين بالأجهزة والمعدّات، ليكون التعليم الإلكتروني داعماً ومعزّزاً لتطوير جودة التعليم"، وهي كما قال "ملتزمة بتوفير الخدمات التعليمية لجميع فئات الطلبة بعدالة ومساواة".  هذا كان تصريح رئيس الوزراء، إلا أنه لم تمض مدة قصيرة حتى أعلن وزير التربية والتعليم أبو قديس- وهو الوزير ااجديد خلفا للنعيمي- عن تأجيل العودة إلى المدارس، ليمضي طلبة المدارس الفصل الثاني من عامهم الدراسي في التعلم عن بعد، ومع دخولنا بموعد  عطاء وزارة الإقتصاد الرقمي والريادة لتوزيع أجهزة لوحية  تصرح الناطقة  الرسمية للوزارة عن إرجاء  الموعد لإشعار آخر، ليعود الجدل حول إمكانية متابعة آلاف الطلبة دراستهم عن بعد مع قرب إنتهاء السنة الدراسية للعام 2020-2021م.

  • انتج هذا التقرير بدعم وإشراف من (أريج)

 

أضف تعليقك