وجه «الرجل الجميل».. فتنة ايضا

الرابط المختصر

تثور النقاشات حول النقاب للمرأة ، ولاني لا املك علما شرعيا فلا استطيع ان افتي ولا ان اجزم ، بأيهما اصح ارتداء النقاب ، ام جواز عدم الارتداء ، ولا اقبل ان اكون "غمازا" من قناة الدين وتشريعاته.

ما يهم هنا هو الاولويات في صياغة شخصية هذه الامة ، اذ انه بعد الف واربعمائة عام بعد رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ما زال الاختلاف قائما بين المفسرين والمفتين والمحللين للنصوص ، بطريقة لا تؤدي الى الرحمة ، بل الى الخلاف الحاد بين اصحاب الرؤى الشرعية ، وتغيير في الاولويات ، وبعد الف واربعمائة عام ، تفتح مواقع الانترنت وتقرأ الصحف والكتب ، وما زلنا نتناقش حول فقه الوضوء ، وحقوق المرأة ، وقصص من قبيل حكم لمس يد امرأة بالخطأ في مطار او مستشفى ، وغير ذلك من قصص يستفتي حولها الناس كل يوم.

المصيبة ، هي في من يحتاج الى فتوى في قضايا حياتية ليست بحاجة الى فتوى اساسا ، فهناك عشرات القضايا الحياتية ليست بحاجة الى فتاوى ، وبحاجة الى تدبير بشري ، والى قراءة الظروف ليقرر المرء موقفه منها ، وهناك قضايا ما زلنا نثير العصف الذهني حولها ، وكأن كل المشاكل تم حلها في العالم الاسلامي ، وقد سألت صديقا عزيزا يحمل الدكتوراة الشرعية حول النقاب فقال انه ثابت لبسه ، فقلت له ان المرأة اذا لبسته في اوروبا فقد تتعرض لاعتداء ، فأيهما اولى لبسه ، ام خلعه والحفاظ على حياتها والاكتفاء بالمنديل العادي ، فقال ان عليها لبسه ، فكررت عليه السؤال وقلت ان هناك من يتحرش بالمسلمين في اوروبا ، وفي هكذا وضع فقد يجلب لها "النقاب" ضربة سكين او اعتداء ، خصوصا بعد اتهامات الارهاب الظالمة ، فقال لتعد مع عائلتها الى بلدها الاساس ، فقلت له "بلدها الاساس وسط حرب لا ترحم ، فأين تعود ، واين التيسير على الناس؟" لم يجب واكتفى بأن اكد الحكم الشرعي ذاته برغم معرفته بوجود فقهاء يخالفونه ، قائلا ان "وجه المرأة الجميلة فتنة" على الرجل ، فقلت له ان "وجه الرجل الجميل ايضا فتنة" على المرأة فهل سيكون بحاجة لنقاب ، فاكتفى صديقي بتقريعي معتبرا اياي جاهلا ، واتحدث فيما لااعرف ، فاعتذرت له ، حتى لا يفهم انني من اولئك الذين يغمزون من قناة الدين ، لا سمح الله.

ليست هذه هي الاولويات ، ففي العالم العربي والاسلامي مشاكل كبيرة. الجهل والفقر وقلة التعليم ، وانتهاك حقوق الانسان ، والفهم المغلوط للدين ، والحياة ، بل والفهم الخاطئ للوجود على الارض من تعميرها الى كونها فقط وسيلة نقل للاخرة ، فنهمل كل شيء ، ونبقى ننتظر دخول الجنة فقط ، وهو منطق سائد أدى الى غياب العرب والمسلمين عن الصناعة والزراعة والعلم والتطور ، وادى الى تراجعنا الى مرتبات دنيا في سلم الامم ، لاننا ما زلنا نعتبر اننا الاحسن ، واننا الافضل ، وان الجنة مضمونة ، وان "الكفار" عليهم واجب خدمتنا وتقديم علومهم لنا ، باعتبارهم خدم لنا ، على رأي احد الفقهاء رحمه الله وسامحه على هكذا افكار ، ليأتي دور من أعاد صناعة الاسلام العظيم ، في محاولة لجعله اسلام الخلافات والمختلفين حول القضايا الثانوية ، فقهية كانت ام عقائدية ، حتى انه - في الاغلب - الاخفض في معدلاتهم المدرسية والجامعية يتم تسليمهم المساجد في العالم الاسلامي للخطابة ، بدلا من العكس.

مشروع التنوير الذي نحلم به ، لم نره حتى اليوم ، ولا مؤشرات عليه اساسا ، واي نهضة لن تقوم ، ما دمنا نقف عند التفاصيل الثانوية ، وننتظر الفتاوى لكل شيء ، حتى القضايا التي ليست بحاجة الى فتاوى ، وما دام هناك انغلاق ، وتنازل عن الدور الدنيوي طمعا بالاخرة ، باعتبار ان الاولى فانية والاخرة باقية ، فان حالنا سيبقى كما هو ، عجز في صناعة عود الكبريت حتى الطائرة واتهام لاعداء خفيين بالتآمر علينا كخير وسيلة لتبرير كل هذه التراجعات.

مثلما ساوى الله بين حق الطلاق وحق الخلع ، فان الفتنة ليست محصورة بوجه المرأة ، فوجه الرجل فاتن ايضا في حالات كثيرة ، حتى لا يبقى فقه بعض الفقهاء سامحهم الله ذكوريا ، يرى الطبيعة البشرية من زاوية واحدة فقط ، وحتى يأتي من ينصف هذا الدين ويرد له روحه ، من اولئك الذين يقتلونه باسم خدمته ، فان المراهنة تبقى قائمة على العلماء المتنورين ، الذي يجمعون بين العلم الشرعي وفطنة العقل لصياغة مشروع تنويري حقيقي يناسب الزمن ، ويناسب كل هذه التغيرات.