هل نهنئ الرئيس الرفاعي بتشكيل الحكومة أم نعزيه!؟

الرابط المختصر

أتى على أمتنا المتعبة زمن كان الناس يسعون فيه إلى الفرار من تولي المناصب العامة سعي المرء إلى الفرار من كابوس مرعب لا يحتمل! إذ كانوا يعون أي عبء هائل سيثقل كواهلهم وأية مسؤولية خطيرة ستقيّد أعناقهم إذا ما تورطوا بإشغال مثل تلك المناصب، أمام الناس، وقبل ذلك والأهم منه، أمام الله، الذي سيواجهونه حتماً ذات يوم، قصر الزمان أم طال! وفي حال ما إذا كان الواحد منهم يعدم الوسيلة للتملص من الضغوط والإحراجات التي يفرضها عليهم أهل الحكم لتقلد هذه الوظيفة الرسمية أو تلك، كانوا يَقبلون تقلدها على مضض، والخوف يعتريهم والإشفاق يلفهم، وكأنهم يُقبلون على تجرع سم زعاف لن يؤدي إلا إلى موت أرواحهم قبل أجسادهم! وكان الخلّص من أهلهم وأصحابهم يجدونهم أهلاً للعزاء الحقيقي، فما أصعب ما ابتلوا به وما أثقله وما أبهظه!
أما اليوم، في أيامنا السفيهة التي بات باطن الأرض فيها أخير من ظاهرها، فقد انقلبت الآية رأساً على عقب، وبات الناس يجرون، بل يبدون أتم الاستعداد للزحف على أربعتهم سعياً إلى الظفر بمنصب عام، طمعاً فيما سيفتحه لهم ذلك المنصب من أبواب الإثراء والتميز والتشاوف والتنعم على حساب خلق الله! فعجباً له وكم هو مسكين ابن آدم، وكم يصدق فيه إذ يهرول بقدميه لحمل الأمانة التي هربت السماوات والأرض والجبال من حملها قول المولى عز وجل: "إنه كان ظلوماً جهولاً"!
على أية حال، لقد وصلت الأمانة إلى يد الرفاعي الحفيد الآن، ولا بد في كل الأحوال لأحد من حمل الأمانة، التي يغدو حاملهاً "فدائياً" قابلاً لأن يقف مفتوح الصدر أمام ما لا حصر له من المخاطر والتحديات! هذا، ولقد أحسن السيد الرفاعي صنعاً بأن يبدأ عهده بالإعراب عن تمنيه بألا تعمد إدارات الصحف إلى نشر التهاني له بتشكيل الحكومة، وأمله بأن تُنفق قيمة الإعلانات المزمع تدبيجها في مصارف الخير ووجوهه.
ولكن لأننا في زمن يعج بأهل النفاق، كان حرياً به أن يصدر أمراً صارماً يتجاوز الأمنيات بمنع نشر مثل تلك التهاني، التي أخمّن أن أصحابها من المنافقين الأفاقين لن ينزلوا عند رغبته وسيملأون بها الصحف، مع أن الجميع يعرف أنها ليست أكثر من نفاق مكشوف يسارع أهل المآرب الشخصية الرخيصة والوجوه المتعددة المتلونة إلى بذله بين أيدي من يشاء له حظه العاثر الابتلاء بالوصول إلى موقع رسمي رفيع! فالرجل، صدقوني، لا يحتاج إلى التهاني الآن، بل يحتاج إلى النصيحة المخلصة المترفعة عن الأغراض الشخصية، والدعاء الصادق إلى الله بأن يهديه ويرزقه بصيرة القلب، ونور العقل، والقدرة على حمل ذلك العبء الفظيع الذي ابتلي بحمله!
لا أخفيكم أنني أشعر بكثير من الإشفاق على الرجل، فالزهو البشري الذي سيغمره لتبوئه ذلك المركز السامي وهو ما يزال في شرخ الشباب ـ وهو شعور إنساني طبيعي ومشروع دون شك ـ سرعان ما سيتلاشى أمام تزاحم الملفات الكارثية التي لن تتسع لها كل أرفف وأدراج مكتبه الفسيح، مخلياً المكان لحلول مشاعر القلق والتورط والتشوش؛ إذ سيجد الرجل نفسه مسؤولاً فجأة عن ملفات شائكة وعالقة تراكمت صفحاتها منذ عقود طويلة، كما سيجد نفسه يتحمل وزر كل أخطاء وعثرات مئات الألوف من الموظفين الذين يعملون تحت مظلة حكومته، بدءاً بوزرائه الكرام، مروراً بكوادر الأمن والدرك، وانتهاءاً بأصغر حاجب يقف على باب أصغر الدوائر الحكومية، وسيغدو مطالباً بإيجاد حلول سحرية حاسمة وعاجلة وناجعة لكل تلك الملفات، وإلا فإن ملايين الألسن الحادة والعيون الثاقبة ستتوجه إليه بأقسى نظرات اللوم وعبارات النقد، إن لم تتجه إليه بما يدخل في باب الاتهام والتشنيع والتجريح!
الرفاعي الحفيد يحتاج لأن يكون "سوبرمان" حقاً كي ينجح في مجابهة التحديات التي تتربص له وتفغر فاها القبيح في وجهه، حتى قبل أن يخطو عتبات مكتبه في الدوار الرابع، فمشاكل استفحال الفقر والبطالة والتضخم وعمالة الأطفال وتفشي الفساد والواسطة وانسداد آفاق التوجهات الديمقراطية وتدني مستوى خدمات التعليم والصحة والإسكان وغلاء أسعار اللحوم والوقود والأغذية وتلوث البيئة وشح المياه وكثافة حوادث السير وتخلف شبكة المواصلات العامة ورداءة برامج التلفزيون وتعنيف النساء والأطفال والشيوخ وانتهاك حقوقهم وتزايد معدلات الجرائم وتفاقم الاشتباكات العشائرية والتشنج في العلاقة بين رجل الأمن والمواطن ومخاطر التوطين والتآمر الصهيوني والتشرذم العربي وغيرها وغيرها...، تقف له بالمرصاد مادة لسانها، لثقتها بأن من شبه المستحيل إيجاد حل سريع وملموس الأثر يحظى برضى سواد الناس لأي منها. فقولوا لي بربكم، هل خطاب التهنئة هو الخطاب المناسب توجيهه لذلك الرجل الذي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع كل تلك المصائب العاتية أمام ملايين العيون المحدقة!؟
للمغرمين بنشر الإعلانات ـ بالصفح عن النوايا ـ أنصح: إذا كنتم تصرون على تذكير رئيس الوزراء الجديد بأنكم هناك، فانشروا إعلانات لتعزيته بنضارة وجهه الوسيم التي ستذوي، وبشعره الذي سيتراكم فيه الشيب وربما يبدأ بالتساقط الوشيك، وبابتسامته الوضاءة التي سيختفي بريقها، وبراحة باله التي سترحل دون عوده، وبأحلامه الوردية التي ستستحيل كوابيس سوداء، وبسمعته التي ستنهشها ألوف الألسنة، حتى وإن أفنى نفسه إخلاصاً في خدمة وطنه ومواطنيه، فمحمد عليه الصلاة والسلام نفسه، وجد من يقول له "إعدل يا محمد"، فكيف برئيس وزرائنا المبتلى الذي يتسلم زمام السلطة وهو يحمل على ظهره تاريخاً مهنياً وعائلياً يجعله هدفاً للكثير من سهام النقد والتشكيك الموجعة، حتى قبل أن يبدأ!؟
[email protected]